رواية «العطل» لدورينمات.. لعبة مسرحية فى قصر ثقافة سوهاج !

«اللعبة» عن قصة العطل لدورينمات، دراماتورج وإخراج مصطفى إبراهيم السيد.. هذا ما جاء فى بطاقة عرض اللعبة لفرقة سوهاج القومية، العرض الذى شاهدته ضمن عروض المهرجان الختامى فى مسرح السامر، فقد اختار المخرج الذى قام بالإعداد اسم اللعبة لأحداث العرض الذى استمر ما يقرب من ساعة ونصف.

 

وقبل أن تبدأ الأحداث يشاهد الجمهور فضاء اللعبة الذى لن يتغير، يجسد القرية، وأيضاً البيت الذى تدور فيه الأحداث كلاهما معاً وأهل القرية الذى جعلهم العرض شركاء فى الأحداث أقرب إلى الكورس الإغريقى الجوقة بمعناها الكلاسيكى/ ضمير المجتمع، ويسميهم المخرج فى بطاقة العرض المحلّفين أيضاً، فنحن أمام لعبة يشارك فيها الجميع، وهذه فكرة العرض، أهل القرية / الكورس ضمير المجتمع حاضرون فى الحكاية يشاركون «الفريدو ترابس» الأحداث ويحكون عنه بل ويكملون الأحداث ويخاطبون الجمهور بدلاً منه، وثمة مهرج أقرب إلى الراوى يتكلم عن ترابس يحكى عنه يشارك، المحقق، المحامى، فاللعبة يشارك فيها الجميع، وترابس لم يكن وحيداً، وفى المشهد الأول نشاهد أهل القرية يحملون أقنعة على طرف العصى، أقرب إلى الجماجم سوف تستمر معنا للنهاية ويتم استخدامها فى العرض وبعض المشاهد تعتمد على هذه الأقنعة، ومعها يمسك أهل القرية بمجموعة من الأوراق فى مطويات يسردون من خلالها حياة وكيل المبيعات ألفريدو ترابس، حين يحكى أو يعترف، وكأن سيرته محفوظة فى هذه الأوراق، وحتى حين ينفذ حكم الإعدام فى نفسه فى نهاية العرض شارك فيه الجميع، فكلنا شركاء فى اللعبة حيث يتم وضع رقبة ترابس فى عدة مشانق يمسك بها الجميع من كل ناحية، ثم نشاهد آخرين فى فضاء اللعبة فى غرف المحكومين لذنوب وعقوبات متنوعة، فليس وحده المذنب! وفى المشهد الأخير يوقظ المهرج ترابس وكيل المبيعات من نومه بعد أن يخرج الجميع من المسرح وكأنه يحلم... وكأنها حكاية، ولم ينتحر ونستمع إلى أغنية «اخلع قناعك واعترف بما فعلت وافتح لذاتك ألف باب إن غفوت» وكأن من نام ليس ترابس بل ذاته ويفسر من خلال الأغنية الأخيرة رؤيته للنص «الجرم جرم النفس حقاً وإن صدقت والسجن سجن الذنب حتى وإن نجوت» وهى كلمة المخرج فى بطاقة العرض.

الفكرة دون شك جيدة، فكرة اللعبة التى يشارك فيها أهل القرية، أى المجتمع، وكيل المبيعات ترابس وهم يحملون الأقنعة فى دلالة على الزيف والبحث عن الحقيقة فى رحلة الإنسان... بالإضافة إلى الديكور فضاء هذه اللعبة الذى صممته مع الملابس والإكسسوار فاطمة أبوالحمد ورغم واقعيته لا يخلو من الرموز والدلالات، حيث ازدحم فضاء الحكاية بالساعات التى سوف تدق، بالإضافة إلى بندول يتدلى فى الفضاء لتجسيد الملل الذى يعانى منه هؤلاء فلجأوا إلى فكرة المحاكمة اليومية، أو قُل الملل الذى يعانى منه الإنسان فى الحياة! إلا أن تصميم المخرج على تقديم عرض يحمل آفات وأمراض مسرح الثقافة الجماهيرية غير مبرر، فرغم الوعى بالنص والإعداد الجيد الذى قدمه مصطفى إبراهيم السيد كان الإخراج التقليدى الذى صمم من خلاله على وضع الرقص والغناء فى المشاهد دون مبرر، ليحشر مجموعة من الأغانى فى العرض كان لها تأثير سلبى على إيقاع العرض، بالإضافة إلى تواضع مستوى الأداء التمثيلى والأخطاء الفادحة فى اللغة العربية، ولم يكن كل هذا فى صالح فكرة جيدة وجديدة مغزاها الجميع يتحمل الخطأ، الجميع مشارك فى الحكاية التى أطلق عليها المخرج اسم اللعبة، الجميع يحكى عن ترابس ويحكى له ويحكى معه، ثمة فضاء وحيد للحكاية يختلط فيه البيت فضاء الحدث بالقرية، وهذا يدل على وعى المخرج بالنص، ويدل أيضاً على أنه موهوب وعليه أن يتجاوز القوالب الجاهزة والجامدة، وكما قرأ نص دورينمات «العطل» برؤية معاصرة كان عليه أن يعى أن مفردات العرض على خشبة المسرح تحتاج رؤية تتناسب وقراءة عطل دورينمات الذى يعتمد فى بنيته العميقة على الحوار الجدلى وعلى الصراع الداخلى للبطل، والخارجى مع المجموعة التى حل ضيفاً عليها، وهى أيضاً نموذج لقناعته فى محبة الحقيقة، حيث يتساءل فى بداية الرواية التى ترجمها إلى العربية ببراعة سمير جريس ومن خلال مقدمة قصيرة اعتبرها دورينمات الجزء الأول من الحكاية يخبر القارئ ويورطه فى الفكرة ويجعله شريكاً فى هذه اللعبة كما يتورط المشاهد حين يوجه إليه الممثل الكلام فى حوار مباشر بين خشبة المسرح والصالة، يسأل دورينمات القارئ «ألا يريد المرء أن يحكى عن نفسه وأن ينقل الذاتى إلى العام برومانسية وشاعرية؟»، وهذه المقولة تجسد رؤيته لهذه الحكاية التى تقوم فى ظاهرها على الصدفة التى قادت شخصاً ما أن يتعرف على حقيقته، وذلك حين تعطلت سيارة وكيل المبيعات وهو فى طريق عودته لإتمام إحدى الصفقات، فحكى كل شىء عن نفسه، كل ما لا يعرفه عن نفسه.

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص