الموسيقى التصويرية.. معزوفات عبقرية خلدت النصر فى قلوب المصريين

أيقونات فنية فى السينما والدراما

الموسيقى التصويرية ليست مجرد خلفية للأعمال السينمائية والدرامية، بل هى من نسيج العمل، تعمق المشاعر تجاه الأحداث وتضيف بعداً جديداً لها، والمؤلف الموسيقى الناجح هو من يتمكن من تقديم معالجة موازية للسيناريو، تحرك انفعالات الجمهور، وهو ما حدث فى  العديد من الأعمال التى تناولت حرب أكتوبر المجيدة.

ومع انطلاق شرارة الحرب العالمية الثانية فى الأربعينات من القرن الـ20، بدت الموسيقى عاملاً مؤثراً فى السينما، فبعد انتهاء الحرب قامت مجموعة من الشباب بتغيير التوجه العام للموسيقى التصويرية ونقلها من طابع السيمفونية الثقيلة إلى طابع موسيقى خفيف؛ وبعد حرب أكتوبر المجيدة تناول عدد من الأفلام والمسلسلات الانتصار المجيد، تخليداً لتلك الذكرى العظيمة، ومن خلال هذه الأعمال تشكلت فى وجداننا وأذهاننا موسيقاها التصويرية التى تنمى فى المشاهدين والمصريين الروح الوطنية، سواء تناولت تلك الأعمال الفنية الحرب أو حتى تحدثت عن الجانب الوطنى بشكل عام.

 رأفت الهجان

الموسيقى التصويرية لتتر مسلسل "رأفت الهجان" لحن لا يزال عالقاً فى أذهاننا جميعاً، ويذكرنا بأيام مضت، عندما كانت الدراما المصرية فى أفضل فترات عطائها، فقد حفرت هذه الموسيقى اسمها بأحرف من نور فى تاريخ الفن المصرى، وأصبحت معياراً لنجاح الأعمال الدرامية التى تتناول الجاسوسية، إذ استطاع المؤلف الموسيقى عمار الشريعى بلمساته الساحرة، تحويل قصة رفعت الجمال إلى لحن جميل فى وجدان الأجيال، فباتت الموسيقى التصويرية للمسلسل علامة فارقة فى تاريخ الدراما العربية، شاهدة على إبداع الفنانين المصريين، الذين صنعوا عملاً فنياً لا يُنسى.

وكواليس العمل لا تقل إثارة عن الموسيقى الجميلة التى أخرجها لنا الفنان الراحل عمار الشريعى، فقد جلس فى حيرة من أمره طيلة 4 ساعات، من 8 مساء وحتى الثانية عشرة من منتصف الليل، بصحبة صديقه الموسيقار الذى يدعى إبراهيم، وهو مشغول البال ويخبره: "يا إبراهيم مش لاقى الفكرة والوقت أزف".

وعندما غلب النعاس عمرو الليثى، الذى كان وقتها مساعداً للمخرج يحيى العلمى، وكان مكلفا من المخرج الراحل بمتابعة عمار الشريعى للحصول على تتر المسلسل، واستلقى نائماً على أريكة بمنزل عمار فى منطقة الحسين، بعدما سبقه الموسيقار الراحل إلى النوم على أريكة مجاورة، فوجئ الليثى بصوت الشريعى فى الثالثة والنصف فجراً يوقظه من نومه، ويطلب منه إيقاظ مهندس الصوت عمرو هاشم فوراً، ثم توجهوا إلى الاستوديو الذى اقتطع له عمار الشريعى جزءاً من منزله.

مكث عمار يعزف على العود، وبعدها طلب من مهندس الصوت تسجيل الجزء الذى كان يعزفه، وسجله بالفعل، ثم قال له "هات الأورج"، وعزف نفس التيمة التى ابتكرها على الأورج بنغمات مختلفة، مرة بالعود وأخرى بالكمانجا وبالبيانو والكونترباص، ثم طلب عمل هارمونى بين كل الذى تم عزفه، وعندما قام مهندس الصوت عمرو هاشم بعمل "ريمكس" ظهرت التيمة الأساسية لتتر رأفت الهجان، وقتها عمار الشريعى قال "وجدتها وجدتها"، وقد كان أعظم تتر يجسد حقبة حرب 6 أكتوبر وما سبقها، ليعلق بالأذهان حتى وقتنا هذا.

  "دموع فى عيون وقحة"

شهد المسلسل الكثير من الخطط والكواليس لحرب أكتوبر التى كانت تقوم بها أجهزتنا الأمنية، بعيداً عن أعين الجميع، لتكون سبباً فى الانتصار، بالإضافة إلى كشف العديد من الأسرار تجاه الإسرائيليين الذين لا يفلحون فى تجنيد جمعة الشوان، وكيف تصدت لهم أجهزتنا الأمنية. "دموع فى عيون وقحة" بطولة عادل إمام ومحمود الجندى ومعالى زايد وصلاح قابيل ومصطفى فهمى ومشيرة إسماعيل وأسامة عباس، وإخراج يحيى العلمى، وموسيقى عمار الشريعي؛ وقد تميز عمار الشريعى فى العمل الموسيقى بفهمه التام للدراما، وبدا ذلك واضحاً فى صياغته للموسيقى التصويرية التى وضعها للكثير من الأعمال.. فموسيقاه التصويرية أصبحت علامة مميزة منذ "دموع فى عيون وقحة".

وكشفت دراسة بحثية أن الموسيقار عمار الشريعى عند صياغة وتأليف موسيقى هذا المسلسل استخدم "اللحن الدال" - ورائده الألمانى ريتشارد فاجنر المتوفى 1883 - للدلالة على مشاهد البطل "جمعة الشوان" فى أحداث المسلسل، بحيث استدل بلحن معين على الشخصية كلما ظهرت، ما بين مشاهد الحنين إلى الوطن أو الخوف أو الترقب إلخ.. وكان هذا هو اللحن الرئيسى فى تتر مقدمة المسلسل، تمهيداً للظهور داخل المسلسل، فى إشارة إلى البطل الرئيسى، وهذا الفكر يشبه إلى حد كبير طريقة تأليف افتتاحية الأوبرا.

وذكرت الدراسة أن اللحن المميز لشخصية "جمعة الشوان" اعتمد بشكل أساسى على آلة الأورج فى أغلب الأحيان، بحيث تكون الآلة الأساسية لتحقيق اللحن، وقسّم المؤلف رؤيته الفنية فى تناوله للحن إلى عدة أساليب مختلفة، وكل أسلوب يصب فى تحقيق حالة درامية تتباين مع الأحداث.

 "الرصاصة لا تزال فى جيبى"

أُنتج الفيلم عام 1974، بطولة محمود ياسين، وحسين فهمى، ويوسف شعبان، وصلاح السعدنى، ونجوى إبراهيم، وسعيد صالح وعبدالمنعم إبراهيم وحياة قنديل.

الموسيقى التصويرية تأليف عمر خورشيد، وقصة إحسان عبدالقدوس الذى نال بسببها جائزة أحسن قصة، وسيناريو وحوار رمسيس نجيب ورأفت الميهى، وإنتاج محسن علم الدين، وإخراج حسام الدين مصطفى.

كواليس ومعلومات العمل من جهة وضع الموسيقى التصويرية ضئيلة جداً، لكن أقوال النقاد والصحفيين كافية لتوثيق موسيقاه التصويرية، فقال كثير من النقاد الموسيقيين وقتها إن موسيقى عمر خورشيد كأنها حوار مكتوب، والجمهور ينفعل ويصفق ويتأثر. وقالوا أيضاً إن موسيقى خورشيد كانت معبرة وبليغة، حتى وإن ظل أبطال العمل صامتين، واصفين المــــــــوسيقى التصويرية بأدق وصف لها آنذاك.

 "أيام السادات"

"أيام السادات" كان بمثابة تحد خاضه الفنان أحمد زكى والموسيقار ياسر عبدالرحمن، لتخليد اسمهما فى تاريخ تعرف عنه ذاكرة المصريين الكثير، على عكس الأمر فى تجربة "ناصر 56"، فهى كانت تجربة لسرد أحداث لم ترها الأجيال الحالية من المصريين، أو لم يروا منها الكثير بشكل مباشر، لكن فى أيام السادات كان التحدى أكبر، لأن الفيلم وموسيقاه ينافسان مشاهد حقيقية أذيعت على التليفزيون، ورغم هذا نجح الموسيقار ياسر عبدالرحمن فى عبور الزمن بموسيقاه، فى أحداث تزامنت مع مرحلة طفولته.

ورغم فوز الموسيقار ياسر عبدالرحمن بجائزة أحسن موسيقى تصويرية من الجمعية المصرية لفن السينما عام 2002 عن الفيلم، فإن الكواليس كانت شاقة مع النجم أحمد زكى، خاصة أن طبيبعة الثنائى مختلفة، فالموسيقار ياسر عبدالرحمن "مزاجنجى موسيقى"، ولموسيقاه قدسية خاصة لديه، ويعشق الخصوصية أثناء التحضير لأعماله، لكن النجم أحمد زكى كان دائم القلق على كل تفصيله فى العمل، فكان يتحدث إلى عبدالرحمن كل ساعتين على مدار اليوم، وكاد عبدالرحمن يعتذر عن الفيلم لهذا السبب، ولولا تدخل الكاتب أحمد بهجت بينهما لما خرج إلينا أبدا إبداع الموسيقى التصويرية لفيلم "أيام السادات"، التى خلدت فى أذهان الشباب قبل من عاصروا تلك الحقبة المهمة فى تاريخ مصر والأمة العربية أجمع.

"أيام السادات" بطولة النجم الراحل أحمد زكى وميرفت أمين ومنى زكى وأحمد السقا وأحمد فؤاد سليم، تأليف الكاتب أحمد بهجت، والموسيقى التصويرية لياسر عبدالرحمن، وإخراج محمد خان.

 	كريم حسين

كريم حسين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

هما مير أفشار: رحيل ملكة الشعر الغنائي في إيران

فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...

19 % زيادة فى أرباح «الإنتاج الإعلامى» خلال الربع الأول من العام المالى 2026

أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...

خالد النبوى يحضر «طاهر المصرى» الشهر المقبل

أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.

ياسر جلال: أتمنى عودة الاحتفال بـ«بعيد الفن»

أسعى لتغيير صورة الفنان