زكى رستم.. أسطورة التمثيل السينمائى والالتزام الأخلاقى واحترام الفن

فى الخامس عشر من «فبراير 1972» توفى الفنان الكبير «زكى رستم»، الذى كان «أسطورة التمثيل» والمقصود

 أنه كان صاحب موهبة تفوق المواهب العادية، حتى إن الحكايات التى حكاها من عملوا معه جعلت منه أسطورة، تفوق طاقة المؤرخ الفنى والباحث فى تاريخ السينما المصرية، لأنه كان ابن «الأرستقراطية» الذى تمرد على قوانين الطبقة التى ينتمى إليها ودفع ضريبة التمرد، وكان نموذجاً للفنان الملتزم بالأخلاق الرفيعة والمثل العليا وكان يحترم الفن، فوهب حياته للتمثيل وقضى حياته «72 عاما» داخل «البلاتوه» وداخل شقته التى يقيم فيها «عمارة يعقوبيان شارع 26 يوليو بوسط القاهرة»، ولم يكن من أصحاب «الشلل» ولا من الذين يقضون أوقاتهم فى السهر.

وعبقرية هذا الفنان تبدأ من تاريخ عائلته الغنية الوطنية، فهو عاش فى زمن الاحتلال البريطانى وكانت بعض العائلات الغنية تتصالح مع الاحتلال لتحقيق مكاسب مادية، لكن العائلة التى ينتمى إليها الفنان «زكى رستم» كانت من عائلات «الحزب الوطنى» وهو حزب الوطنية الصادقة الذى أسسه «الزعيم مصطفى كامل» وكان «محرم بك رستم» والد «زكى رستم» من المقربين من الزعيمين «مصطفى كامل ومحمد فريد»، وكان يعيش فى قصر جده «اللواء محمود رستم باشا» فى حى «الحلمية الجديدة»، وهو الحى الذى سكنته العائلات الأرستقراطية فى أوائل القرن العشرين، وفى العام 1920 حصل زكى رستم على شهادة «البكالوريا»، الثانوية العامة، لكنه رفض الالتحاق بكلية الحقوق، وكانت تسمى فى تلك الحقبة «كلية الوزراء» وهى التى تخرج فيها زعماء الحركة الوطنية، ولكن زكى اختار طريق الفن، ولم يكمل مشواره التعليمى وكان شابا رياضيا، يمارس لعبة «رفع الأثقال» وحاز فى العام 1924 المركز الثانى فيها على مستوى المملكة المصرية، ومسيرته الفنية بدأت بشكل حقيقى منذ أن تعرف إلى الفنان «عبدالوارث عسر»، فهو الذى عرفه طريق فرق هواة التمثيل المسرحى، ومن فرق الهواة، انتقل إلى فرقة «جورج أبيض» فطردته والدته من القصر، وحزنت لهذا القرار الذى اعتبرته قرار انتحار، وأصيبت بالشلل، وعاشت عمرها المتبقى قعيدة، لأن «التشخيص» كان مهانة كبرى فى نظر الطبقة الغنية فى تلك الحقبة من تاريخ المجتمع المصرى، ولم تكن المحاكم تقبل شهادة «المشخصاتى» أو «الممثل» بلغة أيامنا، ورغم هذه القسوة، واصل «زكى رستم» عمله الفنى وقدم مائتى وأربعين فيلما، وفى العام 1968 توقفت مسيرته الفنية، وبعدها بأربع سنوات انتقل إلى الرفيق الأعلى، تاركا وراءه سمعة طيبة ومسيرة فنية حافلة، وفى حياته لقى اهتمام النقاد الأجانب واعتبرته مجلة «بارى باتش» واحداً من أفضل عشرة ممثلين على مستوى العالم، وقضى سنواته الأخيرة وحيدا، ليس له صديق غير خادم عجوز كان يتولى أمور طعامه ومسكنه، وكلب من فصيلة «وولف» كان يرافقه فى جولاته الصباحية ولم يكن له أصدقاء فى الوسط الفنى غير «سليمان نجيب» و«عبدالوارث عسر» وكانت علاقاته مع الفنانين تنقطع عقب خروجه من «البلاتوه» ولم يكن ينفق وقته فى هوايات أخرى غير القراءة، وكرمته الدولة بمنحه «وسام العلوم والفنون» تسلمه من الرئيس جمال عبدالناصر فى العام 1962.

لعبة الست.. الفيلم الذى صنع نجومية «تحية كاريوكا» تحت رعاية الريحانى

الفنانة الجميلة الراحلة «تحية كاريوكا»، كانت على موعد مع الشهرة والنجومية فى فيلم «لعبة الست» الذى عرض فى دور السينما، بالقاهرة يوم «25 فبراير 1946» وفى اليوم التالى عرض فى طنطا والإسكندرية وبقية المديريات، وهو الفيلم الذى رشحها لبطولته صديقها وراعيها «سليمان نجيب» المشارك فى الفيلم بدور صاحب المحل الذى يعمل فيه حسن أبوطبق الذى هو نجيب الريحانى أو حسن وابور الجازـ ورفضت «تحية» المشاركة فى الفيلم، خوفا من حضور ونجومية «نجيب الريحانى» الذى كان فى تلك الفترة، إمبراطور المسرح وصاحب الشهرة الطاغية، فظن نجيب الريحانى أنها غير راضية عن قيمة أجرها، فرفعه من ألفى جنيه إلى أربعة آلاف، وهو رقم كبير بمقاييس تلك الفترة، وهو «أول بطولة» تحصل عليها «تحية كاريوكا» فى السينما، لكن فريق الفيلم كان حريصا على وجودها وقيامها بالبطولة النسائية أمام «الريحانى»، لأنها تمتلك خصائص «بنت البلد» أو «لعبة» الفتاة التى أصبحت نجمة وفنانة وحققت شهرة، ورفضت زوجها العامل «حسن أبوطبق»، وحقق الفيلم نجاحا كبيرا وكتب الناقد الراحل «عبدالله أحمد عبدالله» على صفحات مجلة «الراديو المصرى» الإذاعة والتليفزيون حالياً يقول ما معناه إن سر نجاح الفيلم كامن فى أمرين، الأول، الأسماء التى حملها الأبطال «لعبة، أبوطبق، جنح، بلاليكا، نفخو»وهذه الأسماء أعجب بها جمهور الأحياء الشعبية، وظل يرددها لفترة طويلة، والأمر الثانى أغنية «بطلوا ده واسمعوا ده، الغراب يا وقعة سوده جوزوه أحلى يمامة» وتحولت هذه الأغنية حسب قول الناقد عبدالله أحمد عبدالله إلى فقرة ثابتة فى الأفراح الشعبية فى القاهرة والمدن الأخرى، وهى أغنية ساخرة مناسبة لأجواء حفلات الزفاف، وفى الفيلم غنت «تحية كاريوكا» الأغنية الوحيدة فى مشوارها الفنى «يا خارجة من باب الحمام وكل خد عليه خوخة، عيانة يا اختى وخدتى زكام ورابطة راسك م الدوخة» وهى من تلحين «محمود الشريف» الذى كان يصاحب «تحية» على آلة العود، وفى مذكراتها قالت تحية إن «سليمان نجيب» كان هو الأب الروحى والراعى الذى رعاها فى بداية عملها بالفن، وعن فيلم لعبة الست قالت إن نجيب الريحانى شجعها وجعلها تكسر حاجز الخوف منه وتقدم واحدا من أجمل أدوارها فى السينما.

«أدهم الشرقاوى» و«الزوجة الثانية» و«أرض النفاق».. أفلام أبدعها سعد الدين وهبة

الناس يعرفون «سعد الدين وهبة» الكاتب المسرحى الذى كان من نجوم الحركة الفنية فى ستينات القرن الماضى، لكن قليلين من يعرفون أنه كاتب «سيناريو» لمجموعة من الأفلام المهمة فى تاريخ السينما المصرية، منها «أدهم الشرقاوى، الحرام، مراتى مدير عام، الزوجة الثانية، أرض النفاق، أريد حلا» وغيرها، لكن هذه الأفلام لها خصوصية ثقافية وسياسية، فهى معبرة عن «الحقبة الوطنية» أو مرحلة ما بعد القضاء على الاستعمار البريطانى، وهى مرحلة قامت على أكتاف «الضباط الأحرار» بقيادة «جمال عبدالناصر»، وكانت على المستوى الاقتصادى والسياسى تحتوى عدة مراحل، منها مرحلة الاستقلال الاقتصادى ومنح الرأسمالية المصرية فرصة الانفراد بالسوق والقيام بالنهضة الوطنية، لكن الرأسمالية المصرية «تابعة بحكم المولد والنشأة» فلم تستطع القيام بالدور، فتحول النظام إلى «رأسمالية الدولة» أى أن الدولة هى «الرأسمالى» الذى يبنى المصانع وينتج، والدولة هى التى توزع الثروات على طبقات المجتمع، وهذا النظام أطلق عليه خطأ «الاشتراكية العربية»، وفى ظل هذه السياسة، تم القضاء على الملكيات الزراعية الكبيرة «الإقطاع» وتحقيق مكاسب اجتماعية للفلاحين والعمال وصغار التجار، وصدر «الميثاق» فى العام 1962 معبرا عن التحالف الطبقى الحاكم «العمال والفلاحون والجنود والرأسمالية الوطنية»، وفى هذا السياق قدم «سعد الدين وهبة» روائعه فى المسرح والسينما، وجعل رؤية النظام السياسى واضحة فى الأفلام التى كتب لها السيناريوهات، مثل «أدهم الشرقاوى» وهو عبارة عن إدانة واضحة للطبقة الأرستقراطية التى كانت تستغل الفلاحين وتضطهدهم اقتصاديا وسياسيا وعرقيا، ذلك لأن هذه «الأرستقراطية» لها أصول «شركسية وتركية» بحكم التاريخ المملوكى والعثمانى القائم على أكتاف هذا العرق الذى كان منه الجنود والحكام والملوك والأمراء، وفى شهر ميلاد «سعد الدين وهبه» الذى دخل سجل الأحياء فى «4 فبراير 1925» نتذكر مسيرته الفنية الراقية التى عبرت عن الأهداف السامية للنضال الشعبى وعبرت عن انحيازات ثورة 23 يوليو 1952»، ومن المهم أن يعرف القارئ أن هذا الكاتب الكبير كان «ضابط شرطة» وحصل أيضاً على «ليسانس الآداب» ومن مواليد قرية «دميرة طلخا دقهلية» وقضى سنوات حياته زوجا للفنانة القديرة «سميحة أيوب» متعها الله بالصحة والعافية.

 

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص