الكوميديا والفودفيل والموسيقى والغنـاء لعودة الجمهور للمسرح

مسرح 2023 أسئلة واتجاهات جديدة - 3-

مع بعث الفرق الحرة والعودة الحذرة لمسرح القطاع الخاص وتميز المسرح الجامعى وخاصة طلبة المعهد العالى للفنون المسرحية تصدى الشباب لأسئلة الواقع وقضايا المجتمع فى عام 2023 مما يدل على وعى مغاير لهذا الجيل، وخطوة مهمة لحراك مسرحى من شأنه إعادة الجمهور للمسرح ولو بعد حين، وكما ذكرت سلفاً كان قطاع مسرح الدولة بكل مؤسساته مختلفاً عن السنوات السابقة - حتى لو أن هناك بعض الملاحظات - وذلك من خلال تقديم مجموعة من العروض بعضها أثار جدلا بدأ بالإعلان عن خطة المسرح التى أثارت جدلاً كبيراً حين تم عرضها فى يناير 2023 بداية العام، وذلك بعد أن تم الإعلان عن عرض مسرحى يتناول حياة الشيخ محمد متولى الشعراوى على خشبة المسرح القومى، اعترض البعض وثار البعض على من اعترضوا وأصدر البيت الفنى للمسرح بياناً واحتدم الجدل ولم يتم تنفيذ العرض!

منذ زمن بعيد لم يحقق عرضاً من عروض مسرح الدولة نجاحا جماهيريا كبيراً كما حقق عرض «طيب وأمير» من إنتاج المسرح الكوميدى، وتقريباً آخر العروض التى اشتبكت مع الجماهير مسرحية «الملك لير» من إخراج الراحل أحمد عبدالحليم فى المسرح القومى ومن قبل عرض «أهلا يا بكوات» فى نفس المسرح من تأليف لينين الرملى وإخراج عصام السيد، وهناك عروض أخرى حققت نجاحا جماهيرياً ولكن كانت ذات طابع تجارى رغم أنها من إنتاج مسرح الدولة! وكان علينا أن ننتظر المخرج المقبل من مسرح القطاع الخاص، من خارج المؤسسة الرسمية، محمد جبر الذى قدم عشرات العروض فى القطاع الخاص قبل أن يقدم فى 2023 عرض «طيب وأمير» المأخوذ عن تراث نجيب الريحانى وبديع خيرى وبالتحديد «فيلم سلامة فى خير» والعرض حقق إيرادات كبيرة تجاوزت المليون جنيه وفقاً لتصريحات المسرح الكوميدى! وهذا النجاح يجب أن نتوقف أمامه فى ظل عزوف الجمهور عن التواصل مع مسرح الدولة فى السنوات الأخيرة. فمن يتأمل تفاعل الجمهور مع هذا العرض، وأيضاً عرض «ولا فى الأحلام» للمخرج هانى عفيفى والذى أشرت إليه العدد الماضى، سيجد أن كليهما ينتمى إلى صيغة «الفودفيل» الذى كان له الكلمة العليا فى النصف الأول من القرن العشرين.. فقد انحاز المصريون إلى عروض المسرح الغنائى والفودفيل وعروض المنوعات التى تقوم على المواقف المضحكة والحوادث المعقدة والمفاجئة وتعتمد على الالتباس الذى يحقق الإثارة وتتميز بحوار ذكى وسهل يقوم فى بنيته العميقة على الموسيقى والغناء.. مسرح تقريبا تخلو بنيته الدرامية من الصراع، فقط حدث يتطور بشكل يؤدى إلى التشويق من خلال خلق لأزمة تنتظر الحل ويعتمد بشكل أساسى على عناصر الجذب والتشويق، وأهمها الغناء الذى هو جزء أساسى من وجدان المصريين وهذا النوع يحتل مساحة كبيرة فى الذائقة العربية قديمها وحديثها وهذا أيضاً ما أدركه رواد المسرح الأوائل مارون نقاش وأبوخليل القبانى ويعقوب صنوع. وعلى الرغم من المدارس والاتجاهات الحديثة والمعاصرة التى مرت على المسرح المصرى على مدى أكثر من قرن ونصف إلا أن المسرح الغنائى بكل تجلياته وأشكاله عبر العصور ظل الأقرب إلى الوجدان وخاصة إذا كان ذات طابع كوميدى! وهذا أيضاً ما أدركه المخرج محمد جبر الذى قدم عرض «طيب وأمير» والذى فكر فى صيغة تجذب الجماهير، أو قُل فكر فى الجمهور الذى أهمله المسرحيون فى العقود الثلاثة الأخيرة، وأصبح تفكيرهم فى النظريات الحديثة مع أحدث خطوط الموضة المسرحية وخاصة فى بعض عروض مسرح الدولة، ولمَ لا، فمبدأ الخسارة لا يعنيه لأنه سيحصل على أجره هو وكل عناصر العرض المسرحى من وزارة الثقافة!

ورغم أن هذا النوع من المسرح الذى لجأ إليه المسرح الكوميدى لا يطرح الأسئلة ولا يسعى إلى التغيير بل يعيد الأمور إلى نصابها مثل التصالح بين الأحبة أو عودة الأبن لأبيه ويعيش حياة نمطية فى مشاهد تتعمد تكرار المفردات، تتعمد النمطية لإثارة الضحك، إلا أن تطور دورة الحياة فى هذا النوع من المسرح بين الزوجين من الحب والرومانسية إلى البيت والمسئولية وأعباء الحياة، موضوعات تشبه تفاصيل حياة من يشاهدون هذه العروض فى الصالة، حياة يعرفها هؤلاء جيداً ويشاهدونها على خشبة المسرح فى لوحات غنائية لا تخلو من السخرية والمواقف المضحكة، فتنال رضا المشاهد الذى لا يشعر بالغربة أو الغرابة، مشاهد مسلية وخاصة إذا كانت متقنة الصنع.وهذا ما حدث فى عرضين حققا نجاحا جماهيريا فى مسرح الدولة وآخر فى مسرح القطاع الخاص، بالإضافة إلى عرض «شارلى» الذى أشرت إليه الأسبوع الماضى. والعروض الثلاثة عروض جيدة على المستوى الفنى من خلال مفردات العرض المسرحى من ناحية ومن ناحية أخرى تشتبك مع الجمهور حتى ولو من خلال الانتقاد الاجتماعى بعيدا عن القضايا السياسية.

والملاحظ أيضاً أن العروض الأخرى والتى انحازت للكوميديا واعتمدت على الغناء والموسيقى حققت نجاحاً بنسب متفاوتة أو لم تحقق، لكن لا يمكن إغفال اعتماد العديد من العروض على الموسيقى والغناء والانحياز للكوميديا مثل عروض «خطة كيوبيد - يوم عاصم جداً - شفيقة المصرية» هذا على سبيل المثل فعرض «يوم عاصم جدا» وهو الإنتاج الثانى للمسرح الكوميدى بعد عرض «طيب وأمير» لكنه ورغم انحيازه للكوميديا واعتماده على الموسيقى إلا أنه لم يقدم رؤية يتفاعل من خلالها الجمهور مع العرض بالإضافة إلى تواضع المستوى الفنى. العرض يفترض أن الجد والجدة خرجا من الصورة إلى الواقع وذلك أثناء تصفح العائلة لألبوم الصور، فينفض عاصم السرياقوسى، وزوجته إسعاد الدرديرى تراب الزمن عن الصورة، عن زمانهما فى عشرينات القرن الماضى ويخرجان من تلك اللحظة إلى أيامنا هذه وهما فى مطلع الشباب.. يهبطان إلى نفس البيت مع الابنة التى أصبحت جدة وتعيش مع الأحفاد، فماذا سيفعلان فى مواجهة كل التحولات التى مر بها المجتمع المصرى؟ لكن العرض وضع المشاهد أمام جملة واحدة تتكرر فى العرض على مدى ما يقرب من سبعين دقيقة تتكرر من خلال مجموعة مشاهد مختلفة فى فضاء البيت الذى لم يتغير والجد يكرر فى نهاية العرض «خايف على الناس من الناس من الموبايل». فالمشكلة فى المعالجة الدرامية وإتقان الصنعة من خلال مفردات المنظر المسرحى. أما عرض «خطة كيوبيد» من إنتاج المسرح الحديث، فيأتى من خلال فكرة أقرب إلى الفنتازيا تخيل المؤلف أن هذا الإله / الأسطورة «كيوبيد» اعتزل المهنة، تقاعد وتزوج فى اليونان وأنجب فتاة سوف تحب بدورها وترغب فى الزواج وسوف يمارس كيوبيد مهامه أو قل يعود لوظيفته القديمة، فقد اعتزل بعد أن أصاب سهمه بالخطأ قلب فيل إلى آخر الفكرة الساخرة، التى تبرر اعتزاله المهنة! ينطلق العرض ليقدم محاكاة ساخرة لهذه الأسطورة، هى معالجة عصرية فى سياق كوميدى من خلال مجموعة من اللوحات ذات الطابع المضحك، فبعد أن يتعرف المشاهد على كيوبيد وكيف عاد إلى المهنة بعد الاعتزال، يشاهد شخصيات العرض أو أبطال الحكاية.

أما العرض الغنائى الاستعراضى «شفيقة المصرية» من إنتاج قطاع الفنون الشعبية والاستعراضية والذى يقدم حياة شفيقة القبطية أشهر راقصات القرن التاسع عشر من خلال مجموعة اللوحات الغنائية الاستعراضية التى تخللت المشاهد الحوارية، لكن مع رقصات واستعراضات متواضعة لا تتناسب وعرض يقوم فى بنيته الأساسية على الرقص وحول شخصية جذبت الانتباه ليس بالإثارة بل بما قدمته من إبداع فى هذا الفن ليتساءل المشاهد أولا، لماذا هذا العنوان الملتبس أى شفيقة المصرية بدلاً من القبطية؟ فقد ذاع صيتها بهذا الاسم وهذه الصفة كما ذاع اسم تحية كاريوكا، وهذا أمر غير مبرر! وما حدث للاسم انسحب على شخصية شفيقة فى العرض ليس فقط من خلال ملامحها وبنائها العميق بل وأيضاً مساحة الدور الذى ظهر ضئيلاً إذا قورن بشخصيات أخرى مثل «زكى» الابن بالتبنى لشفيقه وأيضاً «راغب شكرى باشا» العشيق الذى جسده العرض وكأنه السبب الرئيسى فى صعود وانهيار شفيقة القبطية أو المصرية، حيث تم اختصار حياتها بصورة مخلة حين اختفت محطات رئيسية فى مشوارها فبدت وكأنها فتاة هربت من أهلها واحترفت الرقص وعاشت فى هذا العالم الغريب بكل ما يحمله من إثارة.

ما ذكرته من أمثلة لعروض اعتمدت على الكوميديا بأنواعها وأيضاً الموسيقى والغناء حقق بعضها نجاحاً نقدياً وجماهيرياً، والبعض الأخر رغم اعتماده نفس الأساليب إلا أنه لم يحقق نجاحاً، وهذا يؤكد نقطتين، الأولى أن الذائقة المصرية تنحاز بقوة إلى الكوميديا والموسيقى والغناء، والثانية ضرورة امتلاك صناع المسرح بكل مفرداته لرؤية ليس فقط للمجتمع ولكن رؤية للعملية المسرحية بكل مفرداتها.. وهذا ما يحتاج إلى مناقشة ومراجعة.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مى عمر ضيفة شرف فى مسلسل زوجها

تحل الفنانة مى عمر ضيفة شرف فى مسلسل «8 طلقات»، والذى يقوم ببطولته زوجها المخرج محمد سامى.

محمود حميدة ينتهى من تصوير «فرصة أخيرة» آخر الأسبوع

يودع الفنان محمود حميدة لوكيشن تصوير مسلسله «فرصة أخيرة » نهاية الأسبوع الحالى.

محمد إمام يودع «الكينج 28» رمضان

يواصل الفنان محمد إمام تصوير مشاهد مسلسله «الكينج»، والذى يشارك فى السباق الحالى.

تكثيف ساعات تصوير «فخر الدلتا»

يكثف فريق مسلسل «فخر الدلتا» ساعات التصوير للانتهاء من العمل الأسبوع المقبل.


مقالات

مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م
حديقة الأزبكية
  • الخميس، 12 مارس 2026 09:00 ص