منذ شهر ويزيد والعازفون صامتون.. النزف فى غزة ألجم الجميع.. أشلاء الأطفال أجبرت الجميع على الصمت..
انفجر الرأى العام العالمى فى مشهد تضامنى ربما هو الأول من نوعه فى معظم شوارع العالم، لكن الحكام والأمميين ومنظمات الفجر العالمى صامتة.. حتى تنتهى إسرائيل من مهمتها، وما أظنها ستنتهى.
الغناء أيضا صمت.. وانسحب العازفون إلا من بعض همهمات تأتى من هنا أو هناك، تطمع فى نيل شرف المشاركة فى الدفاع عن قضية فلسطين، تلك التى ظلت حاضرة فى الغناء العربى منذ عام 1947.. ولم تتوقف باختلاف الأزمنة والحكام والعازفين.
من العيطة والعرضة إلى أغنية المقاومة
بدأ الغناء الوطنى فى مجمله فى وطننا العربى مع بداية نشأة ما يسمى بالقوميات، حيث اختفت القبيلة أو ذابت فى "وطن"، فأصبح الغناء لذلك الوطن ضروريا.. وبانت أهمية الغناء له بشكل أكبر مع تعرض وطننا العربى لاحتلال شبه دائم من العثمانيين إلى الإنجليز إلى الفرنساوية.. وباختلاف شكل وصنف المحتل اختلف الغناء، لكنه اتفق على أن يكون شعبيا.. بدأ شعبيا واستقر.. ساندته بعض النغمات الرسمية فى فترات متفاوتة، لكنه ظل فى سمته الأبرز شعبيا.. بداية من "العيطة"، وهو فن شعرى شعبى خالص فى المغرب العربى، مرورا بالعرضة، وقد جاءت التسمية من استعراض ملك حمير لكتيبة الدوسر فى الخليج، وتطور مع "الموالى" فى اليمن وأهازيجهم، ونضج واتخذ شكله الحديث مع أغنيات المصريين ضد المحتل دعما للفريق عزيز المصرى سخرية، ورفضا للسخرة "يا عزيز يا عزيز كبة تاخذ الإنجليز".. ومن غناء الشعب والجماعة اتخذ سيد درويش منهجه وخطه القومى، فخرجت صرخته الأشهر "قوم يا مصرى".
ومنذ التفت المطرب والملحن والشاعر المصرى لقضية الحرب ضد الاحتلال.. اتخذ الغناء الوطنى نموذجا يكاد يكون واحدا فى معظم بلداننا العربية التى تعرضت للاحتلال.. وكانت قمة المأساة وقمة الصرخة فى "قضية فلسطين" التى بدأ الغناء لها محليا قبل النكبة، لكنه ظهر إلينا بعدها..
أخى جاوز الظالمون المدى
فى ذلك العام شرد الفلسطينيون من أراضيهم، وأقام الاحتلال دولته فى بيوتهم، فصرخ على محمود طه، ذلك الشاعر الفلاح، بالفصحى..
"أنتركهم يغصبون العروبة
مجد الأبوة والسؤددا؟"..
كانت الكلمات فصيحة.. ثقيلة مثل النكبة ذاتها.. ولحنها عبدالوهاب من مقام موسيقى ثقيل هو "الراست" على عكس أغنيات سيد درويش الوطنية الزاعقة الخالية من أية حليات وزخرف عثمانلى.. وربما هذا ما انتبهت إليه المحاولة الثانية بعد قيام حركة الضباط الأحرار، حيث لحن الرجل الذى ارتبط بعبدالوهاب كثيرا واتهمه بسرقته فيما بعد رؤوف ذهنى من كلمات مأمون الشناوى، لخليفة عبدالوهاب عبدالحليم حافظ أغنيته التى كانت تحتفى بالثورة المصرية، لكنها لم تنس جرح النكبة، محددا ربما لأول مرة عدوه الواضح وبشكل قاطع..
"ضد الصهيونية
بالمرصاد واقفين
وهترجع عربية
حبيبتنا فلسطين
وهتفضل فى الدنيا
نور يهدى البشرية"..
فى ذلك الموقف بدأت ملامح ثورات التحرير فى معظم الوطن العربى.. وظلت القضية الأم هى فلسطين حتى فى عز لحظات الغناء مثلما حدث فى بناء السد العالى.. فكان من يغنى لبناء السد يغنى لفلسطين..
واكتملت المأساة باحتلال سيناء والنكسة، فصار الوجع مزدوجا.. قبلها بأيام كانت أم كلثوم تشدو من ألحان رياض السنباطى على مسرح قصر النيل كلمات جاهين شاعر يوليو " راجعين بقوة السلاح".. وكان يقصد أننا سنعود إلى القدس.. لكننا صحونا وقد عاد جنودنا من سيناء يحملون جرحا أكبر استلزم غناء مختلفا وتجربة أكثر عمقا واتساعا.. فكتب نزار وغنت أم كلثوم من ألحان عبدالوهاب..
"عشرون عاما
وأنا أبحث عن أرض
وعن هوية
عن وطنى المحاط بالأسلاك
أبحث عن طفولتى
عن ككتبى
عن صورى
عن كل ركن دافئ ومزهرية"..
ذلك البحث لم يطل.. فقد كانت صرخة فؤاد حداد التى خرجت من فم المسحراتى جلية مزلزلة
"الأرض بتنده من حطين
تنده على قدس فلسطين
أصلك مية وأصلك طين
الأرض بتتكلم عربى"..
اختلق فؤاد حداد الشامى العربى المصرى المسلم ذلك المسحراتى الذى يوقظ النائمين عشما فى أن تستفيق الأمة العربية من مواتها وتعرف أن الأرض عربية.. كان يؤذن لفجرهم فى عز صيامهم..
"الأرض بتتكلم عربى
تقول الله..
إن الفجر لمن صلاه
ما تطولشى معاك الآه
تلك "الآهة" التى كان يتعشم حداد ألا تطول طالت كثيرا.. ست سنوات.. وطيلة هذه السنوات الست لم يتوقف الغناء دعما للمقاومة فى القنال وفى القدس.
إلى لندن ذهب عبدالحليم وبليغ حمدى بكلمات عبدالرحمن الابنودى.. وفى أكبر قاعاتها "ألبرت هول" - ودعما للمجهود الحربى فى ذلك الوقت - خرج العندليب ليذكر الجميع بالقضية الأم..
"يا كلمتى لفى ولفى
الدنيا.. طولها وعرضها
وفتحى عيون البشر
للى حصل على أرضها
على أرضها طبع المسيح قدمه
على أرضها نزف المسيح ألمه
فى القدس طريق الآلام
وفى الخليل رنت تراتيل الكنايس
فى الخلا.. صبح الوجود إنجيل"..
وظل "الحق" ضائعا، وظل المبدعون فى مصر يلهثون بموسيقاهم خلفه.. ومجددا كتب فؤاد حداد وغنى ولحن سيد مكاوى هذه المرة..
"ازرع كل الأرض مقاومة..
تلقى فى كل الأرض جدور".
ثم تلاها برائعته التى تغنى بها سيد مكاوى ومحمد رشدى فيما بعد..
"ولا ف قلبى ولا عينيا
إلا فلسطين
ولا تشيل أرض رجليا
ولا تنقل خطوتى الجاية
أنا العطشان ما ليش مية
ولا فى قلبى ولا عينيا.. إلا فلسطين
نجم وإمام .. الخط ده خطى
فى عز سخونة الجرح المصرى العربى بعد نكسة 1967.. خرج صوت أحمد فؤاد نجم مع رفيقه الشيخ إمام ساخرا حادا موجعا يضرب فى كل الاتجاهات، مستفزا الجميع شعوبا وحكاما.. كان الغرض واضحا.. الأخذ بثأر جيش عرابى واستعادة الأرض.. كل الأرض المحتلة.. وفى قلب تلك الصرخة كان الغناء فى تجربة إمام ونجم لفلسطين حاضرا.. فقدم كلاهما عددا كبيرا من الأغنيات الشعبوية جدا.. أشهرها..
"يا فلسطينية"..
"يا فلسطينية
والبندقانى رماكو
بالصهيونية تقتل حمامكو فى مداكو
يا فلسطينية وأنا بدى أسافر
حداكو
نارى فى إيديه
وإيديه تنزل معاكو
وتموت شريعة هولاكو"..
ولم تمت شريعة هولاكو كما تمنى أحمد فؤاد نجم.. واستمرت مجازر الصهاينة حتى فيما بعد انتصار العرب والمصريين فى عام 1973 فى أكتوبر العظيم.. ورغم ما سمى بالسلام والمعاهدات جاء جيل جديد من المصريين بأغنيته البديلة، لكنه لم يستبدل قضاياه الأساسية، ومنها القضية الأم.. قضية فلسطين.. ذلك الجيل هو جيل الحجار ومنير.. ولحق به مدحت صالح وإيمان البحر درويش.. ومن بعدهم أحمد إسماعيل ومحمد عزت.. حتى وصلنا إلى جيل حمزة نمرة
أغنيات الحجار ومنير جاءت بكلمات وألحان جيل مختلف.. استكمل حواره الرافض من أجيال سبقت بأشكال موسيقية مختلفة تناسب الجيل الجديد، لكنها تحمل نفس السمت والعناد والحدة التى رسمها جيل فؤاد حداد وجاهين، فكانت أغنيات جمال بخيت التى لحنها فاروق الشرنوبى الذى غنى لفلسطين مطربا فى مسرح الغرفة، قبل أن يلتقى مع الحجار وبخيت فى تجربتهما الثمانينية "لم الشمل"، والتى ضمت واحدة من أعمق وأوضح تجارب الغناء لفلسطين فى نهايات القرن الفائت..
"أنا شاعر لكن قدرى
أغنى بارود
يا عشاق البراح.. إمتى يكونلى حدود
وإمتى الفجر يا أمّه
أحس براحة الضمة
يا استشهد يا اتسمى
فى ليلة بدر حطينى.. فلسطينى"..
ومع منير كتب بخيت ولحن عبدالعظيم عويضة..
أتحدى لياليك يا غروب
وأتوضى بصهدك يا جنوب
وأصلى الفجر لحطينى
وأوهبلك عمرى المكتوب..
وكانت الأغنية مسماة لسناء محيدلى شهيدة الجنوب اللبنانى، لكنها اتصلت بالقدس.. القدس التى غنى لها منير أيضا من كلمات مجدى نجيب..
"ينسانى دراعى اليمين
ينسانى دراعى الشمال
ينسانى نن العين
وآهة الموال
لو نسيت القدس"..
ولم ننس قطعا.. ظل مطربونا واحدا تلو الآخر يذكروننا.. غنى إيمان البحر درويش ألبومين كاملين للأقصى وفلسطين.. وغنى مدحت صالح.. وفى مطلع الثمانينات كتب مدحت العدل ولحن حلمى بكر وصلاح الشرنوبى وغنى عدد كبير من المطربين معا.. ذلك الحلم.. نعم أصبحت عودة فلسطين "حلما عربيا"..
"جايز ضلام الليل
يبعدنا يوم إنما
يقدر شعاع النور
يوصل لأبعد سما"..
ربما كانت صيحة غزة الأخيرة هى ذلك الشعاع الذى أعاد قضية فلسطين مجددا إلى قلب الغناء المصرى والعربى.. وربما تكون مجرد حلقة فى فلك الرحلة التى لن تتوقف سوى بتحريرها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعاقدت الفنانة أسماء جلال على بطولة مسلسل يعرض خارج السباق الرمضانى فى 15 حلقة، على أن يعرض على إحدى المنصات...
بعد وفاه والدته الأسبوع الماضي، انضم الفنان حاتم صلاح لفريق فيلم «بحر »، مع الفنان عصام عمر، ويجسد شخصية كوميدية.
أستمتعت بالعمل فى «عين سحرية».. وسعيد بنجاحه
بتركيبة ودور مختلف جداً، خاضت النجمة يسرا اللوزى السباق الرمضاني مع النجم الكبير ماجد الكدواني، وذلك في مسلسل كان يا...