بشير الديك:«ناجى العلى» الأكثر اكتمـــالا فى عرض النضال الفلسطيني

رفضت طلب قادة منظمة التحرير الفلسطينية الإطلاع على السيناريو وقلت لهم «أنا مش شغال عندكم»

حينما أعلن لى الكاتب الكبير بشير الديك أن «ناجى العلى» هو فيلمه الأحب لقلبه لم أتعجب خاصة أن الفنان الكبير الراحل «نور الشريف» أيضا يحمل لهذا الفيلم محبة كبيرة، ربما كان من أصدق الأفلام التى قدمت عن القضية الفلسطينية فى السينما المصرية بشكل خاص والعربية بشكل عام، بطله هو رسام الكاريكاتير الساخر الذى تسببت رسوماته فى خلق «الصداع» لإسرائيل إن جاز التعبير.

وارتبط اسم ناجى العلى رسام الكاريكاتير الفلسطينى بشخصية «حنظلة»، فصور القضية الفلسطينية فى رسوماته واخترع شخصيات ما زالت حاضرة فى ذاكرة كل عربى، فكان فدائيا بطريقته الخاصة حتى تسببت رسوماته فى مقتله.

 ولد «العلى» عام 1937 بمنطقة الجليل، وفى عام 1948 نزح مع أسرته إلى جنوب لبنان، وعاش فى مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين.

 انقلبت حياته حين زار الكاتب الفلسطينى غسان كنفانى مخيمهم وتعرف عليه وشاهد رسوماته ونشر إحداها فى مجلة «الحرية» فى الخامس والعشرين من شهر سبتمبر لعام 1961؛ لتبدأ رحلة ناجى فى الصحف وتكون البوابة التى قدمته للجمهور.

عبر «العلى» عن قضايا الأمة العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فرسم ساخرا من جميع الأنظمة العربية الحاكمة آنذاك، كما وصف حال المخيم الذى نشأ به، ومجزرة صبرا وشاتيلا، واجتياح لبنان وقصف المخيمات دون أن ينطق بكلمة واحدة.

رسم «العلى» نحو 40 ألف كاريكاتير خلال حياته، أشهرها «فاطمة» رمزا للمرأة الفلسطينية القوية التى لا تهادن، و«الرجل الطيب» رمزا للفلسطينى المشرد المقهور والمناضل والمكسور أحيانا، «حنظلة» وهو طفل يعقد يديه خلف ظهره وبقى رمزا للقضية الفلسطينية حتى يومنا هذا.

 أحداث فيلم «ناجى العلى» دارت بعد واقعة الاغتيال التى تعرض لها الفنان الفلسطينى فى لندن عام 1987، ثم يعود الفيلم بأحداثه إلى الوراء حيث يسترجع المحطات التى مر بها  فى حياته بدءا من نزوحه مع أسرته إلى لبنان، ثم عمله فى الكويت، ثم عودته إلى لبنان مجددًا خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية.

الفيلم من تأليف بشير الديك، إخراج عاطف الطيب، وشارك فى بطولته كل من محمود الجندى، ليلى جبر، تقلا شمعون، سليم كلاس، أحمد الزين، محمود مبسوط، رفيق على أحمد.. عن هذا الفيلم وأشياء أخرى كان لنا هذا الحوار مع كاتب مصر الكبير بشير الديك الذى عاد للوراء واسترجع ذكريات وكواليس تنشر لأول مرة..

 ماذا تقول عن فيلمك «ناجى العلى» بعد مرور 31 عاما على عرضه؟

 من وجهة نظرى أهم  فيلم تناول القضية الفلسطينية بشكل صادق وعميق، كما أن فيلم «ناجى العلى» يعد الفيلم الأكثر اكتمالا وغوصا فى أعماقها، الفيلم بدأ يحكى الحكاية من الأول، من الخروج، وبعده اللجوء، ثم محاولة العودة فالانتقام منه بقتله، لذا سؤالنا فى هذا الفيلم لماذا قتلتموه؟

كما أن الفيلم يعد اجتماعيا إنسانيا فى المقام الأول، عن شخصية مبدعة وجميلة هو «ناجى العلى» الرسام الذى أزعج برسوماته دولة الاحتلال.

 ماذا عن أجمل مشاهد الفيلم بالنسبة لك؟

بلا شك المشهد البديع للفنان الكبير الراحل محمود الجندى وهو يسأل نور الشريف أو ناجى العلى: قول لى هى الجيوش العربية  هتيجى إمتى؟، فرد عليه  قائلا: الجيوش العربية مش فاضية، فرد عليه ليه بيحاربوا فى حتة تانية؟

 أعتقد أن هذا الحوار هو الأصدق بين كل جمل الحوار فى الفيلم، خاصة أنه ظل ـ محمود الجندى ـ ينتظر مجىء الجيوش العربية ومات قبل مجيئها.

 وكذلك المشهد الذى قال فيه ناجى العلى حكايته فى بداية الفيلم حيث قال: «ولدت حيث ولد المسيح بين طبرية والناصرة، فى قرية الشجرة بالجليل الأعلى، أخرجونا من هناك وعمرى عشر سنوات عام 1948 إلى مخيم عين الحلوة بلبنان، أذكر هذه السنوات العشر أكثر مما أذكر بقية عمرى، أعرف العشب والحجر، والظل والنور هناك، لا تزال صورها ثابتة فى العين كأنها حفرت حفرا، أرسم لا أكتب أحجبة، لا أحرق البخور ولكننى فقط أرسم، إذا قيل إن ريشتى تشبه مبدع الجراح، أكون قد حققت ما حلمت طويلا بتحقيقه كما أننى لست مهرجا ولست شاعرا بأى قبيلة، لست محايدا، أنا منحاز لمن هم تحت، لمن ينامون فى مصر بين قبور الموتى، ولمن يقرأون كتاب الوطن بالمخيمات، أنا ناجى العلى رسام الكاريكاتير العربى، من فلسطين».

 هل كتبت سيناريو ناجى العلى رضوخا لرغبة صديق العمر عاطف الطيب مخرج الفيلم؟

  قطعا لا.. أنا لم أكتب هذا الفيلم رضوخا لرغبة عاطف الطيب، لأنه لم يكن مشروعه بالأساس إنما هو حلم من أحلام الفنان والمنتج نور الشريف، حيث بدأ المشروع من خلاله، أتصل بى وأخبرنى برغبته فى تقديم فيلم عن رسام الكاريكاتير الأشهر فى الوطن العربى ناجى العلى، فقلت له ليس لدىّ معلومات كفاية عنه،  فأتى لى بالعديد من المجلات والأرشيف والكتب التى حكت سيرته وسألنا سؤالا واحدا وهو: لماذا قتل؟، كما  قلت لك فى البداية.

 المهم بدأت رحلة طويلة من البحث، سافرت لبنان، الكويت، لندن،  تونس حيث كانت تتواجد منظمة التحرير الفلسطينية، وسألت عنه، وجمعت أكبر عدد من المعلومات والحكايات وعمن رافقوه فى رحلته، والغريب فى الأمر أن أحد قادة  منظمة التحرير الكبار طلب منى قراءة السيناريو بعد الانتهاء منه، فرضت بشدة وقلت له: «أنت بالنسبة لى مصدر للمعلومات فقط ، أنا مش شغال عندكم».

أنا ذاكرت ناجى العلى وأقول لك بكل صدق أصبحت أعرفه أكثر من أولاده، وجيرانه و أصدقاء عمره.

  أغرب رد فعل حول الفيلم  كان اتهام صناعه بالخيانة والعمالة والإساءة للقضية الفلسطينية.. ما تعليقك؟

فعلا كان هناك تحقيق صحفى سئلت فيه لماذا قبلت كتابة فيلم عن شخص «يكره مصر»، ضحكت وقلت وقتها «فى حد يكره مصر، ونيلها وشوارعها وناسها الطيبين؟، ناجى العلى لم يكره مصر بل كان مختلفا مع النظام المصرى، وضد التطبيع مع إسرائيل وإتفاقية كامب ديفيد، وأنا أيضا كغيرى من المثقفين المصريين ضد الإتفاقية ومختلف أيضا مع النظام المصرى، وهذا ليس معناه أننا أيضا نكره مصر، إنما سياسيا لسنا على وفاق مع النظام واتفاقياته.

 هل فعلا جاء ياسر عرفات للرئيس الراحل محمد حسنى مبارك من أجل منع عرضه، بحجة الإساءة للقضية ولمصر وموقفها؟

 فعلا لكن الرئيس مبارك طلب من مستشاره وقتها د. أسامة الباز مشاهدة الفيلم وإعطاءه الرأى النهائى، وفعلا الباز أبلغ مبارك أن الفيلم جيد ولا يسىء للقضية ولا لمصر، وتم السماح بعرض الفيلم.

 من المنع من العرض أومحاولة ذلك ليصبح فيلم الافتتاح فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى عام 1992.. كيف كان شعورك وقتها؟

بلا شك شعرت بالنصر والفخر لأن كل محاولات عرقلة خروج هذا الفيلم للنور باءت بالفشل، بحجة أنه فيلم عن رسام كاريكاتير كاره لمصر، وهذا ليس حقيقيا بالمرة، إنما لشخص كان مختلفا مع النظام المصرى الذى كان يتخذ موقفا أغضب المثقفين المصريين قبل العرب وقتها.

 هل كانت بالفعل هناك مطالبات بسحب الجنسية المصرية منك ومن كل صناع الفيلم؟

 آه فعلا «حاجة عبط» إن جاز التعبير،  حيث تبارت الأقلام فى الهجوم علينا وعلى الفيلم بعد سماح جهاز الرقابة على المصنفات المصرية بعرضه رغم أنف الكارهين لناجى العلى ورسوماته وانتقاداته اللاذعة ليس للنظام المصرى بل لكل الأنظمة العربية المؤيدة للتطبيع مع إسرائيل.

 ماذا يمثل لك هذا الفيلم بين كل أفلامك؟

 من أحب الأفلام لقلبى على المستوى الفنى كذلك، كما أننى أشعر بحالة من الحب لرحلة البحث الطويلة فى أعماق القضية  الفلسطينية.

 هل من الممكن أن تكتب فيلما آخر عن أحداث غزة الأخيرة؟

 الآن من الصعب لأننى بحاجة للنضج أولا خاصة أن الأحداث الأخيرة فى غزة تعد الأكثر استثنائية فى تاريخ النضال الفلسطينى.

 هل من الممكن أن نرى  فى المستقبل سيناريو فيلمك «المنصة» الذى يحكى وقائع حقيقية عن اغتيال الرئيس  السادات؟

 أعتقد أن سيناريو الفيلم السنوات تجاوزت أحداثه ولن يرى النور مطلقا خاصة أن الرقابة المصرية رفضت السيناريو جملة وتفصيلا منذ أكثر من 30 سنة.

 	أشرف شرف

أشرف شرف

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...