أنا رافع راسى تملى لفوق طول العمر .. تعظيم «سلام»

ما فعله سلام أنه قرر - دون حسابات - الانحياز لقضية عادلة، وشعب مغلوب على أمره، وهى قناعات راسخة بداخله، وعبر عنها فى ظهور فنى له.

مساء الثلاثاء 24 أكتوبر 2023.. كانت ليلة مليئة بالحزن والترقب، وعدد الشهداء الفلسطينيين لا يتوقف.. أطفال يغادرون الحياة بفعل القصف الوحشى لطيران جيش الاحتلال، بينما قواته البرية تحتشد على الحدود المحاذية لقطاع غزة، استعدادا لعملية توغل محتملة.. والمجتمعون فى رحاب مجلس الأمن يفشلون فى استصدار قرار بوقف إطلاق النار، وفرض هدنة إنسانية تسمح بوصول المساعدات لإغاثة أشقائنا فى فلسطين.

كان كل شىء يثير الكآبة، ويدعو للإحباط، لكن شيئا ما غير هذه الأجواء، ودفع نشطاء فلسطين للتعبير عن فرحتهم، والسبب.. فيديو بثه الفنان محمد سلام على موقع «إنستجرام»، يعلن خلاله الاعتذار عن عدم السفر إلى الأراضى السعودية للمشاركة فى مسرحية كوميدية، كان من المقرر أن يبدأ عرضها بعد 5 أيام ضمن فعاليات موسم الرياض.

وقال سلام إنه توقع تأجيل المهرجان مثلما فعل مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، موضحاً أن دوره فى المسرحية يفرض عليه أن يغنى ويرقص ويضحك الجمهور، وهى أشياء لا يمكنه القيام بها فى ظل معاناة الشعب الفلسطينى، وما يعيشه أشقاؤنا فى غزة من مآس.

كان موقف سلام وحديثه عفويا، لكن الأشقاء فى فلسطين لم يتعاملوا معه باعتباره موقفا عابرا لفنان أراد التعبير عن دعمه للقضية الفلسطينية، حتى لو كلفه الأمر التضحية بآلاف الدولارات، بل كان بالنسبة لهم طاقة نور، تكشف ما كان يدور فى الأوساط الفنية بشأن مبادرة المهرجانات المصرية ومن بعدها التونسية، وأخرى كان يفترض أن تلحق بها، لتعليق فعالياتها، والإعلان رسمياً عن تأجيلها دون تحديد موعد بديل، نظرا لاستمرار العدوان وازدحام الشاشات بصور الضحايا الفلسطينيين.

 

قبل 15 عاما كان الشاب محمد سلام يقف على خشبة مسرح مركز الإبداع فى دار الأوبر، يمسك بفنجان قهوة سادة، ويرتدى نظارة سوداء، تكمل مشاهد الحزن والحسرة التى تكسو ملامح وجهه، وكان يقف بصحبة 35 ممثلا وممثلة من الهواة، احتشدوا على خشبة المسرح ليقدموا مشروع تخرجهم.. أو بمعنى أدق شهادة ميلادهم الفنية.

كان عرضا مسرحيا مثيرا للجدل، بقدر جرأة قصته، وقدرته على طرح هموم المجتمع المصرى بقدر راق من السخرية الناقدة، عبر 9 مشاهد تعرض 9 مشكلات يعانى منها المصريون.. ولا تخلو من الترحم على ماضيهم ورثاء حاضرهم.. وللمفارقة كان من بين هذه المشاكل محاولة دول بعينها لتغليب فنونها على حساب الفن المصرى، وتحويل الفن لوسيلة لتغييب الشعوب وإبعادها عما تعانيه.

كان العرض المسرحى يبدأ بتشييع جنازة لكبار الفنانين من مطربين وممثلين وكتاب، كان لهم أثر واضح وملموس فى رسم تاريخ الفن وتحديد هويته، وتم تناول هذا المشهد بغرس الممثلين للافتات على الرمال تحمل صور كبار الفنانين الراحلين باعتبارها قبورا.

وقام الفنانون الشباب فى مشهد جماعى، وهم يرتدون النظارات السوداء ويبكون الراحلين، بتناول فنجان من القهوة السادة بصمت وبنظرات يملؤها الحزن، لتحفيز المشاهدين على مشاركتهم فى البكاء.

وتناولت المسرحية، التى أخرجها خالد جلال، عدة قضايا ومشاكل اجتماعية يعيشها ويواجهها الشباب، فالمشهد الأول عبّر عن انهيار مفردات اللغة وتدنى مستوى الحوار بشكل مبالغ فيه، الأمر الذى أدى بدوره إلى انهيار الذوق، بداية من الاستماع لمختلف الأغانى الهابطة التى لا تحمل أى معنى مرورا باستخدام مصطلحات وكلمات لا تمت للغة العربية بصلة.

كما تطرق العرض المسرحى لمشكلات البطالة وما تعكسه، بدءا من ظروف الحياة الصعبة وتحمل الشباب أعباء نفقات الزواج وتكاليف السكن ومصاريف الإنفاق على الأطفال، وانتهاء بمراسم الدفن.

أما المشهد الثانى فتحدث عن سيطرة الفنون الخليجية، ومحاولة تزييف التاريخ عبر أعمال تاريخية مختلقة لمحاولة سلب الريادة الفنية.

وبصورة ساخرة بدأ المشهد الثالث فكرته بفنانين يقدمون دور موظفين مصطفين وراء بعضهم بعضا، وينتظر كل واحد فيهم قدوم زميلتهم فى العمل لتقوم على إرضاعهم تطبيقا لفتوى «إرضاع الكبير» التى أثارت ضجة كبيرة عند صدورها.

فى حين تناول المشهد الرابع معاناة الحصول على «رغيف العيش» بطريقة كوميدية ساخرة تجمع بين الأكشن والمصارعة وفنون القتال المختلفة لتأمين قوت اليوم.

وطرح العمل فى أحد المشاهد دور الوساطة فى الفن وانهيار مستواه، وتجسد المشهد على شكل مقابلة فنية كوميدية لاكتشاف المواهب الفنية الحقيقية، لتكون النتيجة هى رفض الموهبة الحقيقية وإعلان نجومية أحد المتقدمين الذى يفتقر لأية موهبة.

يأتى المشهد التالى ليناقش انقطاع الصلات الاجتماعية وتفسخ العلاقات الأسرية نتيجة سرعة إيقاع العصر وانشغال الجميع.. وفى ظاهرة تعانى منها معظم الشعوب وبخاصة العربية، تدور رحى المشهد السادس ليعرض الارتفاع الجنونى فى الأسعار الذى يسيطر على حياة الإنسان ولا يجد مفرا منه إلا الضحك.

وتناولت مسرحية «قهوة سادة» فى المشهد السابع فكرة عدم وعى الأجيال بالموروث، ومحاولة الاستفادة من دروسه، وجسدت ذلك بوجود أجيال متعلمة لكنها جاهلة فى الوقت نفسه بماضيها وما يحيط بها.

وفى المشهد الأخير، طرحت المسرحية فكرة الهجرة غير الشرعية للشباب بعد أن يتمكن اليأس والإحباط من نفوسهم، وبدلا من محاولة الانتصار على الصعاب فإنهم يستخدمون طرقا غير شرعية تودى بهم إلى الهلاك.

ويختتم أعضاء المسرحية، بلغة صامتة وخلفية موسيقية تحاكى الماضى وتعكس الواقع وتهجو المستقبل، مشاهدهم بنهاية مختلفة، فبدلا من رفع أيديهم لرد التحية على الجمهور، فضلوا ختمها وكل واحد فيهم يمسك بيده فنجان القهوة، ليعرضه على الجمهور، رغبة منهم فى استكمال قصصهم ولوحاتهم.

وتبدأ المسرحية وتنتهى بمشهد لممثلين فى مجلس عزاء يتحسرون على ماض مجيد ويضعون زهورا على قبور فنانين وشعراء وممثلين مصريين عظام رحلوا عن الدنيا.

شاهد مسرحية «قهوة سادة» أكثر من 100 ألف متفرج، وعرضت فى عدة دول عربية، وأعيد عرضها فى مصر مرات عدة، لتكريم أبطالها، وكان شهادة ميلاد فنية لـمحمد سلام، المولود فى عام 1983 بمحافظة القاهرة، والذى بدأ مسيرته الفنية من مسرح كلية التجارة جامعة القاهرة، وبعدها التحق بورشة مركز الإبداع الفنى، وكانت بدايته السينمائية من خلال المشاركة فى فيلم «الرهينة» عام 2006، ثم انتقل بعدها للعمل بالمسرح وشارك فى مسرحية «قهوة سادة» عام 2009، والتى حققت نجاحا كبيرا، مما أتاح له الفرصة للمشاركة فى ثلاثة أعمال فى العام التالى منها مسلسل «الكبير أوى»، لتتوالى بعدها أعماله.

ما فعله محمد سلام يؤكد انحيازه للجمهور المصرى والعربى الذى أشاد بأعماله، وبموقفه، الذى يذكرنا بأغنية «ابن مصر» للشاعر الغنائى أمير طعيمة، والتى تقول كلماتها:

«هنا صدقت حلمى وبدأت.. قالوا عنى زمان موهوم بيضيع وقت.. لا يوم سلمت ولا استسلمت.. ووقعت وقومت.. وامبارح غير دلوقت.. هنا قلبى من جوه.. ده اللى بيدينى القوة.. فى طريقى مشيت وأدينى سبقت.. من هنا قررت.. بعدما فكرت.. أمشى ع الصعب.. وعرفت أنا لما كبرت.. إن اللى تفكر فيه أزمة.. كان خوفك منه مالوش لازمة.. وأديك ع الصعب قدرت.. واللى زمان ضحكوا عليك شوفهم.. دلوقتى بيداروا كسوفهم.. واهو راهنوا عليك تخسر وكسبت.. أنا ابن مصر.. أنا ضد الكسر.. أنا رافع راسى تملى لفوق طول العمر.. أنا ابن مصر.. قلبى نسر.. ما اقدرش أعيش ابدا يوم غير وأنا حر.. شوفت أزمات ومواقف مالهاش عد.. بس الصدمات بتقوى ومش بتهد.. أنا عندى ثقة بالنفس ومناعة ضد اليأس.. أنا ابن مصر.. أنا ضد الكسر.. أنا رافع راسى تملى لفوق طول العمر».

 	سيد المليجى

سيد المليجى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عن مسرح الموت فى غزة – 2 محرقة معاصرة للفلسطينيين.. صناعة إسرائيلية
غزة

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...