فى نص «ياسين وبهية» الذى كتبه نجيب سرور عام 1964 فى بوادبست كان يحلم برد المسرح إلى أصوله فى التراث الشعبى من خلال استخدام الجوقة، الشعر العامى، المواويل والرقصات الشعبية،
فى هذه الرواية الشعرية التى اعتمدت على أصوات متعددة تجسد ضمير الجماعة الشعبية، ضمير المجتمع، محاولة للعودة بالمسرح ليس فقط لأصوله فى التراث الشعبى لكن فى أصوله الأولى عند الإغريق، وهذا ما أدركه المخرج الشاب يوسف مراد منير، فالشخصيات جميعها رواة، حيث يقوم فريق الممثلين بأدوار متعددة، أو على الأقل بدور مزدوج بين الممثل والراوى، بين السرد والوصف والحديث، يتفاعلون مع الأحداث يقومون بسرد الحكاية وأداء الأدوار، فثمة جمع بين الرواية والتمثيل، وكان المخرج على وعى بفكرة نجيب سرور ممثلة فى إدخال العنصر القصصى على الدراما الشعبية، ليكون السرد/الراوية عنصراً أساسياً من عناصر البناء الدرامى للعرض مع الغناء والموسيقى اللذين كانا جزءاً من التعليق، فقد كان المغنى راوياً وسارداً بالغناء والموسيقى، فالمسرح فى نص «ياسين وبهية» جوقة وممثلين وهذا ما بدا واضحاً فى العرض الذى قدمه مسرح الشباب.
ليبدأ العرض بنشيد بلادى بلادى، النشيد الوطنى للمصريين ليس من الصالة، ليس من خلال التسجيل الصوتى كما هو متبع فى المسارح بعد 2011 ولكن كجزء أساسى من بناء العرض على لسان المغنى، الراوى فى فضاء الحكاية، حيث سيكون لهذا المغنى دور فاعل ومؤثر فى الأحداث مع الفرقة الموسيقية التى احتلت يمين المسرح، ومنذ اللحظات الأولى ثمة محاولة لاستعادة الزمن، زمن الحكاية أى ستينات القرن الماضى، من خلال روح وإيقاع تلك المرحلة، ليس فقط من خلال الحكاية والأحداث والشخصيات وأداء الممثلين فى السرد والحوار ولكن أيضاً من خلال الأغانى التى عادت بالجمهور إلى تلك الحقبة من التراث الشعبى مثل «ع الزراعية يا رب أقابل حبيبى» و«آه يا ليل يا ليل ياما طال الليل» أغانٍ يؤديها أهل القرية/الكورس أو ضمير الجماعة بالإضافة إلى الأغانى التى أصبحت جزءاً من الوجدان الشعبى للشيخ إمام، وعدلى فخرى من مناضلى اليسار فى ستينات القرن الماضى وسواهم من رموز الحركة الوطنية فى ثورة 19 مثل الشيخ سيد درويش. والتى لا تخلو من دلالة مثل «مصر يامه يا بهية يا ام طرحة وجلابية» لأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، وأغنية الحشاشة لبديع خيرى وسيد درويش.
فى أحيان كثيرة كنت أشعر أن يوسف مراد منير يقدم صورة غنائية أو «أوبريت» تحت عنوان ياسين وبهية، فقد أدرك جيداً ماذا يعنى المؤلف، أدرك رغبة نجيب سرور فى تقديم رواية شعرية من التراث الشعبى، فجعل المخرج الغناء والموسيقى جزءاً من البناء العميق للحكاية وبالتالى للعرض، فلعبت الفرقة الموسيقية والمغنى دوراً أساسياً، وأيضاً فرق العمل سواء من الجوقة أو الشخصيات الرئيسية، فالجميع يستعين بالموسيقى والغناء لتجسيد الحكاية.
النص الذى كتبه نجيب سرور فى عشر لوحات وخاتمة جسده العرض الذى قدمه مسرح الشباب فى مجموعة مشاهد على مدى ساعة ونصف حاول من خلالها المخرج إبراز روح الحكاية الشعبية، حكاية ياسين وبهية بكل رموزها ودلالتها من خلال مشهد بصرى قوامه عناصر الفرجة الشعبية والتى جاءت فى معظمها لوحات تشكيلية اعتمدت على الغناء والموسيقى والشعر. فقد كتب نجيب سرور هذه اللوحات التى هى مجموعة حكايات عن بهوت شعراً مصرياً خالصاً يجمع بين الفصحى والعامية لكن هذا الشعر لا يخلو من بنية درامية من حبكة وأحداث مثيرة وإن كانت متناثرة فى اللوحات إلا أنها تحقق الغرض، حيث يبدأ بلوحة أقرب إلى بورتريه، صورة شخصية لياسين وواقع القرية / بهوت، ثم يقدم صورة وصفية لهذا الواقع فى اللوحة الثانية مع تفاصيل الحياة اليومية للناس فى بهوت يجسد المعاناة والقهر والظلم الذى يعانى منه هؤلاء، إذ يتذكر الراوى كيف قام الباشا بضرب ياسين، جَلَده وأهانه، ولا ينسى رد الفعل على هذا القهر حيث تدور «الجوزة والحشيش» كطقس لأهل القرية فى دلالة على أزمة الوعى، وفى اللوحة الثالثة يبدو تكنيك الكتابة واضحاً حيث يتداخل السرد الشعرى مع الحوار المسرحى، ويعلن الشاعر عن حبه لبهية كما يحبها ياسين ويصفها كما وصف سليمان النبى شولميت، فثمة بناء درامى غير معلن وغير تقليدى حيث يبدأ فى وصف بهية «لم يكن بين الصبايا فى بهوت.. مثلها.. مثل بهية / فهى كالتينة فى الغصن طرية وندية وشهية / حارة كانت بهية وحيية مثل كوز حليب / فى صباح بارد من شهر طوبة! يانعة» ففى اللوحة الرابعة وبعد أن يكون النص قدم صورة حية لياسين، وأخرى لبهية وأيضاً بهوت والظلم الذى يعانى منه الشعب، بلغة الشعر يصف نجيب سرور للقارئ بهوت مسرح الأحداث وفضاء الحكاية التى هى مصر، يصف النخل والبيوت والطعام، كيف يأكل الناس، ولا ينسى حديثاً عن الشعر والقوافى ففى كل لوحة يؤكد أنه يستحضر الشاعر الشعبى بكل تجلياته، ففى البداية يستعين بابن رشيق من التراث العربى «لعن الله صنعة الشعر ماذا من صنوف الجهال منه لقينا / يؤثرون الغريب منه على ما كان سهلاً للسامعين مبينا / ويرون المحال معنى صحيحاً وخسيس الكلام شيئاً ثميناً» وفى اللوحة الرابعة يقول الراوى الشاعر «هكذا كل القوافى أغطية، لأوانٍ فارغة، قارنوا حتى رنين الأغطية... والأوانى فى المطابخ برنين القافية، وأسألوا الله لعشاق القوافى - أولنا - بعد دوام العافية» حيث يتقمص نجيب سرور دور الشاعر الشعبى، ليضع فى النهاية لوحات أقرب إلى ذروة الحدث، حيث حريق بهوت، ولوحة العرافة ضاربة الودع لبهية، ثم مشهد الهجوم على قصر الباشا وجثث أهل القرية، ليترك نجيب سرور النهاية مفتوحة على المقاومة، مقاومة الظلم والقهر والبحث عن العدالة التى ينشدها الإنسان عبر العصور.
يوسف مراد منير قام بدمج هذه اللوحات، مجموعة الأحداث ذات الطابع الشعرى فى لوحة واحدة من مجموعة مشاهد فى فضاء لم تتغير ملامحه إلا قليلاً، الفضاء هو قرية بهوت، فالنص الذى كتبه المؤلف منذ ستة عقود تقريباً حول ظلم الباشا «رمز الاستعمار» للفلاحين، واستيلائه على محصولهم الزراعى غصباً واغتصاب نسائهم، بل وحياتهم، وحين تثور القرية ورجالها يحصد الباشا ورجاله أرواحهم، وذلك على مستوى البنية السطحية، أما على مستوى البنية العميقة فعلاقة الحب بين ياسين وبهية ربما الحكاية تبدو تقليدية ولكن ما تطرحه من قيم حول قيمة العدل والحرية والحب والوطنية، وهو ما جسده العرض من خلال هذه المشاهد، حيث تحولت القرية (بهوت) والشخصيات (ياسين وبهية والباشا وأهل القرية) إلى رموز لهذه القيم، لذلك ورغم مرور الزمن ستظل رؤية نجيب سرور التى تحمل فى بنيتها العميقة هذه المعانى التى جسدها العرض، وأهمها قيمة الوطن باقية وصالحة، وهذا ما أدركه المخرج الموهوب يوسف مراد منير ليقدم صفحة من التاريخ هى قصيدة فى حب الوطن، حيث جاءت المشاهد التى لعب فيها الشعر دوراً رئيسياً أقرب إلى مقاطع شعرية مصورة تنبض بالحياة من خلال الشخصيات التى ترمز للشعب، فجاءت المشاهد وخاصة تجسيد فلاحة الأرض بالفؤوس الذى تخلله مشهد العرافة مع الودع وحريق القرية بالإضافة إلى مشهد مقتل ياسين وأهل القرية فى الختام، وإن كانت تعتمد على عناصر الفُرجة الشعبية إلا أن روح الشعر الذى ينشده نجيب سرور واضحاً وبقوة، وكان اختياراً صائباً للفنانة الشابة إيمان غنيم التى أدت دور بهية وهى وجه مصرى بلون التربة السمراء، وجه مصرى خالص وإحساس عميق بالدور ورمز بهية، وأيضاً حازم القاضى الذى لعب دور ياسين، بالفعل كان اختياراً صائباً.
فى النهاية مشاهدة هذا العرض فى مسرح الشباب أسعدنى كثيراً، خاصة أن يكون هناك وعى بتقديم رموز المسرح المصرى لهذا الجيل، وبالفعل يستحق المخرج سامح بسيونى، مدير المسرح، التحية. وأتمنى أن يستمر فى تقديم هذا النوع من النصوص، وأقصد أن يحدث هذا التواصل بين الأجيال.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...
أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...
أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.
أسعى لتغيير صورة الفنان