36 عاماً على رحيله توفيق الحكيم والبحث عن الهوية المصـرية فى المسرح

لو وضعنا عنواناً لأدب توفيق الحكيم (9 أكتوبر 1898م - 26 يوليو 1987) سيكون البحث عن روح الشخصية المصرية التى كانت محوراً لكل أعماله، يبحث فى تكامل ملامحها بين مصر الفرعونية والمسيحية والإسلامية

، ويؤمن إيماناً عميقاً بحضارتها وتاريخها وشعبها، توفيق الحكيم الذى صعد بالأدب المسرحى بكامل هيئته إلى خشبة المسرح، أدهشنى لأنه ليس كغيره من المفكرين الذين يقذفون بما حفظوا من نظريات جامدة، بل كانت النظريات تخرج من فمه حية تمشى على الأرض لها يدان وساقان ووجه ولسان فى كل أعماله الروائية والمسرحية والفكرية. يناقش قضايا اللحظة الراهنة، حيث شارك فى كل الأحداث التى مرت بمصر فى حياته ولكن بأسلوبه هو، لأن الفن لا يعيش بالغاية، الغاية فانية، إنما الفن يعيش بالأسلوب.

كانت قضية توفيق الحكيم الرئيسية «هوية مصر»، وحين عاد من رحلته الطويلة فى باريس كتب مسرحية «أهل الكهف» 1933 وهى أول حدث مسرحى مصرى، المرة الأولى التى يصعد فيها الأدب المسرحى المصرى بكامل هيئته إلى خشبة المسرح، وهناك كان يبحث عن الشخصية المصرية، ورأى أن مصر الحية تتكون من حلقات عمرها الطويل من تيارات فكرية شتى فى عهود متباينة من الوثنية إلى المسيحية إلى الإسلام، ويؤكد أن شخصية مصر فى تكامل ملامحها ومسار تفكيرها عبر القرون، و«أهل الكهف» مأخوذة عن القرآن فى موضوع مسيحى، وعن تفكير فى الزمن الوثنى، كان يحاول ربط حلقات هذه التيارات الفكرية فى العصور الثلاثة، ولم يختلف الأمر كثيراً فى رواية «عودة الروح» التى أكد فيها على قدرة هذا الشعب على التقدم والنهوض فهى قاعدة عميقة فى الشخصية المصرية بكل تجلياتها؛ الفلاح وابن البلد والأفندى، ابن الطبقة الوسطى وابن البلد، والفتاة التى ترمز لإيزيس، وفى خضم المناقشات التى وضعها الحكيم فى الرواية وتدور بين المفتش الإنجليزى والمصرى فى بيت والد محسن، يقول المفتش «جىء بفلاح من هؤلاء وأخرج قلبه تجد فيه رواسب عشرة آلاف سنة، من تجارب ومعرفة رسب بعضها فوق بعض وهو لا يدرى! نعم هو يجهل ذلك، ولكن هناك لحظات حرجة يستدعى فيها هذه المعرفة وهذه التجارب فتسعفه وهو لا يعلم من أين جاءته.. وسوف تتردد هذه الأفكار بقوة فى الرواية التى تغوص فى أعماق الحضارة المصرية ويستمع محسن إلى أحد الركاب فى القطار يخاطب جاره قائلاً «أهل مصر شعب عريق، من آلاف السنين واحنا فى وادى النيل، وكنا نعرف الزراعة والفلاحة، ولنا قرى ومزارع وفلاحين وقت ما كانت أوروبا لسه ما وصلتش لدرجة التوحش». وكان توفيق الحكيم يعى جيداً وضع مصر أو المسألة المصرية فى تلك لفترة ليذكّر بعد سنوات فى كتابه «بين عهدين» ما حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية أو «الرجل المريض» حين ذهب زعماء مصر يسألون الإنجليز عن وضعهم، ويصف الحكيم هذه اللحظة كمشهد درامى «فسألهم الإنجليز عما يقصدون فقالوا: زوال الاحتلال البريطانى، فسألهم الإنجليز وماذا بعد الاحتلال هل تعودون إلى الدولة العثمانية المنهزمة؟ فقال الزعماء: بل نعود إلى مصر، فدهش الإنجليز وسألوا ما هى مصر؟ فإننا لا نعرف شيئاً اسمه القطر المصرى. وكما هو موجود على الخرائط الرسمية يتبع سياسياً الدولة العثمانية وحضارياً العربية حسب الدين واللغة، أما مصر فأين هى؟ وماهى مقوماتها؟ وماهى شخصيتها؟».. وظنى أن هذه الكلمات ظلت فى عقل توفيق الحكيم ووجدانه حتى بعد زوال الاحتلال، فمصر بالنسبة لتوفيق الحكيم ليست وطناً يحبه بل عقيدة يؤمن بها، عقيدة قوية وراسخة، والصورة المناسبة له تمثال الكاتب المصرى، حيث يحلو لى كثيراً أن أنزع رأس التمثال وأضع رأس توفيق الحكيم الكاتب.

توفيق الحكيم الذى تمر هذه الأيام 36 عاماً على رحيله، فيلسوف الأدب الذى كلما قرأته تذكرت نجيب محفوظ عندما حصل على جائزة نوبل وقال: كان يستحقها توفيق الحكيم، فى تلك الفترة لم أكن قد قرأته، فقط أعرفه وأخاف الاقتراب منه وكلما اقتربت تبعدنى أسئلته العصية على الفهم فى تلك الفترة، وظننت أن إجابة نجيب محفوظ لا تخلو من المجاملة، ولكن حين قرأت توفيق الحكيم عرفت أن الإجابة كانت منطقية وأنه يستحق عشرات الجوائز، بل كانت الإجابة هى الوحيدة المناسبة دون غيرها.

وأعترف أننى لا أتوقف عن التجول بين أعماله، إذ يحلو لى بين الحين والحين أن أعود إليه «رحلة بين عصرين، أهل الكهف، عودة الوعى، عودة الروح، راقصة المعبد، بنك القلق، الطعام لكل فم، تحت شمس الفكر، شجرة الحكم السياسى»، وغيرها من الأعمال.. ليس شرطاً أن أقرأ الكتاب كاملاً، ألهو كمن يتنزه فى حديقة ويقطف من ثمارها، الثمار التى تذوق حلاوتها من قبل ويعرفها جيداً، لذلك ينهل منها دون حساب سعيداً مطمئناً، وأنا أعيد قراءة «رحلة بين عصرين» الذى كتبه عام 1971 حين قام برحلة إلى باريس ليقارن بين حياته هناك حين سافر عام 1927 والحياة بعد نصف قرن، فماذا حدث؟ وهذه الرحلة تكشف لى كلما قرأتها خبايا سيرته الذاتية «زهرة العمر وسجن العمر» وخاصة «زهرة العمر» التى تدور أحداثها فى باريس، وحين أقرأ ما يكتبه الحكيم عن سيرته الذاتية، لا أعرف إذا كان يسرد أحداثاً واقعية حدثت بالفعل أم أن الخيال يعمل فى أقصى تجلياته، فالواقع عنده يختلط بالخيال، والخيال يهاجم الواقع، وهذا ما يحدث لى حين أقرأ أعمالاً أخرى مثل «يوميات نائب فى الأرياف»، و«راقصة المعبد» وغيرها. لا تعرف أين حدود الواقعى الذى عاشه وأين الخيال، أعرف أنه من البديهى أن ينطلق الكاتب من الواقع ويلعب الخيال دوره فى الكتابة، ولكننى كقارئ، لا يختلط عليّ الأمر مع الكتّاب الآخرين، لأننى أعرف أن هذه رواية، وتلك سيرة ذاتية، ولكن مع توفيق الحكيم لا أعرف، فالحدود الفاصلة تمت إزالتها، ظننت حين قرأت «راقصة المعبد» لأول مرة، وخاصة فى الصفحات الأولى أنها «ذكريات» ليس فقط لأنه يضع عنواناً فرعياً إلى جانب العنوان الرئيسى «ذكرى سالزبورج - صيف 1936» بل إنه بارع فى خداع قارئه بمهارة شديدة أليس هو القائل فى هذا الكتاب «إن الكذب المتّسق هو أصدق من الصدق.. ما الفن إلا كذب متسق جميل».. وكان دائم الدعاء: «اللهم نسّق لى كذبى، وما البرج العاجى إلا خدعة كبرى. ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم! الأسلوب كل شىء عند كل خالق، إن الخالق أعظم من أن يحبس إرادته الخالدة فى حدود -غاية - الغاية مفردة من صنع العقل البشرى الصغير.... الفن لا يعيش بالغاية، لأن الغاية فانية كاسمها، إنما يعيش الفن بالأسلوب».. فهل يضع هذا الكلام توفيق الحكيم فى البرج العاجى؟.

عرفت وأنا أعيد قراءة «رحلة بين عصرين» لماذا كتب مسرحية «أهل الكهف» 1933 حال عودته وهى أول حدث مسرحى مصرى، المرة الأولى التى يصعد فيها الأدب المسرحى المصرى بكامل هيئته إلى خشبة المسرح، هناك كان يبحث عن الشخصية المصرية ورأى أن مصر الحية تتكون من حلقات عمرها الطويل من تيارات فكرية شتى فى عهود مباينة من الوثنية إلى المسيحية إلى الإسلام، ويؤكد أن شخصية مصر فى تكامل ملامحها ومسار تفكيرها عبر القرون، و«أهل الكهف» مأخوذة عن القرآن فى موضوع مسيحى، وعن تفكير فى الزمن الوثنى، كان يحاول ربط حلقات هذه التيارات الفكرية فى العصور الثلاثة، وفى النهاية الكهف هو الماضى وأهل الماضى لا بد من عودتهم إلى الماضى، لن أبالغ إذ قلت إن توفيق الحكيم كاتب شعبى لا بد أن يقرأه الجميع، لأنه أجمل من كتب عن مصر، فكما كان فلاسفة الإغريق ينفقون أعمارهم فى البحث عن قضايا الوجود، أنفق هو عمره فى البحث عن ملامح الشخصية المصرية، ليكتبها فيما بعد فى كل رواياته ومسرحياته ومقالاته. وهنا أعود لقراءة «أهل الكهف».

توفيق الحكيم أفلاطون ولكن لم يكن لديه سقراط يكتب من خلال شخصيته فلسفته وأفكاره فى صورة حواريات بل عشرات فى صور وأشكال مختلفة، وعبر هذه الشخصيات (أبطال محاوراته) طرح مئات الأسئلة حول الشخصية المصرية، حتى فى أعماله غير الأدبية ثمة أسلوب أدبى، شجرة الحكم السياسى، محاورات درامية للسخرية من أهل السياسة، فلابد من أسلوب بكل جمالياته حتى يتكلم توفيق الحكيم، لذلك أشعر أن كل أعماله كتاب ضخم يضم أجزاء عديدة، عنوانه البحث عن الشخصية المصرية، وأنا بدورى حين أعيد قراءة «أهل الكهف»، فأتذكر رحلة بين عصرين، وحين أنتهى منها أعود إلى شجرة الحكم السياسى، وقبل أن تنتهى أترك أهل السياسة فى الجحيم وأقرأ مبررات توفيق الحكيم المذهلة فى عودة الوعى مبررات الصمت أكثر من ربع قرنٍ! ثم أقرر قراءة عودة الروح، هكذا يهاجمنى توفيق الحكيم ولا أعرف كيف أخرج من متاهته التى يحاصرنى بداخلها كلما اقتربت منه، بل وكلما ابتعدت عنه وذلك حين أشاهد العروض المسرحية التى تفتقد الرؤية، تفتقد الهوية، تفتقد لمقومات المسرح وتكتفى فى أحسن الأحوال بفخامة المنظر المسرحى.

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فهمى عمر
مهرجان شبرا الخيمة.. أربعون عاماً فى خدمة المسرح
يس

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...