فى مسرحية «قضية ذهب الحمار» حين ينتصر المحتال على مدينة الجهل والطمع

تدور أحداث مسرحية «قضية ذهب الحمار» تأليف سعيد حجاج والمستوحاة من حكاية شعبية حول حكاية اليهودى شمعون وزوجته أنيسة اللذين ضحكا

على أهل المدينة، الشعب والحكومة معاً ومنهم شهبندر التجار، الوزير، القاضى، والوالى حاكم المدينة، ودون شك جنسية شمعون لا تخلو من دلالة، بل دلالتها السياسية واضحة، حيث تدور الحبكة الأساسية وخط سير الأحداث من خلال حيلة تتكرر مع كل الشخصيات، مفادها النصب والاحتيال من اليهودى، والطمع والجشع والسذاجة من الشعب والحكومة الذى يعانى كلاهما من أزمة الوعى وفقاً لبناء كل شخصية وملامحها كما وضعها المؤلف فى النص.

تفتق ذهن اليهودى الذى هبط المدينة فجأة مع زوجته عن حيلة أقنع بها الجميع وهى أن هذا الحمار حين ينهق يتساقط الذهب من فمه بعد أن وضع بعض العملات الذهبية فى فم الحمار وذهب به إلى السوق، وفى كل مرة حيلة جديدة، وفيما بعد خدع القاضى الذى ذهب إلى بيت اليهودى ليقتص منه بعد أن خدع الشهبندر وباع له الحمار حيث أقنعه أيضاً بأن الكلب يطبخ ويساعد فى أعمال البيت ويعرف أين صاحبه، وأقنع الوزير بأن هذا المزمار يحيى الموتى، وفى النهاية خدع الوالى، فقد افترض الكاتب سذاجة وجهل وطمع الشعب والحكومة معاً، فظهر هؤلاء يعتمدون على التواكل والقضاء والقدر، فالوزير يمنح المزمار لكل أعضاء الحكومة فيقتلون زوجاتهم وبالطبع يفشلون فى بعثهم بواسطة المزمار، فثمة خطاب سياسى واضح ومباشر فى محاولة لإسقاط هذا الخطاب على إسرائيل، فالشهبندر يصرح قائلاً «شمعون ظلمنا لما طمعنا فى بعض وظلمنا بعض» لينطلق الكاتب من حكاية شعبية عالجها من خلال خطاب مباشر، وإمعاناً فى الاستسلام للقدر جاءت شخصيات المسرحية / أهل المدينة شخصيات مسلوبة الإرادة، ففى النهاية يذهب الملك والشعب إلى البحر ويلقون بأنفسهم طمعاً فى الذهب، طمعاً فى الثراء السريع وينتصر شمعون.

بالحيلة والمكر حل شمعون وزوجته أنيسة ضيوفاً على مدينة ما، ومنذ اللحظات الأولى بدأت الحيل لاستنزاف الشعب الذى يجسده النص ساذجاً مسلوب الإرادة، وأنا أقرأ هذا النص لم أستطع تخيله بدون الإشارات السياسية حتى لو تم تقديمه فى قالب تقليدى، فالمحافظة على الدلالات السياسية ضرورة، وإشارات المؤلف واضحة والمعالجة الدرامية التى قدمها النص حتى وإن كان يغلب عليها الطابع الكوميدى إلا أنها تحمل فى بنيتها العميقة إشارات سياسية، صريحة، إشارات تحتاج إلى فُرجة مسرحية شعبية.

الأسبوع الماضى قدم المسرح الحديث هذا النص ضمن خطته تحت عنوان «عجيب وعجيبة» من إخراج محمد الصغير وفى اللحظات الأولى تفاءلت خيراً حين بدأ العرض من خلال عناصر الفرجة المسرحية، الأراجواز وخيال الظل، والغناء والاستعراض والراوى، وقبل أن يبدأ العرض تستقبل الفرقة الغنائية التى احتلت يمين مقدمة المسرح الجمهور بأغانٍ متنوعة جميعها من التراث العربى والأندلسى والمصرى، فى محاولة لتوريط المشاهد من خلال الحالة الموسيقية التراثية التى وضعت المشاهد فى أجواء الحكاية الشعبية وفى زمنها، وسوف تظل هذه الفرقة شريكاً أساسياً فى الحكاية طيلة زمن العرض، حيث اعتمد المخرج على الغناء والموسيقى كجزء من البنية العميقة لهذه الفرجة المسرحية التى لا تخلو من متعة، ورغم هذا توقفت فى هذه المعالجة عند نقطتين، الأولى ما تم حذفه من النص الأصلى الذى كتبه سعيد حجاج، حيث قام العرض الذى حمل عنوان «عجيب وعجيبة» بنزع كل الأجزاء المثيرة للأسئلة أو ما يقصده الكاتب والتى بدأت بحذف اسم شمعون ودلالته السياسية وصولاً إلى حذف أجزاء كبيرة من الحوار ذات دلالة واضحة والتى تؤكد على دلالة اسم شمعون وتنزع من النص الطابع السياسى ليتحول إلى مجرد كوميديا مسلية، ومروراً بتهذيب الحوار أى جعله حيادياً، واستبدال شخصية سفروت وسفروتة (الرواة) بشخصية أبوشعيشع مدير الفرقة، بل ولم يتوقف الحذف عند استبدال الشخصيات ولكن التخلص من تعليقات سفروت وسفروتة اللاذعة على الأحداث وسذاجة أهل المدينة! والنقطة الثانية وهى كيفية توظيف واستغلال عناصر الفرجة المسرحية التى قدم من خلالها المخرج العرض، والتى كانت فى معظمها مجرد إكسسوار، فلم يتم توظيفها، وعلى سبيل المثال الأراجواز الذى كان على يسار المسرح مجرد زينة، مجرد حلية، بالإضافة إلى خيال الظل الذى وضعه المخرج أو مهندس الديكور، فى منتصف المنظر المسرحى وهذا لم يكن صائباً دون شك وأيضاً صغر حجم الشاشة، بالإضافة إلى اللوحات الغنائية والاستعراضية التى لم يتم توظيفها بشكل مناسب، وإذا حذفت لن يتأثر العرض.

تخيل المخرج محمد الصغير فرقة مسرحية من الأرياف تقدم هذه الحكاية وكانت بالفعل فرقة متواضعة المستوى فنياً اعتمدت على المحاكاة والتقليد والتمثيل الهزلى أمام الجمهور، وقدمت مجموعة من اللوحات تخللتها فواصل غنائية واستعراضية، واللوحات تجسد مجموعة الخدع التى تحايل بها شمعون وزوجته على الشعب والحكومة بعد أن حذف من الحوار كما ذكرت سلفاً الدلالات السياسية ورؤية الكاتب التى عالج من خلالها الحكاية الشعبية فبدت وكأنها حكاية كوميدية أقرب إلى قصص الأطفال المسلية حتى وإن كانت تثير الضحك وتحقق شيئاً من المتعة، من خلال شخصية شمعون بعد حذف الاسم والتى جسدها الفنان سيد الرومى وهو كوميديان موهوب حاول توظيف كل مهاراته الشخصية فى تجسيد شخصية المحتال، ولكن ليس الشخصية التى كتبها المؤلف وحملها بدلالات عديدة، مجرد شخصية «عجيب» مع زوجته «عجيبة» اللذين يقدمان أفعالاً عجيبة وغريبة فى المدينة بدافع الحصول على المال، ففى نص المؤلف يقف شمعون بعد أن يخدع الشهبندر ويبيع له الحمار، يقول بفخر «آدى أول بيت أصبح خراب، بيت الشهبندر» وفى موضع آخر يقول «اللى اتجننن هو اللى يسيب البلد دى بالخير اللى فيها ويروح حتة تانية، ولا يدور على بلد غيرها، طول ما الجهل معشش هنا والخلق بتظلم بعضيها».. حتى لو كان الخطاب الذى يقدمه المؤلف خطاباً مباشراً إلا أن النص يقوم فى بنيته الأساسية حول هذه الفكرة، شمعون الذى خدع الشهبندر والقاضى والوزير والوالى، وحتى هذه الوظائف حذف العرض بعضها ووضع لها مسميات أخرى فضفاضة لا تدل على شىء محدد، ويبدو أن هذا الحياد كان مقصوداً، وتقريباً تم حذف كل تعليقات سفروت وسفروتة الرواة اللذان يقدمان لنا الحكاية.. سفروتة فى نهاية الحكاية وبعد أن نفذ شمعون خطته «طفح الكيل وشافوا الويل والبلبلة عمت البلاد، فما كان من الحكومة غير أنها لمت بعضها واتجهوا لبيت شمعون، وكانت أنيسة زوجته اختفت بفعل فاعل أو بفعلها نفسها» والراوى والراوية أقرب إلى الكورس، ضمير المجتمع الغائب، وربما كلاهما عكس الحكومة والشعب اللذين يعيشان فى أزمة الوعى.

بالإضافة إلى أن الحيل جميعها تمت بنفس الأسلوب، وفقاً للحكاية الشعبية، ووفقاً لمنطق اللامنطق؛ أى تحدث الأمور دون مبرر درامى كأن يتم خداع الجميع بنفس الطريقة، فالشهبندر لا يفكر كيف يتساقط الذهب من فم الحمار، وصاحبه الأصلى الذى يشكو يُظلم لصالح الشهبندر الذى يشترى الحمار، والقاضى ينخدع بحيلة الكلب ويظلم الشهبندر مقابل أن يحوز الكلب، والوزير يظلم القاضى فى مقابل المزمار وهكذا بنفس الأسلوب حتى نصل إلى الوالى الذى ينحاز إلى شمعون، وحتى حين يفيق الجميع ويقرروا التخلص منه، فجأة تبدو عليهم علامات الإرهاق؛ ينامون فيظهر الراعى محروس ويحتال عليه شمعون، ويوهمه ويقنعه أن ينام مكانه فى الشوال، ومن ثم يهرب وتستيقظ الحكومة وتلقى بالراعى فى البحر ويعود شمعون فيدهش الوالى ويقص عليه شمعون خدعة أخرى تنتهى بأن يلقى الوالى والشعب والحكومة بأنفسهم فى البحر؛ تغرق المدينة بشعبها ويحكم هذا المحتال المدينة! لقد كتب سعيد حجاج النص بمنطق الحكاية الشعبية وهذا مبرر، فليس هناك شخصية مختلفة؛ الجميع متشابهون، نفس الملامح: (صاحب الحمار، الشهبندر، القاضى، الوزير، الوالى، الشعب والحكومة)! ومع هذا كان من الممكن العمل على أهم مقولة فى النص وهى أفعال شمعون فحين تم حذفها بكل رموزها تحول العرض إلى حكاية مضحكة مع بعض الأغانى والاستعراضات والاجتهادات الشخصية من الممثلين! والسؤال للمخرج المتميز محمد الصغير: «لماذا تم نزع كل الإشارات التى تشتبك مع اللحظة الراهنة وتطرح جانباً من أسئلة الواقع، وهل هناك فرجة مسرحية شعبية تخلو من الخطاب السياسى؟».. لماذا هذا الجيل من المخرجين الذى ظهر فى العقد الثانى من الألفية الثالثة يقدم مسرحاً أنيقاً، مسرحاً يخلو من أى تأثير سواء بالسلب أو الإيجاب، تذهب إلى العرض وتعود وكأنك لم تشاهد شيئاً، نعم هناك بعض المتعة، التسلية فى مسرح يلتزم الحياد التام من قضايا المجتمع، وهذه سمة فى العديد من العروض المسرحية التى نشاهدها فى مسرح هذه الأيام.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

هما مير أفشار: رحيل ملكة الشعر الغنائي في إيران

فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...

19 % زيادة فى أرباح «الإنتاج الإعلامى» خلال الربع الأول من العام المالى 2026

أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...

خالد النبوى يحضر «طاهر المصرى» الشهر المقبل

أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.

ياسر جلال: أتمنى عودة الاحتفال بـ«بعيد الفن»

أسعى لتغيير صورة الفنان