حديث الغرفة رقم «8».. سيرة «أمل دنقل» بعيون «عطيات»!

كانت الدنيا جميلة زاهية وكانت ثورة يوليو حاكمة فى الوجدان رغم زوال حكمها السياسى مساء «28 سبتمبر 1970»

 وهو الوقت الذى مات فيه عبد الناصر، ولكن عبد الناصرـ ابن الطبقة المتوسطة ـ كان صاحب فكرة حكم التحالف الطبقى «العمال والفلاحون والرأسمالية الوطنية والمثقفون الثوريون والجنود»، وظل «المثقفون» على أجندة السلطة الحاكمة لسنوات طويلة، وكان المثقفون رقما مهما فى المعادلة السياسية الدولية والمحلية، حتى سقوط الاتحاد السوفييتى وسيطرة الليبرالية المتوحشة و»الهمجية» على الكوكب، وكان «أمل دنقل» شاعرا كبيرا، من مواليد «يونيو 1940» ومات فى «مايو 1983» أى أنه عاصر ثورة يوليو منذ يومها الأول، حتى نهاية «عصر السادات»، الذى يمثل الحلقة الأخيرة لحكم الضباط الأحرار، وشهد الشاعر «أمل دنقل» كل الحروب التى خاضتها الثورة الوطنية ضد المشروع الأمريكى فى الشرق الأوسط، وشهد توقيع اتفاقية «كامب ديفيد»، ودخل معهد السرطان وصارع المرض اللعين وانتهت حياته، وبدأت حياة مشروعه الإبداعى، وبعد مرور أربعين سنة على وفاته، مازال مشروعه الشعرى حيا ومعبرا عن احتياجات الوجدان العربى والإنسانى، وكانت «عطيات الأبنودى» الفلاحة المثقفة، دخلت عصر الصورة السينمائية وأصبحت مخرجة سينمائية تسجيلية، وكانت ضمن «مجموعة الصعيد العليا» لإنقاذ الأدب المصرى فى حقبة الستينيات، وهذه المجموعة ضمت «أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودى ويحيى الطاهر عبد الله» وبرع هذا الفريق ـ القناوى المنشأ والميلاد ـ فى طرح صيغ إبداعية جديدة فى شعر الفصحى وشعر العامية والقصة القصيرة، وكان هذا الفريق مكروها من فريق أنصاف المبدعين، وهو الفريق الذى كره «العروبة» التى ينتمون إليها بالثقافة والانحياز، وهى عقدة ورثها البعض عن أحقاب تاريخية كان الصراع فيها مشتعلا بين «الفلاحين» و»العربان» بفعل «المماليك» والباشوات الشركس، والإنجليز، وهذا يفسر لنا قيام «همام الهوارى» ببناء تحالف شعبى ضم القبائل البدوية والفلاحين فى الصعيد لمواجهة «على بك الكبير» ومن معه من «المماليك» الذين كانوا يكرهون «العربان» لأن العربان مقاتلون لهم أنساب قبلية معروفة يزهون بها، وينظرون للمماليك نظرة احتقار ويرونهم مشترين بالمال لا أنساب لهم، وكان المماليك يحتقرون الفلاحين ويسلبونهم أموالهم ويعذبونهم بالسياط والعصى، وفى ستينيات القرن الماضى كان الحكم الوطنى يضع الثقافة ضمن أولوياته ويضع الميزانية التى تضمن وجود مجلات وإذاعة تقدم الثقافة الرفيعة، وفى العام 1983، وضعت «عطيات الأبنودى» كاميرا سينمائية فى «الغرفة رقم 8» فى معهد الأورام وسجلت سيرة حياة أمل دنقل بالصورة المتحركة والصوت، لأنها كانت تعرف أنه سوف يموت وأنه لم يعقب ولدا أوبنتا، وسوف يضيع من الذاكرة، فخلقت له ذاكرة تتحدى الزمن، العدو الأول للإنسان، فمات أمل وماتت عطيات وبقى الشريط السينمائى الذى يحمل ملامح «مجموعة الصعيد العليا» لإنقاذ الإبداع المصرى، ويحمل صوت الشاعر الكبير «أمل دنقل» الباقى فى وجدان الناس.

شيرين ممدوح صاحبة  برنامج «علامات»  تتذكر «فؤاد حداد» 

منذ فترة توقفت عن متابعة برامج الإذاعة لأسباب خاصة وعامة، ولكن الإذاعية المتميزة «شيرين ممدوح» استطاعت أن تعيد الود المفقود بينى وبين «الراديو»، وهو الجهاز الذى شكل وجدانى وكنت متابعا برامجه لعدة سنوات من خلال باب «ميكروفون» الذى كنت أكتبه هنا على صفحات «الإذاعة والتليفزيون» على مدى سنوات، وكانت ـ شيرين ـ التى لم أشرف بلقائها حتى وقت كتابة هذه السطور، قادرة على جذب أذنى إلى برنامجها «علامات ـ البرنامج العام ـ يذاع السبت عند الساعة الثالثة والثلث عصرا»، ومن خلال استضافتها «الشاعر أمين فؤاد حداد» عرفت جوانب كثيرة عن حياة ذلك الشاعر الكبير المجدد، ولكن بناء البرنامج، يستحق التوقف أمامه، فهو احتوى مسامع للشاعر الابن «أمين فؤاد حداد» وهو يتحدث عن شخصية والده ومسيرته الإبداعية والنضالية، ومسامع للشاعر الأب «فؤاد حداد» وهو يلقى قصائده العميقة المعانى البسيطة الكلمات، المستمدة من قاموس الحياة الشعبية المصرية، واحتوت الحلقة على «مادة مكتوبة» قرأتها «شيرين ممدوح» بلغة عربية سليمة ونبرة هادئة مريحة للأذن، وبذلك يكون بناء «علامات» الفنى مكتمل الأركان، فهو يتناول مسيرة الذين يشكلون علامات فارقة فى تاريخنا الثقافى والفنى والاجتماعى والسياسى، ومقدمة البرنامج تدل على هذا العنوان فهى تضم مقاطع من خطب زعماء وأحاديث ساسة وصحفيين ومثقفين، وهذا يجعلنى أقول إن برنامج «علامات» يستحق السماع والإشادة به، فهو يقدم خدمة ثقافية للمستمع مصاغة فى صورة إذاعية راقية، وما أعجبنى فى حلقة «فؤاد حداد» عمق المضمون وجمال العرض واكتمال عناصر البرنامج، وبقى القول إن البرنامج العام وهو الشبكة الإذاعية الأرقى والأعرق مازال قادراعلى تبنى الموهوبين والموهوبات، والإذاعية «شيرين ممدوح» تستحق أن نشكرها على ما تبذله فى برنامجها الرائع «علامات».

زينات علوى.. «الهانم» الراقصة أو «راقصة» الهوانم!

فن الرقص الشرقى هو الفن الوحيد الذى يعبر عن ازدواجية الثقافة فى المجتمع العربى، ويعبر عن التناقض فى المجتمع المصرى على وجه الدقة، فالمعروف أن «العرب» لا يسمحون لبناتهم بالرقص عاريات فى محافل الرجال، والقبط مثلهم، والجنس الوحيد الذى يسمح باحتراف الفتيات هذا الفن هو جنس «الغجر»، والغجر فى مصر يتواجدون فى مناطق محددة، فى المنصورة والإسكندرية وفرشوط وقنا وسوهاج وأسيوط، ومنهم فرق تحترف السرقة فى الموالد وفرق تحترف الرقص والغناء، وتقديم الفنون فى القرى والمدن للناس مقابل أجور، ومن أشهر الغجريات فى حياتنا الفنية «نعيمة عاكف» وهى تعلمت الفن فى «سيرك عاكف» الذى له شهرة فى الوجه البحرى والقاهرة، ولم تكن «تحية كاريوكا» غجرية، لكنها احترفت الرقص وهربت من الإسماعيلية إلى القاهرة ولحقت بصالة «بديعة مصابنى» وهى الصالة التى تخرجت فيها «سامية جمال»، والراقصة زينات علوى، لا نعرف شيئا عن انتمائها العرقى، لكنها اشتهرت من خلال السينما، فشاركت فى خمسين فيلما سينمائيا بالرقص، وتكلمت بعض الكلمات فى بعض الأفلام، منها فيلم «ريا وسكينة» وهو الفيلم الذى قدمت فيه مشهدا ـ غير مشاهد الرقص ـ جعلنى أظن أنها من «الغجر»، وملامحها تؤكد هذا الظن لكننى لا أمتلك المعلومة المؤكدة، وهى من الراقصات المتميزات بالصدق والوضوح، وبلغ بها إيمانها بفن الرقص حد السعى لتأسيس «نقابة الراقصات»، لتحمى الفنانات اللاتى يتعرضن لجميع أنواع القسوة والقهر الاجتماعى، فالراقصة مهددة بالتوقف عن الكسب عند بلوغها السن التى تنقص من قوتها البدنية وتفقدها جمال الجسد، والمجتمع يتعالى على الراقصات، فلا يجدن الإقبال على «الزواج» منهن، فيقعن فى دوائر الحرمان والجوع فى ظل غياب المظلة التى تحميهن من غدر الزمان، و»زينات علوى» اشتهرت فى الوسط الفنى بلقب «زينات قلب الأسد» وكانت زوجة للصحفى «محب مانع» صاحب مجلة «أخبار النجوم»، وكانت مشهورة بالاستقامة، فرفضت أن تخون زميلتها «سامية جمال» ـ زوجة رشدى أباظة ـ لما عملت معه فى فيلم «الزوجة 13» وحاول أن يقيم معها علاقة سرية، فرفضت وأخبرت «سامية» بما جرى من زوجها، وعرف الناس عن «زينات» كرمها وعطفها على بعض الفنانين والكومبارس الفقراء، وكانت تخصص مبالغ مالية شهرية للعمل الخيرى، ومما يروى أنها ذهبت إلى واحد من شعراء الأغنية فى فترة مرضه وأصرت على منحه المال، رغم أنه لم يكن فقيرا، ولما رفض تسلم المال منها هددت بالانتحار، فقبل الشاعر هديتها على مضض، وفى «5 يناير1988» اكتشف جيران «زينات علوى» موتها، بعد أن فاضت روحها بعدة أيام ولم يشارك فى جنازتها سوى عدد قليل من الفنانين، وبقى اللقب الأشهر مرتبطا باسمها فهى «الهانم» بين الراقصات لأنها لم تكن تؤدى الحركات المبتذلة، وهى راقصة «الهوانم» لأن سيدات الطبقة الراقية كن يعشقن رقصها الجميل.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

توفيق الحكيم ومجدى نجيب ومنير على موجة القاهرة الكبرى

في الأسبوع الماضي تحدثت هنا عن استعادة وهج الرموز الثقافية المصرية عبر مجموعة برامج مهمة ظهرت على خريطة إذاعة القاهرة...

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...