سهرة الصعايدة مع جابر أبو حسين والأبنودى وسيـــرة بنى هلال

فى سنوات الطفولة عشت طقس الاستماع للسيرة الهلالية فى قريتى «كوم العرب» بسوهاج، وهى من قرى «التغريبة»

، العربان فيها ـ أهلنا ـ ينتمون إلى «بنى هلال وبنى سليم وهذيل وبلى وجهينة» الذين اشتركوا فى التغريبة، ومازال لسان كوم العرب يلهج لهجة تونس وبرقة «شرق ليبيا» و»فاس ومكناس» و»طرابلس الغرب» ومازال بعض الكلمات شاهدا على أن أهلنا مروا من بلاد تونس ووصلوا «فاس» ومنها ارتدوا فى هجرة عكسية حتى بلغوا «الكوم البطلمى» الموجود فى وادى النيل فأقاموا فوقه وأصبح الكوم يسمى «كوم العرب» التى كانت من توابع قرية «مشطا» ثم انفصلت عنها فى العام «1816»، وهذا التاريخ كان «جابر أبو حسين» يعرفه جيدا، فكانت قريتى العربية الأصل والثقافة «محطة» له، يمكث فيها ثلاثة شهور من كل عام، هى الشهور «الدميرة» أو شهور الفيضان، فكان النيل يغمر الأرض ويجبر الأهالى على البقاء فى المقاهى الفقيرة «الدكاكين» ويأتى «جابر أبو حسين» من بلدته «آبار الوقف» فى «مركز أخميم» ويمكث فى «دكان إحمودة»، يروى فى كل ليلة فصلا من فصول السيرة الهلالية، وفى نهاية السهرة يجمع الحاضرون القروش ويمنحونها له، وينصرفون، وينام  «جابر» ليلته، فى الدكان ذاته، وظل على هذا الحال حتى العام 1964، وهو العام الذى جرى فيه تحويل مجرى النيل، وتوقف الفيضان، وأصبح «السد العالى» حقيقة فى حياة «كوم العرب»، فقد سافر الرجال للعمل فى هذا السد، لكنهم لم ينسوا سيرة بنى هلال، ولم يعد «جابر» يأتى فى موعده المعتاد، لكنه بقى فى حيواتهم، كانوا يستدعونه لإحياء حفلات الزفاف والطهور، وفيما بعد جاءهم شاعرهم فى شرائط كاسيت فاستدعوا من خلال سماعها حكايات ومواقف الأجداد فى أرض تونس وأرض نجد، وكان معه الراوى الصعيدى الجميل الموهوب الكبير الراحل «عبد الرحمن الأبنودى» عاشق تراث الشعب فى مصر كلها، والصعيد على وجه التخصيص، وكانت تعشقه القلوب التى أحست بالقرب منه وهو يكلمهم بلسان صعيدى،عبر موجة «إذاعة الشعب» فى رمضان من كل عام، ويبقى معهم بعد رمضان، وهو الذى يتولى شرح الأحداث التى يرويها «جابر أبو حسين» على الربابة، وكانت السيرة قد دخلت الإذاعة على أيدى المخرج «أحمد علام» وحفظت آذان الصعايدة عبارة الأبنودى «قول يا عم جابر»، وفى هذه الأيام التى نعيش فيها أيام رمضان، نتذكر «الأبنودى» الذى ولد فى «أبريل 1938» فى أبنود ـ قنا، وتوفى فى «أبريل 2015» فى القاهرة، وجاء «رمضان» فى «مارس وأبريل» فكان مناسبا لتذكر الأبنودى وجابر أبو حسين، اللذين كانا عنوان البهجة والفرح فى كل قرى العربان فى الصعيد والصحارى، فالسيرة الهلالية التى كانت تذيعها الإذاعة فى رمضان، كانت تجمع العربان فى كل أقاليم مصرحول أجهزة الراديو كل ليلة، ولما ألغيت «إذاعة الشعب» وظهرت إذاعة شمال الصعيد فى مدينة المنيا، أذيعت السيرة الهلالية مرات ومرات وكان أهلنا العربان فى المنيا وبنى سويف وأسيوط والفيوم يرسلون آلاف الرسائل البريدية للإذاعى «مصطفى عيد» مديرها، طالبين إعادة إذاعة حلقات السيرة، ومازالت سيرة بنى هلال التى حفظها الأبنودى وجابر أبو حسين، باقية فى مكتبة الإذاعة، ومازالت نسخة أخرى منها بصوت الأبنودى و»الشاعر الغجرى ـ سيد الضوى» موجودة أيضا فى المكتبة، وكانت إذاعة الأغانى تذيعها فى سنوات مضت، بمقدمة المطرب محمد منير، رحم الله الأبنودى وجابر أبو حسين وجعل مثواهما الجنة.

صلاح جاهين.. نجم رمضان الذى غادرالحياة فـى أبريــل

فى يوم «21 أبريل 1986» توفى الشاعر الكبير «صلاح جاهين»، حزينا غاضبا، لأنه قبلها تعرض لمضايقات من السلطة الثقافية، وكان مغضوبا عليه من المعارضة التى رفضت اتفاقية «كامب ديفيد» وأيدها هو، وهو نفسه الذى قضى سنوات يتألم بسبب أغنيته «راجعين نحرر الحما» التى تغنت بها «أم كلثوم» قبل «5 يونيو 1967»، فظن أنه خدع الناس وباع لهم الوهم، وقضى سنوات حزينا على ما جرى، ولكن هذا كله لا يقلل من قيمته الإبداعية الكبرى، ومواهبه المتعددة، فهو الرسام الذى يكتب مقالة يومية بالكاريكاتير فى الأهرام كل يوم وينتظره القراء ويضحكون لرسوماته الذكية، وهو الذى تولى رئاسة تحرير مجلة «صباح الخير» وهو الذى كتب أوبريت «الليلة الكبيرة» وعشرات الأغنيات الوطنية فى زمن المد الثورى والقومى فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى، وكتب سيناريوهات أفلام، وكتب أغنيات أفلام، وأنتج أفلاما، ودعم فنانين موهوبين منهم سعاد حسنى وأحمد زكى وشريف منير وعلى الحجار، وهو الذى كتب الفوازير للتليفزيون «فوازير نيللى» وكتب الفوازير للإذاعة «آمال فهمى ـ البرنامج العام»، وهو المولود فى «شبرا مصر» فى شارع جميل، وهو الذى تعاون مع «سيد مكاوى» فى «الرباعيات» و»الليلة الكبيرة»، وكانت حياته موهوبة للفن، وكان والده رئيس محكمة المنصورة، باختصار، كان صلاح جاهين واحدا من باعثى الحماس والفرح فى قلوب الناس، ولما رأى أحلامه منهارة وشعر بالخديعة، وشعر أنه مشارك فى خداع الجماهير، أكتأب، ولما عومل بقسوة من جانب وزارة الثقافة التى رفضت عرض إحدى مسرحياته، ومن جانب الأهرام التى رفضت إدارتها نشر كاريكاتير رسمه ليحتفى بولده «بهاء جاهين» الذى كان ديوانه الأول قد صدر بالعامية المصرية، شعر بالأسى وأحس بأنه مهان من جانب «الدولة» التى كرس حياته لخدمتها، ورحل الشاعر والرسام الضاحك حزينا فى أبريل وبقى تراثه الفنى الرمضانى وغير الرمضانى فى وجدان الناس شاهدا على عبقريته الفريدة.

قصر الشوق.. من حسن الإمام إلى يوسف مرزوق

الكاتب الكبير «نجيب محفوظ» كان من هداياه الرمضانية إلى جمهورالتليفزيون فى العام 1987 نسخة تليفزيونية من روايته الرائعة «قصر الشوق» وهى إحدى روايات ثلاثية مشهورة فى مسيرته الروائية «قصر الشوق، بين القصرين، السكرية»، وتحولت إلى ثلاثة أفلام سينمائية أخرجها «حسن الإمام» وحققت نجاحا كبيرا، لدرجة أن ملايين المشاهدين عرفوا نجيب محفوظ بفضل نجاح هذه الأفلام الثلاثة، وخاض المخرج التليفزيونى الرائد «يوسف مرزوق» تجربة إخراج «قصرالشوق» فى صيغة مسلسل تليفزيونى عرض فى شهر رمضان «العام 1987»، وقام بالبطولة محمود مرسى وهدى سلطان وتيسير فهمى وصلاح السعدنى ومعالى زايد وشويكار، ووضع المخرج التليفزيونى الرائد جماهير التليفزيون أمام تجربة مشاهدة جديدة، فالأحداث التى شاهدوها فى فيلم حسن الإمام، سريعة، مكثفة، يشاهدونها مرة ثانية بتمثيل وتشخيص فريق مختلف عن الفريق السينمائى، وكان العمل مغامرة، ولكن كان النجاح من نصيبها، لأن «يوسف مرزوق» صاحب خبرة كبيرة فى إخراج المسلسلات التليفزيونية، وهو من أوائل المخرجين فى مسيرة التليفزيون المصرى التى بدأت فى العام 1960، وفريق العمل كان موفقا فالفنان محمود مرسى له بصمة معروفة، واستطاع رسم شخصية «أحمد عبد الجواد» بطريقة تختلف عن طريقة «يحيى شاهين»، ومعالى زايد قدمت دور «زنوبة» بطريقة بنت البلد الشعبية «هى من مواليد القاهرة ـ حى السيدة زينب»، وكانت موفقة فى تجسيد شخصية العالمة، وهدى سلطان، قامت بدور»أمينة» بأسلوب مختلف عن «أمينة» الأخرى «آمال زايد»ـ والدة معالى زايد ـ فى فيلم حسن الإمام، ومما لا يعرفه الكثير من القراء الأفاضل أن الفنان «حسن عابدين» كان المرشح للقيام بدور «أحمد عبد الجواد» والفنانة «كريمة مختار» كانت المرشحة للقيام بدور «أمينة»، ولكن شاءت الأقدار أن تظهر النسخة التليفزيونية بصورة ليس فيها كريمة مختار أو حسن عابدين بل فيها فريق مختلف حقق نجاحا كبيرا، ويبقى القول إن «ورق محفوظ» هو صانع النجاح فى فيلم حسن الإمام ومسلسل يوسف مرزوق، فهو الذى رسم صور الشخصيات وجعلها حية، وسهل مهمة الممثل، وهذه ظاهرة متكررة فى كل روايات الكاتب الكبير الراحل، كل شخصيات رواياته مطابقة لشخصيات الممثلين الذين قدموها فى السينما أو التليفزيون، لأنها مرسومة بدقة جعلت المخرج يرى الممثل القادر على تجسيد الشخصية، وهذه موهبة لا تتوافر لكثيرين من الروائيين، ويأتى كتاب السيناريوهات ليعدلوا أوضاع الشخصيات المكتوبة فى الروايات ويمنحونها الحياة.

 

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

لي كرونين: The Mummy يعتمد على الرعب النفسي القائم على العلاقات الإنسانية

لم ألتزم بإرث الأفلام السابقة وقدّمت رؤيتي الخاصة في The Mummy وضع اسمي على العمل خطوة مقصودة وليس إختيار شكلي

السينما الإيرانية في مهرجان كان 2026: حكايات متوازية وبروفات على الثورة

 أعلنت إدارة "مهرجان كان السينمائي الدولي" عن اختيار فيلم "حكايات متوازية" Histoires Parallèles للمخرج الإيراني الشهير "أصغر فرهادي" للمشاركة في...

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...