هذه 3 حكايات مدهشة عن 3 مبدعين عمالقة.. فرغم ما حققوه من شهرة ومجد إلا أنهم لم يتاجروا بموهبتهم ولم يستغلوها فى
التكسب واكتناز المال، وكان فى إمكانهم أن يفعلوا بسهولة ويسر، ولكنهم كانوا أصحاب "مزاج"؛ فلم يتاجروا بموهبتهم بل كان هدفهم الإبداع.. الإبداع وحده، فوافق أحدهم على أن يكتب 300 أغنية بلا مقابل، وباع أحدهم سياراته الفارهة حتى لا يتحول إلى شاعر محترف يتكسب من أشعاره، وأنفق ثالثهم كل ثروته ليؤسس أول مدرسة لاكتشاف الموهوبين.. لنقترب من هؤلاء المبدعين "المتصوفين"!
(1)
رامى يهدى الست 300 أغنية مجانًا!
بحسابات الأرقام، فإن أحمد رامى كان ينبغى أن يكون أغنى شاعر فى مصر، فالرجل كان غزير الإنتاج، عظيم الموهبة، كلماته مطلوبة ومرغوبة، واسمه يتصدر قائمة أبرز شعراء الأغنية فى زمنه.. يكفى أنه كان رقم واحد بين شعراء سيدة الغناء، فغنت له أم كلثوم ما يزيد على 300 أغنية، كما غنى له ألمع مطربى ومطربات عصره، من عبد الوهاب إلى أسمهان، ومن فريد الأطرش إلى ليلى مراد، وشارك فى كتابة أغنيات أشهر الأفلام الغنائية والأعمال المسرحية، ووصل أجره إلى 100 جنيه فى الأغنية الواحدة فى سنوات الأربعينيات، وهو مبلغ لو تعلمون عظيم.. لكن بحسابات الواقع والوقائع، فإن أحمد رامى أو "سى رامى" كما كانت تناديه أم كلثوم، عاش على "فيض الكريم"، وكانت أحواله المادية لا تدل أبدا على صيته كشاعر، بل كثيرا ما كان يتعرض لأزمات طاحنة تتعطل معها ملكات الإلهام بداخله، إذ لم يكن يشغله حينها إلا مصاريف البيت!
وفى واحدة من تلك "التفليسات" الصعبة وجد رامى نفسه محبوسا فى البيت، فلم يكن معه حتى ثمن أجرة التاكسى، وعاش أياما صعبة، خاصة بعد أن هرب الشعر من الفقر، وخاصمه الإلهام ولم يجد ما يكتبه، وفى تلك الحالة القاسية دق جرس الباب، وفتح رامى متكاسلا، ووجد أمامه مجموعة من الشبان، استأذنوه فى الدخول، ودخلوا فى صمت وخجل مريب، ولما سألهم عن سبب الزيارة تلعثموا فى الرد وخرجت منهم إجابات أو قل همهمات غير مفهومة، ولما بان عليه الضيق فإنهم تشجعوا وأفصحوا أنهم جاءوا ليقدموا إليه اعتذارهم، وتحول ضيقه إلى دهشة واستغراب، أى اعتذار؟ ولماذا؟ وممن.. إنه يراهم لأول مرة، وأخيرا جاءته الإجابة التى جعلته يكاد يرقص من الفرح!
قالوا له إنهم من هواة الغناء، وأنه قد أعجبهم عدد من أغنياته فسجلوها على أسطوانات وباعوها بدون الحصول على "تنازل" رسمى منه كما تقضى الأصول، ولذلك فإنهم جاءوا ليعتذروا وليتداركوا خطأهم ويدفعوا له مقابلا رمزيا، وأخرج أحدهم مبلغا من المال وقال بأدب بالغ وهو يقدمه له:
- أرجوك يا أستاذ تسامحنا.. المبلغ مش قد المقام..عشرين جنيه عن كل غنوة!
وحاول رامى أن يدارى فرحته ويكتم سعادته لكنه فشل، وقال متهللا:
- أنتم جيتم فى وقتكم.. العشرين جنيه دى تسوى عندى فى اللحظة دى عشرة آلاف.. كتر خيركم!
وعند الباب عندما وقف ليودعهم، قال لهم جادا:
- أنتم تسرقوا أشعارى براحتكم.. بس ياريت تختاروا الوقت المناسب اللى زى ده وتفتكروا المقابل الرمزى!
ولذلك ظل رامى متمسكا طوال عمره بوظيفته الميرى فى دار الكتب، فهى مصدر دخله الوحيد المضمون، أما كتابة الأغانى فرغم ما حققته له من شهرة إلا أنها ظلت مجرد هواية، لا تدر عليه دخلا ولا تضمن له رصيدا، خاصة إذا تعلق الأمر بأم كلثوم، فقد كان مستعدا لأن يدفع ثمن قربه منها.. ولما سئل مرة: كيف تكتب لأم كلثوم 300 أغنية دون أن تتقاضى منها مليما واحدا؟.. كانت إجابته مدهشة كأغانيه:
"إننى أتقاضى أكبر أجر ترضاه عواطفى وحسى وسمعى وبصرى، أتقاضى أجرا معنويا لا يقدر بمال، يكفى أننى أستمع إلى شعرى لأول مرة من فم أم كلثوم فأعيش على عواطفى وإحساسى أياما وليالى.. فهل تحسب هذا أجرا ضئيلا؟!.. لست أنا الذى أقرأ الأغنية، بل أعطيها لأم كلثوم حتى أسمعها منها لأول مرة، فأحسب أننى قلت شيئا.. شيئا خالدا".. عندما يتعلق الأمر بأم كلثوم فلا تسأل رامى عن فلوس ولا أجر، يكفيه أن كلماته تجرى على شفتيها، يكفيه أن تخصص له يوما فى الأسبوع يأنس فيه بوصالها وقربها.. يكفيه أن يكون له كرسى فى الصف الأول، يستمع فيه إلى حفلها الشهرى، فيحلق مع صوتها فى ذلك الملكوت.. كان رامى يحفظ هذا التاريخ أكثر من تاريخ ميلاده: 6 سبتمبر 1924، إنه تاريخ أول حفل يجلس فيه أمامها بالصف الأول، وظل يداوم بعدها ما يزيد على 40 سنة، لم ينقطع فيها عن تلك السهرة المقدسة إلا مرات معدودات.. وللشديد القوى!
كان يكفيه أن يجلس أمامها ليسمع منها كلماته وآهات حبه:
أنت الأمل اللى أحيا بنوره عمره ما يبعد يوم عن عينى/ وأنت الشوق اللى أسمع صوته لما تغيب عنى ينادينى/ وأنت الحب اللى مفيش غيره لو يسعدنى أو يشقينى
ولذلك لو سألتنى: لماذا تركت أم كلثوم شاعرها الأثير فى هذا العذاب ولم ترحم حبه وتقبل عرضه بالزواج؟.. لا تسخر عندما أجيبك: لأنها كانت ستخسر الشعر والفلوس.. فلم يكن رامى غالبا سيكتب هذا الشعر لزوجة لم تعد ملهمة.. ثم أنه وارد فى أول خناقة زوجية سيطالبها بأجر 300 أغنية سابقة.. فلماذا تخسر كل هذا؟.. ليتعذب رامى ويبقى الإلهام!
(2)
مرسى يبيع سياراته ليكتب بمزاج!
لم يكن شاعر الشباب أحمد رامى وحده الغاوى للشعر والفقر.. ففى تلك الغواية ينافسه مرسى جميل عزيز شاعر الألف أغنية، فرغم هذا الكم الغزير من الأعمال التى تجعله فى صدارة شعراء الأغنية إلا أنه لم يحقق ثروة، بل أنفق ثروته على الشعر!
نشأ مرسى فى أسرة ميسورة، فوالده الحاج جميل مرسى كان أشهر تاجر فواكه فى الزقازيق، وعنه ورث مرسى الابن هذه المهنة، وحتى بعد أن ذاع صيته كشاعر رفض أن يغادر الزقازيق وينتقل للقاهرة، وظلت تجارة الفاكهة هى مهنته.. والشعر هوايته.. وكثيرا ما جنت الهواية على المهنة.. فقد كان مرسى يمتلك ثلاث سيارات من أحدث الموديلات، اشتراها من فيض أرباحه فى تجارة المانجو والبطيخ، وعلى هذه السيارات تعلم عبد الحليم حافظ وكمال الطويل "السواقة"، ولكن بعد أن شغلته كتابة الأغانى وأخذته من تجارته فإنه باع سياراته، وأصبح مضطرا لركوب الأتوبيسات والتاكسيات!
ولأن الشعر لم يكن مصدر رزقه الوحيد فإنه كان قادرا على أن يقول لا، فلم يبتذل موهبته، ولم يكتب لمجرد أكل العيش.. ولذلك كان هو الشاعر الوحيد الذى سعت إليه أم كلثوم وطاردته لتغنى كلماته وهرب منها واتهمته بالجنون وطالبته بأن يعرض نفسه على طبيب أمراض عقلية، فعندما ذاع صيته أرسلت فى طلبه وذهب إليها ورحب بطلبها للتعاون معها، لكن لما علم ما فعلته بصديقه الملحن أحمد صدقى وقسوتها عليه، فإنه قرر أن ينتقم لكرامة صديقه، فراح يتهرب من الست ويماطل فى لقائها وتلبية رغبتها، خاصة وأنه كان على قناعة غريبة بأن أى نجاح سيُنسب إليها، ولذلك كان يبحث عن أصوات جديدة يدعمها ويصنع نجاحها ولو كتب لها ببلاش كما فعل مع محرم فؤاد فى بداية مشواره..
كان مرسى جميل عزيز رجلا صاحب مزاج، يكتب الشعر من أجل مزاجه وإشباعا لهوايته، ولذلك أصر على أن يبقى هاويا، يكتب إذا أراد وليس تحت ضغط الحاجة أو رغبة المطربين والمنتجين، وعندما كانوا يستعينون به ليكتب أغانى الأفلام كان يصر على أن يقرأ السيناريو ويختار المشهد الذى يشعر أنه ملائم ويحتمل أغنية.. وكان يعلن بكل وضوح: "أنا عاوز أكتب اللى أنا عاوزه بروح الهاوى، لكن هم عايزينى أكتب اللى هم عايزينه وأن أنقلب إلى محترف.. لا.. أنا ح أرجع لشغلى القديم كتاجر فاكهة وأعيش عليه وأكتب اللى أنا عاوزه.. عجبهم كان بها، ما عجبهمشى يبقى أرضيت هوايتى ومزاجى".. ولأنه صاحب مزاج فقد رفض أن يكتب لعبد الحليم حافظ إلا بعد أن يسمعه ويقتنع بصوته، فأخذ الملحن الشاب صديقه المطرب الصاعد عبد الحليم حافظ من يده وسافرا إلى مرسى فى الزقازيق، وفى جنينة بيته لما سمعه وأدرك أنه أمام موهبة استثنائية، فإنه كتب من وحى اللحظة وفرط الحماس أغنية "مالك ومالى يا أبو قلب خالى"، وكتب له طوال مسيرته نحو 35 أغنية من أشهر ما غنى العندليب، يكفى أن نذكر منها "بحلم بيك" و"أعز الناس" و"ضحك ولعب وجد وحب" و"فى يوم فى شهر فى سنة" و"حبك نار" و"قولوا له الحقيقة" و"قاضى البلاج ".. وكان آخرها "من غير ليه" التى رحل العندليب قبل أن يغنيها فكانت من نصيب ملحنها محمد عبد الوهاب..
ولأنه صاحب مزاج فقد رفض شيكا على بياض قدمته له مطربة شهيرة ليكتب لها أغنية.. كان أول أجر يتقاضاه عن كتابة الأغنية هو جنيه واحد، ووصل أجره فى ذروة تألقه إلى 500 جنيه، ليكون أغلى شاعر غنائى فى مصر، ولكنه رغم ذلك لم يغادر الزقازيق، كان يختنق من زحام القاهرة، فيعود سريعا إلى حديقته، ولما كان أصدقاؤه يضغطون عليه لينتقل إلى القاهرة كان يرد فورا: هو أنا مجنون علشان أخرج من الجنة!
ولأنه صاحب مزاج، فقد باع سياراته الفارهة التى اشتراها من أرباحه فى تجارة الفاكهة، من أجل أن يظل هاويا فى كتابة الأغانى، لا يخضع لضغوط مطرب ولا يتنازل من أجل لقمة العيش!
الموجى يؤسس أول مدرسة للموهوبين من جيبه الخاص!
ساهم الموسيقار محمد الموجى بنصيب وافر فى صناعة مجد عبد الحليم حافظ، فقد آمن بصوته وموهبته ومنحه عصارة ألحانه، وكان لحنه "صافينى مرة" وش السعد على العندليب، فذاع صيته بعدها وعرفه الناس وأحبوه، ورافقه الموجى فى رحلة الصعود المدوية، ولحن له أشهر أغنياته، وكان له الظهر والسند.. لكن الموجى أحس فى لحظة أنه تقدير من طرف واحد، فعندما أصبح حليم هو معشوق الجماهير ونجم الشباك الأول فى السينما وقفز أجره إلى 14 ألف جنيه فى الفيلم الواحد، فإنه لم يبذل أى جهد لتعديل أجر رفيق رحلته، فبقى أجر الموجى ثابتا ومتواضعا عن الألحان التى يقدمها فى أفلام العندليب، ولذلك حصلت جفوة وقرر الموجى أن ينسحب ثأرا لكرامته وعزة نفسه.
وفى سنوات الجفوة هذه قرر الموجى أن يحقق حلمه بافتتاح أول مدرسة لاكتشاف ورعاية الموهوبين من المطربات والمطربين، هى الأسبق بين كل ما تلى من مشروعات وبرامج اكتشاف الموهوبين فى الشرق، فكان الموجى فيها هو الرائد.. وكانت مدرسة الموجى فريدة من نوعها، فقد كان يتولى تدريب المقبولين وتعليمهم وتثقيفهم بأحدث الأساليب العلمية، مستعينا بنخبة من الأساتذة فى كل التخصصات، وكان يدفع مرتباتهم من جيبه الخاص.. وفى سبيل هذا الحلم أنفق كل ما ادخره من التلحين، بل كان يلحن بجد واجتهاد لينفق على مدرسة الموهوبين.. وبعد عام من افتتاح المدرسة اكتشف الموجى أنه أصبح مفلسا بعدما صرف كل مليم فى جيبه، فلجأ إلى الهيئات المسئولة عن الموسيقى فى البلد يطلب دعمها ومساندتها، لكنه لم يجد استجابة، فاضطر إلى إغلاق مدرسة الموهوبين، لكنه لم يتخل عنهم، وقرر أن يقدمهم إلى الساحة الغنائية بألحان كان يقدمها لهم مجانا.. وكان من هؤلاء الذين اكتشفهم فى مدرسته أسماء قدر لها النجاح والشهرة، يكفى أن نذكر منهم محرم فؤاد وماهر العطار وشريفة فاضل ومها صبرى وهانى شاكر..
كان الموجى يشعر أنه ليس مجرد ملحن، يبيع نغماته لمن يدفع، بل صاحب رسالة موسيقية.. وفى سبيلها يمكنه أن يضحى ويصرف آخر مليم فى جيبه!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...