المسرح.. صورة جمالية أم أداة للنضال من أجل الحياة؟

أنشد جرير شعرا، فقال أحدهم: «ويلٌ لى يا بابا»، وكان يقصد السخرية من الشاعر، فقالوا له: «اسكت، ويلك هذا جرير»،

 

فقال: «أى شىء يستطيع أن يفعل بى؟ إن هجانى أخرجتُ أمه فى الحكاية».. وهذا الذى هدد بإخراج أم جرير فى الحكاية واحد من الجماعات التى كانت تحيى الأفراح والأعياد وتُدعى إلى مجالس اللهو فى العصر الأموى، ثم تطورت فى العصر العباسى، وأطلق عليهم السمّاجة أو المضحك أو المحاكى، واعتبر الدارسون أن هذه الفرق تمثل إحدى أهم الظواهر المسرحية فى التراث العربى، حيث كانوا يقدمون حكاياتهم وألعابهم فى مجالس الخلفاء، إذ تطورت من الرقص واللعب إلى الحكى ومحاكاة الواقع وإعادة تمثيله، وكانت هذه الأفعال تتم بأسلوب ارتجالى بحت، يعتمد على مهارة الممثل.

تذكرت هذا الذى سخر من الشاعر جرير وأنا أقرأ كتاب «الغجرى» للمخرج المسرحى مراد منير، مع عنوان فرعى «مذكرات مخرج مسرحى».. وعادة ما كنت أتذكر هذه الجماعات وأنا أشاهد عروض المسرح الشعبى، لكن حضر السماجة والمحاكون وأنا أقرأ هذا الكتاب الذى اعتبرته فرجة شعبية متكاملة الأركان.. فقد شاهدتهم بين السطور يمارسون ألعابهم وبين الصفحات. وتقريباً لم أكن أقرأ، بل كنت أشاهد مجموعة من الألعاب، بل وفى أحيان كثيرة مجموعة من النمر. ورغم أن الكتاب شيق ومثير يجمع بين الخاص والعام المسكوت عنه والرسمى فإننى كنت أتوقف بين الصفحات لكى أمعن فى المشاهدة، أتأمل هذه الحكايات، حين قام مراد منير بإخرج شخصيات هذا الكتاب فى الحكاية، أى قام بمسرحتهم ولا أقصد سخر منهم بل جعلهم أبطال هذه الحكاية.. فالبعض سخر منه، وبشكل عام لم يلتزم أو يتحفظ.. وضع كل شىء كما هو فى بعض الحكايات.. وإذا كان وضع فى هذا الكتاب تاريخا مثيرا لحياته المسرحية فقد قدمها من خلال ثلاثة خطوط درامية: السيرة الذاتية، المبدع المسرحى، التاريخ السياسى لمصر فى تلك المرحلة.. ودون شك الخطوط متداخلة ولا تتخلى عن عناصر الفرجة المسرحية، حيث تحدث المخرج المسرحى عن سنوات الطفولة والصبا وصولا إلى العقد الثانى من القرن الـ21 حيث بدأت السيرة منذ مولده فى 23 مارس 1947 فى مدينة بورسعيد وصولاً إلى عرض زيارة سعيدة الذى قدمه فى الهناجر 2015.

فى كتاب صفحاته وصلت إلى 440 صفحة حكى مراد منير تفاصيل وحكايات.. ودون شك سوف يحسده القارئ على هذه الذاكرة الحديدية بالإضافة لثقافة مراد منير الملحوظة بقوة بين السطور.

ربما تبدو البنية السطحية لصفحات الكتاب أن المخرج يحكى سيرته الذاتية والمسرحية، لكن فى البنية العميقة ليس هناك فقط جانب كبير من تاريخ المسرح المصرى فى تلك الفترة، بل وجزء كبير من التاريخ السياسى بكل تجلياته، بالإضافة إلى التطورات التى شهدتها الحياة الاجتماعية فى مصر فى تلك الحقبة، وذلك من خلال الحكى الذى لم يكن فى حدود السرد بمعناه الأدبى، لكن لجأ مراد منير إلى الحكاية التى تعنى تقليد حركات الآخرين وإعادتها، فى صورة أقرب إلى تقمص الشخصيات، وقد تقمص مراد منير جميع الشخصيات تقريبا، من يحب ومن يكره، الأعداء والأصدقاء، الموتى والأحياء، كان يحكى ويقدم الشخصيات والأحداث، كما كانت الفرق التى احترفت التمثيل والتشخيص فى العصر الأموى والعباسى، وكما كان يفعل لاعبو الأرجواز وخيال الظل والفرق الجوالة التى شاهدها الرحالة فى مصر ومنهم الرحالة إدوارد لين وغيره. ما أقصده أن مراد منير لم يحك التاريخ الخاص والعام فى صورة وقائع وأحداث بل قام بمسرحة هذه الوقائع.

وبعد أن تتراجع الدهشة وتتوارى الحيرة عند قارئ الكتاب ولا أقول تتلاشى، سوف يعرف أن هذا الكتاب يطرح سؤالاً مهما تدور حوله حياة مراد منير ومشروعه المسرحى، بل قل يفسر أو يجيب عن هذا السؤال: لماذا ذهب مراد منير إلى المسرح الشعبى؟ وصمم على هذا الاتجاه وظل مخلصاً لفكرة الجمهور وحقه فى مشاهدة المسرح.. وفى سبيل هذه الفكرة ضحى مراد منير بالكثير. وفى هذا الكتاب نرى مراد اليسارى محترف السياسة، خريج المعتقل، ابن المقاومة فى مدينة بورسعيد الباسلة، الشاب المتمرد ابن الطبقة الوسطى أحيانا والفقيرة أحيانا، وظنى أنها عوامل أدت إلى انحياز هذا الفنان للمسرح الشعبى، وأيضاً إلى عدم انسجامه مع معهد الفنون المسرحية والتوجه إلى الشارع، إلى الجمهور.. غضب وثار ولم يكمل امتحانات القبول وراح يبحث عن المسرح فى الشارع بين الناس، لكنه قرأ وتعلم بطرق عديدة حتى لو لم تكن بينها الدراسة الأكاديمية فى معهد الفنون المسرحية، لكنه تعلم مع ابن بورسعيد سمير العصفورى الذى كان يقدم عروضاً مسرحية فى الكنيسة فى مدينة بورسعيد.. وكان الشاب الصغير مراد منير ضمن هذا الفريق مروراً بآخرين، ووصولاً إلى قراءات متعددة حول فن المسرح، بالإضافة إلى الشعر والرواية والسياسة خاصة الفكر اليسارى. بالإضافة إلى الحراك المسرحى فى مدينة بورسعيد مطلع الستينات الذى كان يضم سمير العصفورى ومحمود ياسين وعباس أحمد وغيرهم.. وظنى أنه لا يمكن قراءة المشروع المسرحى لمراد منير دون التوقف أمام النصوص التى اختارها لتقديمها على خشبة المسرح بدءا من نجيب سرور «منين أجيب ناس» وسعد الله ونوس «الملك هو الملك - مغامرة رأس المملوك جابر - الأيام المخمورة»، وألفريد فرج «على جناح التبريزى وتابعه قفة»، وأيضاً فريدريش دوربمات «زيارة السيدة العجوز» والمجرى شتيفان أوركينى «عائلة توت»، بالإضافة إلى أحمد فؤاد نجم وسيد حجاب وعمار الشريعى والشيخ إمام.. هذه الأسماء لها دلالة قوية بل وتشير بقوة إلى ملامح مشروع مراد منير المسرحى الذى استخدم المسرح الغنائى الاستعراضى الأقرب إلى الذائقة المصرية والعربية كما فعل الرواد الأوائل فى محاولة للاقتراب من الجمهور وتقديم المسرح الشعبى، وهذا لم يكن اختيارا بقدر ما كان نتيجة لحياة مراد منير التى بدأت مع المقاومة الباسلة فى بورسعيد والتهجير ومروراً بأحداث سياسية كبرى عاشها وشارك فيها وصولا إلى المعتقل. فكان من الطبيعى الانحياز للمسرح الشعبى، واللجوء إلى هذه الأسماء التى شكلت مشروعه المسرحى الذى يصف هو جزءاً من ملامحه قائلاً «لحظة الإدراك هذه أدركت ما سأحمله قريبا على كاهلى.. سأنتمى من الآن لمسرح البهجة الحى.. أن أجعل للمسرح متعة وقيمة معا.. ممتعا بألوانه وموسيقاه.. بوجود الممثل الحى أمام جمهور.. حى.. بتكوينات الممثلين التى تقترب من حدود الفن التشكيلى العظيم.. بالتناسق.. بالجمع بين الأساليب فى انسجام.. وبدأت أتساءل.. كيف بى أن أخاطب الوجدان الجمعى للشعب المصرى؟.. عندما بدأت الأسئلة تتراكم وتتفاعل داخلى حدث انقلاب كامل فى حياتى ورؤيتى للمسرح. انفتحت أمام عينىّ آفاق جديدة وهائلة حين تساءلت: هل المسرح مجرد صورة جمالية؟ أم عليه أن يكون أداة فعالة للنضال من أجل الحياة.. من أجل أن يقاتل ضد كل ما هو غير إنسانى؟ هل بالضرورة أن يكون مسرحا مثقفا، فخما غير شعبى؟».

وظنى أن مراد منير مع آخرين وهم أقلية حققوا أحلام الراحل الكبير على الراعى حين تمنى فى كتابه «مسرح الشعب» أن يحدث تواصل بين الكوميديا الشعبية وبين كوميديا المثقفين.. أن يصل بين هذين الضفتين.. وكان يقصد كيف يستفيد المسرح المعاصر من الظواهر الشعبية التى مارسها الأجداد وظلت باقية وصالحة حتى أيامنا هذه، وذلك فى ضوء الدراسات الحديثة للمسرح.. كيف نصل بين هاتين الضفتين؟.. وظنى أن مراد منير ظل طيلة مشواره المسرحى الذى سوف أتناوله بالتفصيل فى الأعداد المقبلة يحاول أن يحقق هذا الحلم ويحقق التواصل بين الحيزين الرئيسيين فى اللعبة المسرحية، حيز الصالة وخشبة المسرح. وللحديث بقية.

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات