المسـرح... معـــركـة مثيـرة مـع الواقـع والتاريـخ!

يسرى الجندى الكاتب والقضية (1)

فى اللقاء الأخير قبل رحيله بشهور قليلة شعرت أن الزمن نال منه، إذ بدا واضحاً على ملامحه آثار المعركة التى امتدت لعقود طويلة مع الزمن،

 فى سبيل قضايا آمن بها وبذل حياته من أجلها وشاهدناها من خلال شخصياته على خشبة المسرح وعلى الشاشة الصغيرة أو من خلاله هو صارخاً ومقاتلاً من أجل قضايا المسرح العربى، كان الكاتب المسرحى يسرى الجندى يقبض على رأس العصا بيده يتوكأ عليها فى خجل وكأنه يفعل شيئاً غريباً لا يليق به، ورغم أن الوجه قد ترهل، ظلت العينان يشع منهما بريق غامض بحجم ما قدمه للحياة الثقافية، سلّمتُ عليه وأشار إلى سلمٍ هبطنا إلى أسفل حيث مكتبه الحافل بروائع التراث العربى، وكتب عديدة حول تاريخ مصر، يتوسطه صورته الشهيرة والتى كان يعتز بها كثيراً مع الزعيم الفلسطينى ياسر  عرفات، وتذكرت المرة الأولى الذى التقينا فيها عام 1994 وتحدثنا ساعات طويلة، تذكرت يسرى الجندى الذى كان وقتذاك فى منتصف العقد الخامس ويتولى منصب مدير عام المسرح فى الثقافة الجماهيرية، تذكرت الكاتب المسرحى والمدافع الشرس عن المسرح المصرى وهويته العربية، الهوية قضية يسرى الجندى الجوهرية فى أعماله المسرحية على مستوى الشكل والمضمون.

على الرغم من ملامح الزمن التى تركت آثارها على جسده الذى بدا واهناً فى فضاء البيت الكبير خارج مدينة القاهرة حيث كنا نتبادل الأسئلة والحكايات، تأملت النوافذ القريبة من الأرض، كانت أشعة الشمس تتسلل ببطء إلى أنحاء الغرفة، وبينما كان هو يتحدث معى عن مشروعه الأخير الذى لم يكتمل، ربما لاحظ دهشتى من آثار الزمن فقرر أن يخرجنى من هذه اللحظة، وبعد دقائق وبينما كنت أتأمل الكتب المتناثرة هنا وهناك ازدحم فضاء البيت بشخصيات عديدة تسللوا من النوافذ مع أشعة الشمس خرجوا من الكتب، من كل أنحاء الغرفة فى ملابس تاريخية هربوا لتوّهم من الزمن، كان عنترة يصرخ فى ملابسه التاريخية: اللعب مع السادة جد خطير، ورابعة إلى جانب أبوزيد الهلالى، مع عبدالله النديم متنكراً فى هروبه الطويل من الاحتلال البريطانى، وعلى الزيبق يصول ويجول وإلى جواره ذات الهمة ومعهم جحا وجمال عبدالناصر وطارق بن زياد وآخرون، ويسرى الجندى يبتسم ويحاول أن يهشهم بعصاه وهم يقفزون يميناً ويساراً فى أرفف الكتب وعلى الطاولات يمرحون وكأنهم أطفال فى نزهة، ولكن فى حديقة التاريخ، وفجأة اختفى الجميع بين الكتب وفوق المقاعد، وتصدّرت المشهد شجرة الدر، وكان هو يتوسط غرفة المكتب ويداعب عصاه ويشرح شخصية هذه السيدة التى سوف تنقذ مصر من خطر التتار والصليبيين، وكانت آخر الشخصيات التى لجأ إليها يسرى الجندى قبل رحيله للدفاع عن القضية التى يحملها على كاهله أينما ذهب، ودائماً ما كان يلجأ إلى الشخصيات التاريخية التى كان لها تأثير على تاريخ مصر، الشخصيات التى كان لها دور كبير فى الواقع العربى، حيث قدم من قبل عبدالله النديم، ويوسف الجندى فى جمهورية زفتى، والطارق عن حياة وبطولات طارق بن زياد، ومسلسل سقوط الخلافة، ومن قبل شخصية على الزيبق التى قدمها على خشبة المسرح ثم من خلال دراما تليفزيونية، وأيضاً مسلسل جمال عبدالناصر وأمثلة عديدة، حيث كان الكاتب المسرحى والسيناريست يسرى الجندى يختار فى كل فترة شخصية تاريخية ويناقش من خلالها قضايا اللحظة الراهنة، شخصية يطرح من خلالها رؤيته للحاضر والمستقبل.

فى ذلك اليوم تحدثنا حول التاريخ والمسرح، والأسئلة التى دارت بيننا على مدى ما يقرب من ربع قرن، والشخصيات التاريخية والقادمة من السير الشعبية تملأ فضاء الغرفة، وأنا أفكر فى هذا الكاتب الذى ظل قابضاً على جمر النص المسرحى وقيمته ودوره، ودور الكلمة فى كل أعماله المسرحية والسينمائية والتليفزيونية حتى رحيله، الكاتب الذى ظل داعماً ومنحازاً بقوة للقومية العربية سواء اختلف معه البعض أو اتفق، على الرغم من أن هذا الجيل الذى تلا جيل الستينات تفرقت به السبل، إذ تخلى أغلبه عن القضايا الكبرى فى الواقع واتجه إلى النقد الاجتماعى والكوميديا التى تخلو من أسئلة اللحظة الراهنة، ففى تلك اللحظة التى بدأ فيها يسرى الجندى الكتابة والتى واكبها خروج قطار المسرح المصرى وانحرافه عن قضاياه، صمم هو على إكمال المسيرة، ولا يمكن تجاهل ما تعرض له المسرح فى بداية حقبة السبعينات من مصادرات ومناوشات بين المؤسسة الرسمية والمسرحيين، بالإضافة إلى تأثير نكسة 1967 وتأثيرها على رحلته المسرحية.

ينتمى يسرى الجندى مواليد دمياط «5 فبراير 1942 -9 مارس 2022» إلى جيل السبعينات فى المسرح المصرى، مع لينين الرملى وبهيج إسماعيل، ورأفت الدويرى وأبوالعلا السلامونى، فقد بدأ الكتابة فى منتصف الستينات بمسرحية «اليهودى التائه»، وقد عبّرت عن أسلوبه وموقفه من الواقع، فهو ينتمى إلى آخر جيل ظل متمسكاً ومؤمناً بقيمة النص وقضايا الواقع، واضعاً فى الخلفية ما يجد من أحداث سياسية، فهو ابن لحظة فارقة / مفصلية فى تاريخ مصر والأمة العربية، اللحظة التى هوت فيها مطرقة 1967 على رأس المجتمع العربى، فسقطت أفكار وانتهت أحلام، وكانت نهاية مرحلة وبداية أخرى، وظنى أن تأثير النكسة على يسرى الجندى كان الأقوى بين أبناء جيله لإيمانه العميق بالقومية العربية، وانحيازه للحقبة الناصرية، وهو ما سوف يتجلى واضحاً فى أعماله على مدى ما يقرب من نصف قرن.

كان أول عروضه المسرحية «بغل البلدية» ثم حكاية «جحا مع الواد قلة» وكلاهما بالعامية وأيضاً تمصير لمسرحيتين للكاتب الألمانى برتولد بريخت، ولكن أولى المسرحيات التى كتبها ما بين عامى 1968، و1969 كان النص الذى جاء بمثابة شهادة ميلاد للفتى القادم من ميناء دمياط وهو «ما حدث لليهودى التائه مع المسيح المنتظر» المسرحية التى كتبها يسرى الجندى فى مطلع شبابه كردة فعل عنيفة على هزيمة 67 حين اغتال الفتى الفلسطينى «سرحان بشارة» المصور الأمريكى «روبرت كيندي» وهى المسرحية التى أثارت جدلاً كبيراً ولم يتم عرضها على خشبة المسرح إلا بعد سنوات، بعد أن حملّها كاتبها بالعديد من الرموز والدلالات والإشارات الدينية من التوراة والإنجيل وحفلت بعشرات الشخصيات التاريخية من «تيودر هيرتزل» إلى «مناحم بيجن» ومن «نبوخذ نصر» إلى «هتلر» بالإضافة إلى شخصيات من عهد الانتداب الفرنسى والبريطانى، فقد حاول أن يقول كل شىء فى هذه المسرحية، التى مر على كتابتها الآن ما يقرب من نصف قرن ً، ففى هذا النص وضع العديد من الاتجاهات المسرحية التى تخدم رؤيته للقضية الفلسطينية، واستعان أيضاً بمجموعة كبيرة من الأساليب الفنية التى سوف يستخدمها فى أعماله الأخرى فيما بعد، ومنها الدرامى والملحمى والواقعى والرمزى، والوثائقى، والمسرح الشعبى، بالإضافة إلى الأفكار الثورية والشخصيات التاريخية وجاءت المسرحية فى قسمين يحتوى كل منهما على عشرة مشاهد توحى عناوينها برؤية المؤلف؛ ففى الجزء الأول يضع هذه العناوين «مدخل رومانسى مبالغ فيه، صلاة ساذجة للشيطان غير الساذج، فاصل من حادث قتل ووقائع أخرى، بداية صاخبة لحلم الفتى، هبوط اليهودى التائه، فاصل قصير عن الفتى، من يقوم بدور الأبله، الفلسفة الإسحاقية، المسيح يهبط» وفى ختام القسم الأول وفى هذا الجزء تتجسد قضية سرحان؛ الطفل الذى شاهد المسيح عند بوابة دمشق فى القدس، وفى القسم الثانى يبدأ بسفر الطاعون وينتهى أيضاً بالطاعون، وما بينهما تعاليم المخلص وصندوق الحكايات.. لقد حاول يسرى الجندى فى نص «اليهودى التائه» وضع كل ما يخص القضية الفلسطينية وتاريخ اليهود وأفعالهم عبر التاريخ وكأنه يبعث برسالة إلى العالم وانطلق الكاتب من فكرة المسيح المنتظر وبدأ النص برؤية الطفل سرحان للمسيح وراح يشكو له ما يحدث وبعد اللوحة الأولى التى تطرح شخصية «سرحان» طفلاً وشاباً، ندخل إلى القضية من خلال مجموعة المهرجين الذين يعلنون بدء اللعبة والمحاكمة ويأتى اليهودى التائه وتبدأ المحاكمة، وهى محاكمة للمغتصب عبر التاريخ! ولم يكن الفتى القادم من دمياط محظوظاً، فقد صودر «اليهودى التائه» ليلة العرض عام 1972 فى مسرح الحكيم من إخراج د محمد صديق وبطولة كرم مطاوع وعايدة عبدالعزيزة، وحكى لى المؤلف فيما بعد عن لجنة المشاهدة أو قُل المصادرة التى تكونت من د.رشاد رشدى رئيساً وعضوية عبدالمنعم الصاوى وآخرين، وتم عرض المسرحية كبروفة جنرال ولم يتم اعتمادها كعرض مسرحى للجمهور، وكتب البعض فى ذلك الوقت أنه تم إيقاف المسرحية لصالح مسرحية «حبيبتى شامينا» وهى من تأليف رئيس لجنة المشاهدة والتى تدعو للسلام مع إسرائيل، ودون شك ثمة تعارض بين مسرحية تدعو للسلام مع إسرائيل وأخرى تدين الحركة الصهيونية وتحاكمها عبر تاريخها وتحذر من المسيح الأمريكى! وفيما بعد تم عرضها من إخراج عباس أحمد ضمن عروض الثقافة الجماهيرية فى بورسعيد، وحين أعيد عرضها فى مسرح الهناجر عام 2007 من إخراج حسن الوزير، أيضاً أثارت جدلاً كبيراً أيضاً، وتبادل فريق العرض والمسئولين التهم حول أسباب توقف العرض!

«وللحديث بقية»

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...