إحسان عبد القدوس.. الروائى والصحافى الذى أزعج الــمجتمع والناس!

فى شهر يناير من العام "1919" وضعته أمه "روز اليوسف" وانضم للأحياء، وفى "يناير 1990" ودع الدنيا وأصبح فى عداد الموتى،

وبين التاريخين قضى حياة صاخبة، استثنائية، فهو ابن "فنانة" و"فنان مهندس" وجده "شيخ أزهرى"، وأمه عاشت طفولة بائسة فى "لبنان" وجذورها "تركية"، وعاشت فى كنف أسرة مسيحية، ونزلت فى ميناء الإسكندرية، وعطف عليها ممثل فقير، وكبرت ولمعت على خشبة المسرح، واقتحمت عالم الصحافة بمجلة حملت اسمها "روز اليوسف"، وهى التى غرست فى "إحسان محمد عبد القدوس" قيمة الحرية، وبفضل كفاحها أصبح الصحفى المصرى الذى ولد رئيسا لتحريرالصحيفة التى يكتب فيها، ورئيسا لمجلس إدارتها، ووالده "مهندس الطرق الممثل" محمد عبد القدوس، لم يبخل عليه بشىء، فأرتوى ـ إحسان ـ وأصبح قلمه جريئا قويا، فكتب الروايات الجريئة الكاشفة لأخلاق الطبقة العليا والطبقة المتوسطة، واحتلت "قضايا المرأة" مكانة كبيرة فى أعماله الروائية والقصصية، فى الوقت الذى كان فيه الكاتب يخشى مواجهة الأعراف السائدة، وهذه الجرأة فى تناول القضايا، جعلته محل تقدير الشباب والمثقفين المتمردين، ومحل نقمة المحافظين والتقليديين، وكان الصحفى القوى الذى ارتبط بمجموعة "الضباط الأحرار" فى "حرب فلسطين ـ 1948" فكتب سلسلة مقالات كاشفة للفساد الذى أدى إلى هزيمة الجيوش العربية فى المعركة، ولما انتصر "الضباط الأحرار" وحكموا مصر، ووقعت أزمة الديمقراطية فى "مارس ـ 1954" كتب مقالا بعنوان "الجمعية السرية التى تحكم مصر"، وقبض عليه وأودع السجن الحربى، وعذب وأهين ولكنه خرج متماسكا، وواصل طريقه الصحفى، وتولى مواقع كبرى فى عدة مؤسسات صحفية، ولم يتوقف عن كتابة الروايات والقصص المهمومة بقضايا الواقع المصرى وفى القلب منها "قضية المرأة"، وبلغ عدد رواياته التى تحولت إلى أفلام سينمائية، رقما لم يبلغه كاتب غيره، ومن رواياته خمس روايات قدمت على خشبة المسرح، وعشر روايات قدمت فى صور مسلسلات تليفزيونية، وترجمت رواياته إلى اللغات الحية "الفرنسية والإنجليزية والصينية والألمانية"، ومن أشهر الروايات التى حققت جماهيرية واسعة على شاشة السينما "فى بيتنا رجل" و"شىء فى صدرى" و"أنف وثلاث عيون" وغيرها الكثير، وكان رحمه الله كاتبا سياسيا من الطراز الرفيع، فكانت زاويته "على مقهى فى الشارع السياسى" بمجلة "أكتوبر" زاوية مقروءة محبوبة، ومقالاته على صفحات "أخبار اليوم" و"روز اليوسف" كانت من أسباب ارتفاع توزيع الصحيفتين، وكانت مواقفه ليبرالية منحازة للوطن والحرية والعدل الاجتماعى، ومازال ـ إحسان عبد القدوس ـ حيا فى وجدان من أحبوا رواياته وتعلموا من مقالاته وقصصه ومواقفه السياسية رحمه الله.

دمى ودموعى وابتسامتى.. قصة امرأة قتلها رجال حقراء

فى فيلم "دمى ودموعى وابتسامتى" قدمت الفنانة "نجلاء فتحى" شخصية "ناهد"، وهى من أهم الشخصيات التى قدمتها السينما المصرية فى القرن الماضى، شخصية امرأة تتحول إلى "وحش كاسر" بسبب أربعة "رجال" ليس لهم من الرجولة غير "الذكورة"، الرجل الأول الذى نهش أنوثتها وجعلها "سلعة" هو الرجل الذى كان من المفترض أن يحميها من كل الرجال ويقدم لها "النموذج" الذى تسعى إليه، إنه والدها، المقاول، الضعيف الشخصية، فرض عليها الزواج "بتوكيل" موثق فى الشهر العقارى، من مقاول آخر، وتبين أنه توكيل عجيب لا يصح مثله فى دنيا الناس، فالمقاول الغنى يحمل توكيلات من أحد المستخدمين عنده "ابن شقيقه" ويستخدمها فى تحقيق أهدافه، منها توكيل الزواج الذى تزوج به هذه المسكينة التى لبست فستان الزفاف وركبت الطائرة سعيدة، وهناك فى "بيروت" فوجئت بأنها "سلعة" اشتراها المقاول الغنى، بموافقة أبيها المقاول الضعيف الشخصية، ومباركة أخيها الشاب الجامعى، وتحريض أمها الجشعة النهمة للمال، ورفضت العروسة هذا الزواج، وقاومت، وهنا دخل على الخط "صياد ماهر"، ذكرآخر، يسمونه "الرجل الشهم"، ويقدم عرض الإنقاذ، ويخلصها بموجب صفقة من المقاول، ويتزوجها، ويستخدمها فى تحقيق طموحاته، يقدمها بعد زواجه منها للسيد "رئيس مجلس الإدارة"، المتصابى، ويدعوها لتصحبه فى الجناح الخاص به فى الفندق، مقابل ترقيته وجعله مديرا لفرع الشركة فى المغرب، صفقة فى منتهى القذارة والتدنى والانحطاط، وتكتشف الزوجة "ناهد" أنها تحولت إلى امرأة ساقطة، تبيع جسدها، لمن يمنحها المال، وتكتشف أن الرجال الأربعة "الأب والأخ والزوج الأول والزوج الثانى" نهشوا روحها وجعلوها سلعة، وسلما للصعود الاجتماعى، فتقرر أن تعمل لنفسها، وتنام فى فراش من يمنحها الآلاف، وكان لها "حبيب فقير" ضاع فى الزحام، لم يستطع الزواج منها، ولم يستطع الدفاع عنها، لأنه يعول أيتاما، ويدرس فى الجامعة ولا يملك "الشقة" ولا "السيارة" ولا تكاليف الزواج المعروفة، ويضيع الحبيب، وتبقى "ناهد" وحيدة بين أربعة ذكور، أربعة ذئاب بشرية، كل واحد منهم استخدمها لتحقيق طموحه الأنانى، وسقطت "ناهد" فى بحر الرذيلة وخسرت نفسها وأنوثتها وكرامتها وباعت كل شىء، وامتلكت المال، المال الذى باعت به روحها وجسدها لمن يملكون المال من أشباه الرجال!

ليلة غرام.. ملحمة سينمائية تنصف المحبين وتنتصر لحقوق اللقطاء

المخرج الرائد الراحل "احمد بدرخان" كان لديه حس إنسانى وموقف وطنى، جعله ينتج فيلما عن حياة الزعيم الوطنى "مصطفى كامل" وبالفعل أصبح هذا الفيلم وثيقة سياسية تاريخية ترصد الفترة الواقعة بين هزيمة الثورة العرابية وتفجر ثورة 1919، وفى فترة لاحقة قام بكتابة وإخراج فيلم "ليلة غرام" ليتمكن من طرح قضية خطيرة شغلت المجتمع المصرى، قضية الإنجاب خارج مؤسسة الأسرة، وكانت ظاهرة لها أسباب كثيرة منها، الطبقية الظالمة التى تحول بين زواج الغنى من الفتاة الفقيرة، والحرمان الذى يجعل الفتاة الفقيرة تفرط فى عرضها وجسدها، والانفلات الأخلاقى لدى أبناء كبار ملاك الأراضى، الأمر الذى جعلهم ينتهكون أعراض بنات "الفلاحين" الأجراء فى العزب التى يمتلكها آباؤهم، والنتيجة كانت زيادة عدد الأطفال اللقطاء، وزيادة عدد "الملاجئ الخيرية" وظهورأزمة نفسية لدى هؤلاء اللقطاء مصدرها عدم اعتراف المجتمع بأنهم ضحايا وليسوا مجرمين، فالفتاة التى تسمى "زينب بنت عبد الله" والفتى الذى يسمى "حسين بن عبد الله" هو ضحية والده ووالدته ومجتمعه، وفيلم "ليلة غرام" طرح قضية اللقطاء من خلال قصة طفلة عثرعليها فلاح كان عائدا من المسجد بعد أن صلى الفجر، وحمل الطفلة إلى ملجأ قريب، وهناك نشأت، وصارت أنثى جميلة، واختارها طبيب لتعمل عنده "ممرضة" فى المستشفى الذى يملكه، وهناك تخوض الفتاة الجميلة معارك فرضتها عليها ظروف المهنة وظروف العمل، فهى جميلة، ومتميزة فى عملها، وحولها عدد من "الممرضات" زميلاتها الكارهات نجاحها وجمالها، ونتيجة لمؤامرة دنيئة من زميلة لها يقرر الطبيب فصلها وإبعادها عن المستشفى، وتتوالى الأحداث، وتعمل ـ اللقيطة ـ فى مستشفى آخر، وتعثر على أمها، وتقرر الانتحار، وينقذها الأطباء، ويرق قلب والد حبيبها الطبيب ويقبل زواج ولده منها بوساطة من "السيد الأمير" وهو رجل دين ومصلح اجتماعى يمتلك مجلة أسبوعية تقدم الأفكار النبيلة الهادفة لرقى المجتمع، ويتقدم "السيد الأمير" ويجعل من نفسه محرضا لوالد الطبيب الشاب الغنى ليوافق على إتمام زواج ولده من "الممرضة اللقيطة" وبذلك يكون الفيلم طرح فكرة إنسانية مؤداها أن اللقيطة ليست مسئولة، بل هى ضحية لوالدين منحرفين، وأنه لا يصح للمجتمع أن يعاقب الضحية ويعفى المجرم من العقوبة.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م