«صفصافة نائمة.. امرأة عمياء» إبداع خـرج مظلومًا من «القاهرة السينمائى»

مأخوذ عن عدة قصص للياباني هاروكي موراكامي

لم ينل فيلم "صفصافة عمياء امرأة نائمة" ما يستحقه من تقدير من مهرجان القاهرة، فالمخرج كسر كل تقاليد صناعة الأفلام، وقدم فكرة فلسفية بأسلوب بسيط أقل ما يُقال عنه إنه إبداع.

الفيلم يقدم العبث اللطيف المختبئ في خيال هاروكي موراكامي، عبث يدعو للتفكير والتأمل، يقدمه المخرج الفرنسي بيير فولديس بأسلوب جديد، يمزج مجموعة قصص للكاتب الياباني، متحديًا المشاهد فى أن يخرج من الفيلم حاملًا حيرة في تفسير ما تنتهي إليه حياتنا.

استنادًا إلى مجموعة القصص القصيرة للمؤلف الياباني هاروكي موراكامي، التي تحمل نفس العنوان، قدم السيناريست ومخرج الرسوم المتحركة بيير فولديس أول فيلم روائي طويل له، استوحى أحداثه من قصص موراكامي الأصلية التي جرت أحداثها في طوكيو عام 2011، بعنوان "الصفصافة العمياء، المرأة النائمة" ليقدم لنا رائعة تخترق عقول المشاهدين، وتعبث بها، فيخرج الجمهور من الفيلم يفكر في عبثية الأقدار، وغرائب الطبيعة التي لا ينفع معها أي معادلات علمية، أو تصورات منطقية؛ نقطة انطلاق الفيلم بعد أيام من وقوع زلزال تسبب في تسونامي دمر المدينة، وترك أثرًا في بعضهم، فكما تغير الطبيعة عاداتها، وتعيد ترتيب عناصرها الجغرافية، وتثور على منطقيتها، كذلك البشر في لحظة ما يثور ويتقلب ويترك كل ما هو طبيعي ومسالم، ويذهب للبحث عن حياة أخرى بها صخب وإثارة وأحلام وطموحات، في نوع من الصراع الوجودي، حيث ستسبب لهم قوى الطبيعة، الممثلة في ذلك الزلزال، انقسامًا عاطفيًا أو حيويًا؛ الانقسام الذي سيكون بمثابة نقطة انطلاق للقصة، حيث رتابة الحياة اليومية، والأساطير المستوحاة من الثقافة الشعبية، وحكايات الأجداد عن الحيوانات كأبطال مؤثرين في حياة البشر.

تدور أحداث الفيلم في طوكيو بعد الزلزال، تبدأ برجل يفقد زوجته التي تغيرت بمشاهدة نتائج الكارثة على الشاشة، تستيقظ وتنام في نفس المكان، حتى تقرر الرحيل بلا سبب واضح، سوى أنها لا تجد في زوجها الحياة الكافية لها، فهي تراه كالهواء، تترك له رسالة تطلب منه أن يعتني بقطتها التي بحثت عنها لكي تأخذها معها، ولكنها لم تجدها. لم تكن القطة مجرد حيوان أليف، بل لها دور محورى في الفيلم، وتظل تُذكر في كل مراحل تطور شخصية الزوج والزوجة، وهي أيضا رمز لغرائبية الطبيعة التي تجعل من مخلوقات أخرى محور اهتمامنا، بل قد تكون مؤثرًا في تغيير شخصياتنا تمامًا، كما يعتقد موراكامي بدور الحيوانات في حياة البشر، ويؤكد ذلك وجودها في الأساطير.

القطة ليست الحيوان الوحيد في الفيلم، فالرجل البائس الذي في منتصف العمر، وليس له روابط مع أى شخص، يعيش وحيدًا في عمله ومنزله، لا يعترض، مطيع، مخلص لعمله، ومع ذلك دائمًا يؤنب نفسه لإحساسه بالتقصير، والضعف، وأنه أقل من زملائه، يكتشف يومًا في حجرة معيشته ضفدعًا عملاقًا، يخبره أن هناك وحشًا يعيش تحت المدينة على وشك القضاء عليها، ولا يوجد سبيل لقتله، وإنقاذ طوكيو من أذى الوحش سوى بتعاونهما معًا.

يؤكد الفيلم فكرة لا منطقية الحياة، منذ اللقطة الأولى، فنرى الزوج "كومورا" يتحدث إلى زوجته "كيوكو" التي تشاهد التليفزيون دون حراك، لا تنطق، لا تأكل، لا تشرب، لا تنام، وكأنها قد قطعت صلتها بالحياة، كأنها لا ترى ولا تسمع، يتركها ويذهب إلى العمل، ورغم حبه لها لا يقدم على علاجها، أو محاولة تغيير روتين حياته للبحث عن سبب تسمرها، وتحولها إلى شبه صنم، عندما يعود الزوج من العمل يجد رسالة تركتها له زوجته تخبره بأنه سيجد أفضل منها؛ لأنه محبوب، ولكنها ترى أن العيش معه مثل العيش مع هواء، أو سحابة، وتطلب منه ألا يبحث عنها، وأن يعتني بقطتها التي اختفت، وفشلت الزوجة في العثور عليها فتركتها.

يطلب الزوج إجازة من المدير الذى يخبره أن البنك سيختار مجموعة موظفين للاستغناء عنهم، ورغم هذا يصر الزوج على الإجازة غير مكترث بتهديدات المدير، وأن هذه الإجازة قد تودي بمستقبله في البنك. يذهب الزوج في رحلة تخبط بحثًا عن زوجته وقطتها دون جدوى، وأثناء الرحلة يتوقف عند محطات وأشخاص، وكأنها رحلة لاكتشاف نفسه، فمن خلال إجاباته عن أسئلتهم يرى حياته بشكل مختلف، ويكتشف جوانب في شخصيته، لم يكن يدركها أثناء حياته الروتينية مع زوجته.

تنطلق كيوكو تاركة منزل الزوجية  في رحلة اكتشاف ذاتها، تقابل هي الأخرى رجلًا يسألها عن ماضيها، مما يدفعها إلى التفكير، في الوقت الذي عرض رجل غامض عليها منحها أمنية واحدة في عيد ميلادها العشرين، لم يفش الفيلم ما أمنيتها، ولكنها كانت أمنية متواضعة أفقدتها الشغف بالحياة، عاشت حياة عادية، هادئة، فيها وسائل الراحة والأمان، ولكنها لم تكن سعيدة، فتمردت على زوجها، وخرجت تبحث عن ذاتها، فعاشت في غضون ذلك رحلة أخرى للبحث عن الذات، والشعف بالاكتشاف، والدعوة للتمرد.

تأكيدًا لفكرة الإيمان بقوى الطبيعة المتقلبة، والتي قد تأتي بما يفوق توقعاتنا، نجد القصة الموازية لقصة الزوجين، يعود المحاسب القلق السيد كاتاجيري (مارسيلو أرويو) من العمل، ليكتشف ضفدعًا بحجم الإنسان جالسًا على مائدة العشاء، يطلب المساعدة  في محاربة وحش عملاق، وإنقاذ طوكيو من زلزال آخر أكثر تدميرًا، يحاول كاتاجيري التهرب من الضفدع، لأنه لا يرى في نفسه ذلك البطل القادر على إحداث أى تغيير، في مشهد محير لا يمكن أن نحدد إذا كان كاتاجيري يحلم أو يتخيل أو هي طريقة هروبه من إحساسه بالضعف، وقبل أن نتأكد نجد مديره في العمل يثني عليه، ويمنحه ترقية لإنقاذه الشركة من إفلاس كان حتميًا، بإخلاصه في عمله.

 ينسج فولديس هذه القصص في حكاية واقعية بصورة بسيطة، خالية من التفاصيل، صوره سحرية لطيفة، يمكن أن يحدث فيها أي شيء، ساعدت المشاهد في التغلغل داخل أفكار الأبطال والاندماج معهم، والبحث عن تفسير لمفاجآت الحياة، واستيعاب النتائج.

 يعود المخرج إلى الماضي، عندما كانت الزوجة تعمل في أحد الفنادق، وتضطرها الظروف إلى مقابلة رجل غريب الأطوار، يقدم لها فرصة أن تتمنى أمنية واحدة مهما كانت، وسيحققها لها، وتمنت أمنيتها التي ظلت مجهولة حتى نهاية الفيلم، كان ذلك عندما كانت مخطوبة، ثم تزوجت ومات زوجها، وتزوجت صديقه الذي كان يحبها، ولكنها لم تشعر بالحياة معه، فقررت أن تتمرد على روتين الحياة، وتغادر بحثًا عن حياة جديدة في مكان آخر بحثًا عن حب يؤثر فيها، وتشعر به.

 إنه الفراغ العاطفي والوحدة، رغم مثالية الحياة؛ فالزوجة تعيش مع زوجها المحب، الناجح في عمله، في منزل يبدو مثاليا، والموظف مخلص في عمله، وملتزم بروتينه اليومي بدقة، والزوج يبدو سجين روتين الساعات التي يقضيها في عمله، وفي منزله، حتى زوجته التي كانت تعاني من أزمة نفسية، وهو على علم ويقين بذلك، لم يقدم لها أى مساعدة إلى أن فوجئ بهجرها له.

 نقل المخرج الفراغ العاطفي لبعض الأفراد في عالم معاصر يضطهدهم بالفعل، كما هو الحال في الحياة وترك المشاهدين مشوشين ذهنيًا بين: هل يمكن أن يحدث هذا في الحياة؟! وهل يمكن أن نتمنى أمنية وحيدة، وتصبح نقمة علينا؟! ما الذى يقتلنا أكثر التزامنا بروتين الحياة أم التمرد عليها؟!

 تُغلق القصص بطريقة غامضة وغير حاسمة، وهذه الترجمة للغة موراكامي وفلسفته التي أكدها المخرج باستخدام تقنيات الرسوم المتحركة، نوع معين من الروتوسكوبينج؛ إحدى تقنيات المؤثرات البصرية المستوحاة من عالم الرسوم المتحركة والأنيميشن، وتعتمد على تجميع العناصر واللقطات المتحركة معًا، لتكوين مشهد معين باستخدام ممثلين حقيقيين، وتحويل حركاتهم إلى رسوم متحركة، وزيادة في أهمية الاستماع إلى الحوار أكثر من الصورة، جعل المخرج كل مشاهده بألوان محايدة بسيطة، ورسوم ثنائية الأبعاد، فكانت تشبه الحلم في ملامح الصورة البسيطة المبعثرة، مدينة خيالية، سكانها مجرد أطياف من الألوان الأساسية معظمها بدون وجه.

المجموعة القصصية "صفصاف عمياء، امرأة نائمة" تتكون من 24 قصة بأسلوب موراكامي المعروف بالغموض، في أجواء كئيبة قاتمة، تُظهر هذه القصص قدرته على سرد خبرات الإنسان، تجربة بأسلوب مدهش ومسلٍ، متنقلًا من السريالية إلى العادية بسهولة، مستخدمًا الحيوانات الأسطورية أو الأحلام أو الأمنيات.

مزج المخرج قصص موروكامي معًا، وقدمها معًا متناغمة، يركز فيها على الحوار، وكأنه انعكاس للصراع الداخلي للبشر، فكانت الحوارات طويلة، والجمل متكررة، للتأكيد على المشكلة، فالزوج أينما يذهب يكرر أن زوجته تركته لأنه هواء، لا غبار عليه، ولكنها لا تراه مناسبًا، والموظف يرى أنه ضعيف مسالم، ولا يقوى على فعل أي شىء، ولا يصدق أنه قادر على إنقاذ طوكيو، والزوجة الحزينة لا تفصح عن الأمنية التي تمنتها، وكانت سببًا في حياتها الكئيبة.

ورغم تعدد القصص التي استوحى منها المخرج السيناريو، لم يعان الفيلم من الهشاشة أو التفكك في قصته، بل انسجمت كل الأجزاء معًا، لتصنع مزيجًا، ربما أسعد المشاهد الذى ربط الأحداث معًا في المشاهد الأخيرة، عندما عاد الزوج إلى عمله، ونال الموظف ترقية غير متوقعة، وظهرت القطة الضائعة.

رغم بساطة القصص، ومحدودية الأحداث، فإنه يتيح لنا فرصة الاندماج مع الأشخاص الذين يمرون بتغيرات عميقة، ونأمل أن يخرجوا منها بسلام.

 	 أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...

أفلام الأضحى.. موسم سينمائى ملىء بالنجوم

كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز

هانى شاكر..حكاية كل عاشق (ملف خاص)

رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...

فارس السينما الأكبر (5) مظهر يغامر ويفتح بيته لاجتماعات الضباط الأحرار

عندما قال عبد الناصر: اجمع رجالتك يا أحمد.. خلاص هنعملها! سافر مظهر للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فقامت ثورة يوليو...