عيلة الدوغرى.. ذكريات عن مسلسل من الزمـــن الجميل

فى العام ـ 1980ـ أذاع التليفزيون المصرى مسلسل "عيلة الدوغرى"، فانجذب إليه أهل قريتى "كوم العرب" فى الصعيد، وكانوا حديثى عهد بالتليفزيون، كان "الراديو" هو البطل

فى العام ـ 1980ـ أذاع التليفزيون المصرى مسلسل "عيلة الدوغرى"، فانجذب إليه أهل قريتى "كوم العرب" فى الصعيد، وكانوا حديثى عهد بالتليفزيون، كان "الراديو" هو البطل المهيمن فى كل "دكان" وفى كل بيت، ولكن سفر رجال القرية إلى بلدان البترول "ليبيا، السعودية، العراق، الإمارات، الكويت"، أدخل أجهزة التليفزيون للقرية، ولم تكن "الكهرباء" قد دخلت البيوت، فكانت "البطاريات" ـ التى تعمل بها السيارات هى البديل المتاح، كان كل أب أو ابن شاب عليه أن يضع "البطارية" فى مقطف، ويحملها على ظهر "الحمارة" ويذهب إلى الرجل الذى يملك جهاز شحن البطاريات فى موعد يسبق الساعة السابعة مساء، موعد إذاعة المسلسل "عيلة الدوغرى" الذى ارتبطت الأمهات والجدات بشخصياته وحكاياته، كان الناس ينتظرون "عم على الطواف" الفران العجوز الذى يعمل فى فرن "محمد الدوغرى"، ويرقبون العلاقة بينه وبين المعلم "محمد الدوغرى" الذى كان يتعامل معه بمحبة، ويعتبره رجلا طيبا فيه بقايا من رائحة والده ـ الدوغرى الكبيرـ بينما الابن المتطلع اجتماعيا وطبقيا "مصطفى الدوغرى" كان يعامله بازدراء رغم شيخوخته، وكان الناس فى بلدنا ينتظرون "عيشة" البنت الجميلة العاشقة "معالى زايد" و"كريمة" الزوجة الطيبة "مديحة حمدى"، والفنانين الكبار "عماد حمدى وعبد الحفيظ التطاوى وشفيق نور الدين"، والفنان القدير "يوسف شعبان"، ترزى السيدات الذى "شال الحمل" من بعد رحيل أبيه "محمد الدوغرى"، وكانت تفاصيل مسلسل "عيلة الدوغرى" تحتل الساعات النهارية، فالسيدات يجلسن ويسترجعن الأحداث والمواقف، وتبدو عليهن علامات الفرح والغضب والرفض والقبول، وكأن الشخصيات الواردة فى الحلقات حقيقية، وهذا راجع إلى مهارة "محسن زايد" السيناريست الذى كتب الحلقات "عن مسرحية الكاتب نعمان عاشور"، فوضع فيها خبراته الكثيرة والكبيرة، فهو صاحب عدة سيناريوهات قدمتها السينما المصرية، منها "السقا مات" عن رواية الكاتب يوسف السباعى، و"قهوة المواردى" عن رواية "محمد جلال"، وكان رحمه الله خبيرا بالحياة المصرية فى الأحياء القاهرية الشعبية العريقة، فقد ولد وتربى فى حى "السيدة زينب"، ويعرف لغة الخطاب وتفاصيل الحياة التى يعيشها الناس فى هذه الأحياء، وكان من أسباب انجذاب الناس فى قريتى وكل القرى والمدن لحلقات "عيلة الدوغرى" الموضوعات التى تناولتها، مثل "الصراع بين الإخوة" عقب رحيل الوالدين، خاصة عند تقسيم "الميراث"، والتطلع الاجتماعى من جانب بعض الإخوة ورغبتهم فى تحقيق أحلام الغنى والثراء على حساب بقية الإخوة، والعلاقات المتوترة بين الأزواج والزوجات بسبب الفوارق العمرية والثقافية، وكل هذه الموضوعات تناولها "محسن زايد" وقدمها من خلال تفاصيل حياة "عيلة الدوغرى"، المنتمية للطبقة المتوسطة فى ستينيات القرن الماضى، وهى حقبة لم يكن الثراء الفاحش قد عرفه المجتمع المصرى، ومازال مسلسل "عيلة الدوغرى" الذى أخرجه "يوسف مرزوق" شاهدا على الزمن الجميل، الزمن الذى كانت فيه الدراما المصورة "تليفزيون وسينما" وثيقة الصلة بالأدب والمسرح.

دراما الصعيد.. خطة الخروج من المأزق الـــــــراهن

سألتنى إذاعة "البرنامج الثقافى هذا السؤال: هل تعبر دراما الصعيد عن واقع مجتمع الصعيد؟

وأجبت: بالتأكيد "لا"، لأن هذه دراما "صفاء عامر" ـ رحمه الله ـ يعاد إنتاجها على طريقة "من دقنه وافتل له"، وفى اعتقادى أن "عامر" لم يقدم سوى حياة "قبيلة هوارة" التى ينتمى إليها فى زمن العشرينيات من القرن الماضى، وهو لم يعش ذلك الزمان، بل سمع حكايات عنه من آبائه وأجداده، ولهذا تكررت الحكاية واختلفت الأسماء "حدائق الشيطان، الضوء الشارد، ذئاب الجبل"، لكن هناك"دراما" أخرى، قدمت الصعيد غير الهوارى، مثل مسلسل "الليل وآخره" الذى كتبه "محمد جلال عبدالقوى" وقام ببطولته "يحيى الفخرانى"، ومسلسل "ورد النيل" الذى كتبه "سعد القليعى" عن رواية "النمل الأبيض" للروائى الراحل "عبد الوهاب الأسوانى"، وهذان المسلسلان يقدمان حيوات الناس فى المناطق المسكونة بالقبائل العربية التى تختلف عن "هوارة"، وطلب منى الزميل الإذاعى "اقتراح خطة للخروج من المأزق الراهن"، فقلت إن الاهتمام  باللهجات الصعيدية يجب أن يحتل مساحة ضمن المناهج التى تدرس فى معهد الفنون المسرحية والورش التى يعدها الفنانون المتخصصون فى إعداد الممثلين، فالصعيد له لهجات عديدة، لهجات البلاد الواقعة ضمن "وادى النيل"، وهناك لهجتان للبدو "العربان" الذين يعيشون فى "الفيوم والمنيا وبنى سويف وأسيوط" والذين يعيشون فى "قنا" و"أسوان" و"البحرالأحمر"، ويجب أن تتم دراسة الأزياء المستخدمة فى كل مناطق الصعيد "الأوسط والأعلى"، وبعد هذا كله يجب أن تعود "دراما الصعيد" إلى الأدب المعبر عن هذا الإقليم "هناك روايات عبد الوهاب الأسوانى وقصص يحيى الطاهر عبد الله، ومحمد مستجاب وغيرهم رحمهم الله جميعا"، وهذه الروايات تعبر عن الحياة فى الصعيد، ولو تم تحويل هذه القصص والروايات إلى مسلسلات تليفزيونية سوف تكون صادقة فى التعبير عن الصعيد بأطيافه الاجتماعية والثقافية المتعددة، وأتمنى الاستعانة بأعضاء الفرق المسرحية الموجودة فى قصور الثقافة، وهم ممثلون تعلموا قسطا معقولا من قواعد التمثيل، ويمكنهم منح المسلسلات مصداقية، ولو تعذر ذلك فمن الممكن قيام شركات الإنتاج بعقد ورش لإعداد الممثلين من أبناء الصعيد الموهوبين، وهؤلاء سيكون بإمكانهم التعبير بصدق عن بلادهم وأهلهم وثقافتهم، وفى اعتقادى أن هذه الخطة المقترحة تضمن للدراما ـ الصعيدية المزيفةـ الخروج من الزيف الراهن إلى الصدق المأمول الذى يجعلها مرغوبة لدى الجماهيرالمصرية والعربية التى تربت على "المسلسل المصرى" الذى كان من علامات القنوات التليفزيونية العربية حتى وقت قريب، وهذه الخطة المقترحة تضمن "تسويق" هذه المسلسلات تسويقا جيدا، وتفتح أمام الدراما المصرية أسواقا جديدة .

أحمد الجزيرى..

كردى الأصل مصرى الروح

كان الفنان "أحمد الجزيرى" رحمه الله متميزا ومتفوقا ومقنعا وهو يقدم شخصية "غفير العوامة" فى فيلم " ثرثرة فوق النيل"، كان يرتدى الجلباب البلدى، ويخدم "البهوات"، ويقوم بكل الأفعال التى يعرف أنها محرمة، لكنه كان يستغفر الله ويعتبر نفسه "مجاهدا" فى الحياة، يعمل من أجل "كسب لقمة العيش"، فكان يستقبل فتيات الليل، ويستقبل تجارالمخدرات بتكليف من صاحب العوامة "أحمد رمزى"، ويطلب من الله الغفران، وكان ـ الجزيرى ـ فنانا عبقريا وهو يقدم شخصية "غنى الحرب" الذى كان "سباك" وكون ثروة فى زمن الحرب العالمية الثانية، فقررأن يعوض نفسه عن سنوات الحرمان، ويستقبل "سيدة" بائعة الهوى فى شقته، وينفق عليها بسخاء، واستطاع أن يقول بأدائه المتقن كل شىء عن تاريخ هذا السباك الذى اغتنى بفضل الحرب، وفى فيلم "أنا لا أكذب ولكنى أتجمل"، قدم شخصية "التربى" والد الدكتور الجامعى "أحمد زكى"، وفى مسلسل "الشهد والدموع" قدم شخصية "الحلوانى" العجوز الذى يعمل من أجل تربية أحفاده من ابنته "عفاف شعيب"، وفى كل هذه الشخصيات هناك "خيط" يربطها ببعضها البعض، هو "خيط الموهبة" والإلمام بتفاصيل الحياة فى المجتمع المصرى، ولكن المدهش هو أن "أحمد الجزيرى" كردى الأصل، ومازال بعض أهله يعيش فى مناطق الأكراد فى شمال العراق، وجاء إلى مصر فى سن الطفولة، فتمصر وتشرب الثقافة الشعبية المصرية، وعمل فى بداية حياته موظفا فى وزارة المالية، ثم استقال من الوظيفة والتحق بمعهد التمثيل، وتخرج فيه "1949"، وظهرت قدراته الفنية على خشبة المسرح، ثم قدم عدة أدوار فى السينما والتليفزيون "أشهر شخصياته والد عفاف شعيب فى الشهد والدموع، وزوج ابنة محمد الدوغرى فى مسلسل عيلة الدوغرى"، ورغم قلة عدد الأدوار التى قدمها إلا أنها أدوار مهمة باقية فى أذهان من شاهدوها وتمتعوا بأداء "الجزيرى" لها رحمه الله.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...

أفلام الأضحى.. موسم سينمائى ملىء بالنجوم

كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز

هانى شاكر..حكاية كل عاشق (ملف خاص)

رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...

فارس السينما الأكبر (5) مظهر يغامر ويفتح بيته لاجتماعات الضباط الأحرار

عندما قال عبد الناصر: اجمع رجالتك يا أحمد.. خلاص هنعملها! سافر مظهر للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فقامت ثورة يوليو...