فى مسلسل الفتوة.. فتوة القرن الـ18يكسب 2020

رغم أنه ليس مسلسله الأول فأنا أعتبر أن مسلسل الفتوة يشهد ميلاد مخرج جديد وكبير اسمه حسين المنباوى، والذى قدم عملاً رائعاً رغم أن قصة الفتوة ليست جديدة على المشاهد

رغم أنه ليس مسلسله الأول فأنا أعتبر أن مسلسل الفتوة يشهد ميلاد مخرج جديد وكبير اسمه حسين المنباوى، والذى قدم عملاً رائعاً رغم أن قصة الفتوة ليست جديدة على المشاهد المصرى، واستطاع بفريق عمل المسلسل كاملاً دون استثناء فنيين وفنانين تقديم عمل مشرف على كل المستويات.

بعض الأعمال الدرامية ربما لا يجذبك مقدمتها أو التتر والذى تصاحبه موسيقى معبرة عن العمل الدرامى ومفترض أن يلخص التتر والموسيقى المصاحبة له فى خمس دقائق على الأكثر العمل المعنى بتقديمه وأن يكون عنواناً له. وقد اشتهرت تترات مسلسلات عديدة لأنها نفذت بشكل صحيح وعلى أساس علمى بالإضافة طبعاً لموهبة أصحابها. والناس فى الغالب تتذكر فقط وتهتم بالموسيقى لأنها هى التى تخطف الأذن والعين لسماعها، وبالتأكيد لن يتذكر أحد من المشاهدين مصمم التتر (كصورة) فقط أولاد الكار- بينهم وبين بعض.

ودليل نجاح التتر، أنك عند سماعه تقول فوراً هذا مسلسل.. كذا.. ومن أمثلة ذلك مسلسل الشهد والدموع، وليالى الحلمية، ورحلة أبوالعلا البشرى، وأم كلثوم، ورأفت الهجان، وهناك أمثلة كثيرة، ورغم أهمية التتر كما أوضحنا، تجد أن سياسة بعض القنوات تجعلها تضطر لحذف مقدمة المسلسل لصالح الإعلانات، بعد أن طغى الإعلان على الإعلام وما تقدمه القنوات من دراما داخل خريطتها، وصل بنا الأمر أن المسلسل ومدة عرضه تتراوح مابين 30-45 دقيقة، قد تزيد مدة عرضه للضعف بسبب الإعلانات، أقول هذا لأن المقدمة الموسيقية أو لنقل التسمية الصحيحة (تتر المسلسل) أصبحت جزءًا أساسياً لأى عمل درامى.

فى مسلسل الفتوة صنع شادى مؤنس موسيقى ملحمية مواكبة للدراما المقدمة وتمهيداً مهماً للمشاهد كى يستعد لمتابعة العمل، واستطاع التنويع والتنقل بين آلاته الموسيقية الحادة والشجية بسهولة ويسر مع متابعة الصورة المصاحبة. وصنع بموسيقاه علامة مميزة لمسلسل الفتوة.

وفى داخل المسلسل استخدم شادى إيقاعاً بطيئاً يناسب جو الحارة فى ذلك الوقت خاصة فى الصباح، وهذا خلاف مشاهد الأكشن والتى وضع لها موسيقى تناسبها.

 البداية

المشهد الأول على الحارة ليلاً ومطر غزير ورجال عزمى الفتوة يدقون على أحد الأبواب طلبا للإتاوة ويستهجن صاحب البيت الموقف فيهددونه بإبلاغ عزمى فينصاع الرجل ويدخل ليأتى بالنقود ويأخذها عواد وينصرف، وقبل أن يغادر الحارة هو ورجاله يسمعون صوت صهيل أحد الخيول، ثم يشاهدون فرساً يسير دون راكب، ثم يهبط عليهم رجل ملثم ويشبعهم ضرباً. ويمتطى جواده ويمضى.

وهنا يقدم لنا المسلسل الانطباع الأول عن الفتوة الحقيقى الذى يدافع عن الناس الغلابة ضد قهر وظلم الفتوة الغاصب والمزيف.

المشهد التالى يتصدره هذا التاريخ 1850 أى قبل 170 سنة، فى نفس الحارة صباحا داخل مصر القديمة بكل تفاصيلها الدقيقة وما زالت آثار المطر تصنع مستنقعات صغيرة على الأرض الصخرية، وأشعة الشمس تفرش أشعتها مخترقة كل شىء، ثم المشهد فى منزل حسن الجبالى (ياسر جلال) وصوت أمه - حورية - (إنعام سالوسة) وهى تسأل السيدة التى تخبز لهم العيش أن تذهب لإيقاظ حسن، فتقول لها إنه قام منذ الصباح الباكر ومعه - نورا - ابنته (ليلى أحمد زاهر) ونرى المشهد التالى على حسن وابنته وهو يعلمها التحطيب.

ثم يغادران المكان حتى تستطيع اللحاق بموعد -الكتاب - لتتعلم القراءة والكتابة، ثم يقدم المسلسل بطلة العمل - ليل - (مى عمر) وهى تتحدث مع وداد الدلالة والتى تبيع لها فستاناً وتحاول إقناعها أنه كان مخصصاً لإحدى الأميرات، وتطلب منها أن ترى لها البخت، وفى المشهد التالى نتعرف على عزمى (أحمد صلاح حسنى) والذى قرر معاقبة رجاله لتهاونهم أمام الملثم، ثم حديثه مع أمه - حريصة - (عايدة رياض) بأنه يقوم بابتزاز الناس فى الحارة ويأخذ الفلوس عنوة منهم دون علم أبيه الفتوة الكبير - صابر أبوشديد - (أحمد خليل)، ثم يظهر حسن قادماً من عمق الحارة يسلم هنا ويطمئن هناك ويتحدث مع التجار عن (نقطة) فرح صبيه -حنوءة- ويصل إلى سمعه حديث الرجال عن الملثم الذى أعاد للناس الغلابة فلوسهم.

وتحدث مواجهة بين حسن الجبالى وفرج الفتوة (ضياء عبدالخالق) عندما أستغاث به الحلاق ويقول حسن لفرج: فى شرع الفتوات النبوت يحامى على المظلوم والغلبان، لكن فى شرعكم أنتم بيحامى للظالم والمفترى، أه مش أنا الفتوة لكن وقت أبويا أحمد الجبالى كان النبوت والقوة خدامين الحق، وإحنا اللى ييجى على حقنا نوقفه عند حده.

وهكذا تقدم لنا الحلقة الأولى قصة مسلسل الفتوة، والتى تم تناولها كثيراً فى السينما وكان المنبع الأساسى رواية الحرافيش لنجيب محفوظ والتى نشرت 1977 وقدمت السينما المصرية حكاياتها العشر طوال عقد الثمانينات من القرن الماضى.

وسبق هذا فيلم فتوات الحسينية عام 1954 وهو عن قصة وسيناريو لنجيب محفوظ ونيازى مصطفى وكتب له الحوار السيد بدير والإخراج لنيازى مصطفى.

وفى تراثنا الشعبى القريب جداً لحياتنا المعاصرة ظل الفنان الراحل فريد شوقى هو النموذج الأمثل الواضح للفتوة أو البطل الشعبى. والذى بمجرد ظهوره على الشاشة تضج القاعة بالتصفيق خاصة جمهور الترسو (من أمثالنا) قبل خمسين عاماً من الآن.


والقضية الأزلية التى تتناولها الحكاية هى مشكلة كل عصر وأوان: تحقيق العدل والمساواة بين الناس، والمؤلف هانى سرحان قدم رؤية جديدة لفتوة الناس الغلابة فى معالجة تصلح كمسلسل 30 حلقة، حيث يدور الصراع الأساسى بين أبناء الفتوات حسن الجبالى ابن الفتوة السابق - أحمد الجبالى - الذى غدر به أصحابه وقتلوه من أجل السلطة لـ(صابر أبوشديد) والذى أصبح فتوة مقابل أن يصمت عن قاتل أحمد الجبالى، والمال (الكنز) لـ(سيد اللبان) والذى أدى دوره بمهارة شديدة الفنان الكبير رياض الخولى، وهو قاتل أحمد الجبالى، وابن الفتوة الحالى عزمى صابر أبوشديد (أحمد صلاح حسنى).

ونحن نتابع منذ البداية مدى الظلم الواقع على الناس من ابن الفتوة والذى يفرض إتاوة مضاعفة على الناس دون علم أبيه مما جعل الناس تتذمر وترفض هذا الظلم، ولم يقف حسن الجبالى صامتاً إزاء هذا الوضع، ولكنه أمام بطش السلطة الواضح أخذ يتحين الفرصة لإزاحة أو تغيير هذا الوضع، وحتى يحدث ذلك تخفى وراح يقاوم رجالة عزمى بقدر استطاعته ويقوم بإعادة الفلوس لأصحابها.

ويزداد غضب عزمى على حسن الجبالى لشعوره أنه أفضل منه على كل المستويات وعدم اقتناع رجالة الفتوة به وخاصة فرج - كبير المشاديد - ويصارح الفتوة صابر ابنه بهذه الحقيقة وينصحه بأهمية أن يحظى الفتوة بحب الناس وليس الخوف منه، ويصدمه بقوله إن كل ما يقوله ينطبق على حسن الجبالى ولهذا هو أصلح من يكون الفتوة من بعده، ويثور عزمى على أبوه ويرفض هذا الكلام.

 جماليات السيناريو ورؤية مخرج

تتصاعد الأحداث ويسعى سيد اللبان لقتل حسن ولكن يفتديه صابر أبوشديد فى محاولة منه للتكفير عن تخليه عن نصرة والد حسن وخيانته لصداقته، وتتم المواجهة بين عزمى وفرج على من يكون الفتوة وينتصر فرج، وفى ذروة فرحته أنه أصبح الفتوة، يظهر حسن الجبالى ليقابل فرج على المنصب وينتصر عليه ويصبح هو الفتوة.

والحقيقة نجح هانى سرحان فى رسم سيناريو بديع حافظ على العلاقة المتشابكة بين خطوط الصراع داخل الحارة وتشعباتها، وهناك مشهد رائع فى الحلقة العشرين بعد تولى حسن أمر الفتونة ونرى نساء الحارة وهن متشحات بالسواد بعد مقتل الفتوة، وبعدها- أم ليل - والناس فى الحارة فى حالة ترقب للقادم، وتقطع الكاميرا على حسن داخل محله ينظر لضوء الشمس القادم إليه عبر فتحات الشباك الأرابيسك، ثم يقوم حسن ويخرج للحارة ليتفقد أحوال الناس، ثم الكاميرا على فرج وهو يتحسس نبوته، فى إشارة إلى أن المعركة مستمرة.

أيضاً يحاول الكاتب والمخرج الأخذ فى الاعتبار إضفاء نوع من التشويق للحدث القادم والاحتفاظ بخصوصية البطل حتى النهاية، ونرى ذلك فى المشهد الذى تم فيه ضرب حسن وظن الجميع أنه قتل، ولكن نعرف بعد ذلك أنه تم إنقاذه ويبدأ فى أعداد العدة للعودة للحارة من جديد من أجل عودة الحق للناس وإحقاق الحق المفقود.

 الديكور البطل

لم يبخل الإنتاج فى هذا العمل وسعى لتوفير كل العناصر التى ستساعد فى إثراء الصورة فى المسلسل، وقام بإنشاء حارة كاملة بكل مشتملاتها مما أضفى مصداقية على الأحداث. وقد شاهدنا تفاصيل هذه الحارة «الحلاق والبائعين والبائعات والعربجية» وكل واحد من هؤلاء لديه تفاصيل فى ملابسه وأدواته وحركته، أيضاً ديكور حارة كسر الفتوات، وكل هذه العناصر تسير فى سلاسة مدهشة، وهناك مجهود خرافى قام به مهندسى الديكور حسن البلبيسى وهانى شامى وأحمد المليجى ورامى جمال والإكسسوار لعباس صابر،

 الإضاءة والتصوير

ولأننا نتكلم عن أحداث من 170 عاماً كانت الإضاءة المستخدمة هى المصابيح التى تستخدم الزيت فى الإضاءة ونجح مديرا التصوير والإضاءة فى خلق صورة رائعة وأحسنا استخدام الظل والضوء الطبيعى والصناعى فى تنوع محسوب بدقة شديدة وفقاً لطبيعة كل مشهد.

 حسين المنباوى

هو كأغلب جيله قادم من السينما ولكنهم جاءوا بفكر جديد أضاف كثيراً على جمال الصورة فى الدراما التليفزيونية، ولكن طبعاً أسهم الإنتاج فى ذلك دون شك. وعمل حسين كمساعد فى فيلم - ليلة البيبى دول - ثم كان أول أفلامه - شد أجزاء - وفيلم - ليلة هنا وسرور - وفى الدراما مسلسل عد تنازلى، وحلاوة الدنيا، ثم تقابل مع ياسر جلال والمؤلف هانى سرحان العام الماضى فى مسلسل لمس أكتاف.

وهو مخرج متمكن لأنه اهتم بالتفاصيل الصغيرة والدقيقة والتى قد لا تلفت نظر المشاهد العادى ولكنه مهنى لا يترك شيئاً وحريص على إضفاء مصداقية للعمل.

أيضاً إدارته للمعارك والمبارزة والمواجهات التى كانت سمة هذه النوعية من الدراما كل ذلك نجح فيه المخرج وكان على أفضل ما يكون.

 الملابس والمونتاج والجرافيك

نجحت منة فتح الباب كمصممة الملابس فى تصوير العصر الذى دارت فيه أحداث المسلسل وكانت هناك سيمترية فى العمل رغم اختلاف الشخصيات وتنوعها،

وحافظ المونتاج على إيقاع المسلسل وتتابع المشاهد والحفاظ على السرد بحيث لا يشعر المشاهد بالملل وكان استخدام الجرافيك لياسر النجار متوازناً ودون أن يشعر المشاهد بأن المشاهد غير طبيعية.

 النجوم

فى هذا العمل شاهدت نجوماً وكأننى أشاهدهم للمرة الأولى فقد أبدعوا فى أدوارهم لعدة أسباب.. هناك حوار مكتوب بحرفية شديدة ومخرج يدير الحركة ويأخذ أفضل أداء من الممثل وكلهم أبطال ونجوم، ل أحمد خليل، رياض الخولى، ياسر جلال، أحمد صلاح حسنى، نجلاء بدر والتى قامت بدور (جميلة)، وكانت جميلة فعلاً، والعظيمة إنعام سالوسة (حورية) وضياء عبدالخالق (فرج) ومها نصار (زينب) ومحمود حافظ (فضل) وعهدى صادق (مسعد)، مجدى فكرى، فريدة سيف النصر، عايدة رياض، أحلام الجريتلى، هنادى مهنى (سكر) وأحمد خالد صالح (مبروك) ومى عمر (ليل) وليلى زاهر (نورا) ومحمود ياسين (عبده).


 	محمد أبو شادى

محمد أبو شادى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...

أفلام الأضحى.. موسم سينمائى ملىء بالنجوم

كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز

هانى شاكر..حكاية كل عاشق (ملف خاص)

رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...

فارس السينما الأكبر (5) مظهر يغامر ويفتح بيته لاجتماعات الضباط الأحرار

عندما قال عبد الناصر: اجمع رجالتك يا أحمد.. خلاص هنعملها! سافر مظهر للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فقامت ثورة يوليو...