الشيخ محمد رفعت صاحب الصوت الدافئ الذى يحمل ملامح شهر رمضان حصرياً!

صوت الشيخ «محمد رفعت» رحمه الله، هو الصوت الوحيد الذى يعنى لدى السامع أن رمضان قد أهل على البلاد، وهذه منحة ربانية، تضاف إليها منحة أخرى تتمثل فى قراءته القرآن الكريم

صوت الشيخ «محمد رفعت» رحمه الله، هو الصوت الوحيد الذى يعنى لدى السامع أن رمضان قد أهل على البلاد، وهذه منحة ربانية، تضاف إليها منحة أخرى تتمثل فى قراءته القرآن الكريم بصوت معبر يفيض بالسكينة والراحة

ومن حسن حظ الشيخ أن منَّ الله عليه ـ وعلينا بالراحل «زكريا باشا مهران» عضو مجلس الشيوخ المصرى قبل ثورة يوليو وأحد أعيان «القوصية» فى «أسيوط» الذى سجل لنا تلاوات الشيخ ولولاها ما سمعنا غير التسجيلات الثلاثة التى سجلتها الإذاعة المصرية، لكن «الباشا» سجل للشيخ ما يزيد على ستين ساعة، استطاعت الإذاعة المصرية أن تنقذ ثلاثين منها، وما زالت بقية التسجيلات فى انتظار من يعالجها ويجعلها صالحة للإذاعة ولكن ماهى قصة هذا الشيخ الفنان القارئ للقرآن بروح المبدع المتصوف؟

اسمه «محمد رفعت» بن «محمود رفعت» بن «محمد رفعت» والأسماء الثلاثة مركبة، من مواليد «درب الأغوات» فى حى «المغربلين» الشعبى القاهرى فى 6 مايو 1882 وفقد بصره وهو فى الثانية من عمره، ودفعت به عائلته إلى «الكتاب» وهو كتاب يسمى «كتاب بشتاك» وملحق بمسجد «فاضل باشا» فى «درب الجماميز» بحى السيدة زينب، وكان معلمه الأول هو الشيخ «محمد حميدة»، وأتم حفظ القرآن على يد الشيخ «عبد الفتاح هنيدى» ونال منه الإجازة، وبعد ذلك توفى والد الشيخ «رفعت» وكان يعمل فى وظيفة «مأمور قسم الجمالية» ووجد الشيخ الصغير السن نفسه مسئولاً عن أسرة مكونة من أم وخالة وأخت وأخ، وكان عليه أن يتكسب بالقرآن ليستطيع الإنفاق على أسرته، وكانت لدى والده الذى رحل النية لإرساله ليدرس فى الأزهر الشريف، لكن القدر اختار له طريقاً غير التى تمناها والده، فأصبح يتلو القرآن واشتهر فى الأحياء المحيطة، ثم اختير ليكون القارئ المعتمد فى مسجد «فاضل باشا» وظل يقرأ القرآن فيه طوال حياته، وفاء منه للمسجد الذى تعلم فيه وحفظ كتاب الله، وكان «النحاس باشا» و«الملك فاروق» يذهبان للصلاة فى مسجد «فاضل باشا» كى يسمعا القرآن الكريم بصوت الشيخ رفعت، وهو أول قارئ للقرآن فى ميكروفون «الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية» فى 31 مايو 1934 وكان الشيخ قد استفتى الشيخ «الظواهرى» حول جواز قراءة القرآن عبر «الميكروفون» وأجاز له الظواهرى ذلك فقرأ سورة «الفتح» عبر ميكروفون الإذاعة، واستمع المسئولون فى إذاعة بريطانيا العربية لصوته فأعجبهم وقرروا التعاقد معه ليسجل القرآن كاملاً بصوته، لكنه رفض خشية الوقوع فى دائرة التحريم، أما أسلوبه فى التلاوة - رحمه الله - فهو رقيق خاشع، يستطيع أن يجعل السامع يشعر بالبهجة والحزن ويستطيع الانتقال من «قراءة ورش» إلى «قراءة حفص» وغيرهما بسهولة وجمال لا يخرج السامع عن حالة التدبر فى معانى كلام الله عز وجل، وكان رحمه الله محافظاً على صوته فكان يتحاشى نزلات البرد، ولا يأكل الأطعمة الحريفة ولا يتناول وجبة العشاء، ورغم هذا الحرص شاء الله أن يموت الشيخ بمرض «سرطان الحنجرة» وقبلها كان يعانى من حالة مرضية «الفهاق أو الزغطة» جعلته يقضى عدة سنوات غير قادر على تلاوة القرآن!

ومن تلاميذ الشيخ «محمد رفعت» الشيخ «أبو العينين شعيشع» وهو الذى قدمه للجمهور وفيما بعد استفادت الإذاعة من تشابه صوتى الشيخين وجعلت الشيخ «أبو العينين» يكمل بصوته بعض الآيات المفقودة أثناء ترميم بعض تسجيلات الشيخ «رفعت»، وكان من تلاميذه الشيخ الفلسطينى «محمد رشاد الشريف» قارئ القرآن بالمسجد الأقصى، وكان من عادات الشيخ ـ رفعت ـ أن يقرأ القرآن الكريم فى مسجد فاضل باشا فى شهور الشتاء وفى الصيف ينتقل إلى «الإسكندرية» ليقرأ فى مسجد «المرسى أبو العباس»، وكان الشيخ متصوفاً وسعيداً بحياته راضياً بما قسم الله له حتى فى فترة المرض الذى منعه من التلاوة وألزمه بيته، رحم الله الشيخ النقى القلب صاحب الصوت المميز الذى احتوى ملامح شهر رمضان وصار علامة عليه.

الشيخ «على محمود» المعلم الأول الذى تربى على يديه «أسطوات» الغناء والتلحين فى القرن العشرين

كل الكبار فى عالم الغناء والموسيقى فى القرن العشرين تعلموا على يد الشيخ على محمود، ومن أشهر هؤلاء «الأسطوات» الكبار، الشيخ زكريا أحمد، عبدالوهاب، أم كلثوم، الشيخ محمد رفعت، أسمهان، وكان له الفضل فى الحفاظ على التراث الموسيقى الذى تلقى قواعده وتعلم أصوله من «الشيخ عبدالرحيم المسلوب».

والشيخ «على» من مواليد العام 1878 فى حارة «درب حجازى» بكفر الزغارى، التابع لقسم الجمالية بالقاهرة، وكانت أسرته على جانب كبير من الثراء، وتعرض لحادث فى طفولته أفقده البصر، فألحقه أهله بالكتاب فحفظ القرآن الكريم ودرس العلوم الشرعية، وكان معلمه الأول الشيخ «أبو هاشم الشبراوى» فى كتاب مسجد «أم الغلام» بحى الجمالية، ثم تعلم «القراءات» على يد الشيخ «مبروك حسنين» ودرس الفقه على يد الشيخ «إبراهيم المغربى»، وعرف التلحين وحفظ الموشحات على يد «الشيخ المسلوب» والشيخ «عثمان الموصلى» وهو تركى علمه أصول الموسيقى التركية التى كانت لها الهيمنة على الذوق المصرى آنذاك، وكان الشيخ «على محمود» يمتلك موهبة كبرى، فكان يقرأ القرآن فى مسجد الإمام الحسين، ويؤذن لصلاة الجمعة بمقامات موسيقية مختلفة لا يكرر المقام أبداً غير بعد فترة طويلة؛ من قوة موهبته وسعة معرفته بالمقامات والنغمات، وكان من تلاميذه الشيخ محمد رفعت واستمع إليه فى العام 1918 وتنبأ له بمستقبل مبهر، ومن تلاميذه الشيخ «طه الفشنى» المبتهل وقارئ القرآن الذى بدأ مشواره مع الإنشاد فى «بطانة» الشيخ الكبير، وكان «زكريا أحمد» الملحن المعروف واحداً من أفراد «بطانة» المعلم الأول، واستطاع أن يصبح واحداً من كبار الملحنين فى القرن العشرين، ويعرف المتخصصون فى فنون الموسيقى والغناء فى مصر قدر الرجل الشيخ «على محمود» الذى نقل التراث الموسيقى لكل رموزنا الموسيقية وساهم فى الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية بما قدم وبما علم.

النقشبندى.. المبتهل الذى تعلم قواعد الإنشاد فى الموالد وحلقات الذكر فى الصعيد والدلتا

شهر رمضان المعظم له روح خاص، ورائحة حلوة معطرة بالنفحات الإيمانية، ومن أشهر الأصوات القادرة على منح المسلم شعور السعادة والسكينة، صوت المبتهل المنشد القارئ للقرآن، الشيخ «سيد النقشبندى» وكانت الأقدار رحيمة بالمصريين لما دبرت اللقاء بين الشيخ المبتهل، والإذاعى القدير «أحمد فراج» فى رحاب مسجد الإمام الحسين فى العام 1966، ومن هذا اللقاء تشكلت مسيرة «النقشبندى»، وفى حياة الرجل رحمة الله عليه تفاصيل مهمة ومدهشة، فهو من سلالة رجل جاء من «أذربيجان» ليدرس فى الأزهر الشريف، فأعجبه المقام فى مصر، فأقام فى قرية «دميرة» بمحافظة «الدقهلية»، وفى حارة «الشقيقة» ولد «سيد محمد النقشبندى» فى 7 يناير 1920، ثم قرر والده الاتجاه جنوباً، واختار الإقامة فى مدينة «طهطا» فى محافظة سوهاج، وهناك بدأت مسيرة «سيد» مع كتاب الله، فحفظ القرآن على يد الشيخ «أحمد خليل» قبل أن يكمل عامه الثامن، وكان «النقشبندى» دائم المشاركة فى حلقات الذكر التى تعقد فى مساجد أولياء الله الصالحين فى بلاد الصعيد، ودائم السفر لحضور موالد الصالحين فى كل المدن والقرى فى الدلتا والصعيد، ومن هذه المشاركات والأسفار، تعلم فن الإنشاد الدينى والابتهال وذاع صيته فسافر إلى سوريا بدعوة من الرئيس الراحل «حافظ الأسد» وأحيا الليالى فى حماه ودمشق وحلب، وسافر إلى إيران واليمن والأردن ودول الخليج العربى وأدى فريضة الحج خمس مرات، وعقب التحاقه بالإذاعة والتليفزيون المصرى قدم مشاركات بصوته العذب فى عدة برامج دينية، ولحن له كبار الملحنين «محمود الشريف» و«أحمد صدقى» و«سيد مكاوى» و«حلمى أمين»، واتفق خبراء الأصوات على أن صوت «النقشبندى» من أعذب الأصوات التى قدمت الابتهال والدعاء الدينى، فصوته مكون من ثمانى طبقات، وكان يقول «الجواب» و«جواب الجواب»، وكان تعاونه الفنى مع الملحن الراحل «بليغ حمدى» هو الأهم فى مسيرته رحمهما الله، فقدما ستة ابتهالات مشهورة منها «مولاى إنى ببابك قد بسطت يدى»، وقصة هذا التعاون الفنى رواها الإذاعى «وجدى الحكيم» وملخصها أن الرئيس الراحل أنور السادات هو من طلب أن يكون هناك تعاون بين «النقشبندى» و«بليغ حمدى»، وكان «النقشبندى» يخشى أن يقدم له «بليغ» ألحاناً راقصة ولم يكن يدرك أبعاد موهبة «بليغ حمدى» ولما استمع للألحان وعرف قدرات الملحن الكبير اطمأنت روحه وقدما الابتهالات التى ما زالت قادرة على تحدى الزمن والبقاء فى وجدان الناس.

وكان رحيل الشيخ «النقشبندى» فى سن الخامسة والخمسين، ولم يخلف ثروة لعياله لأنه كان دائم العطف على الفقراء، ودفن فى مقابر «الطريقة الخلوتية» فى منطقة «البساتين» فى القاهرة.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...

أفلام الأضحى.. موسم سينمائى ملىء بالنجوم

كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز

هانى شاكر..حكاية كل عاشق (ملف خاص)

رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...

فارس السينما الأكبر (5) مظهر يغامر ويفتح بيته لاجتماعات الضباط الأحرار

عندما قال عبد الناصر: اجمع رجالتك يا أحمد.. خلاص هنعملها! سافر مظهر للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فقامت ثورة يوليو...