سيد مكاوى.. مسحراتى فى الهـوى دُكانه

ونحن أطفال فى قريتنا الصعيدية التى لم تكن قد عرفت طريق الكهرباء بعد.. لم تكن طقوس رمضان تتعدى ساعتين تقريباً.. خاصة إذا ما هل رمضان فى موسم الشتاء.. أما فى الصيف

ونحن أطفال فى قريتنا الصعيدية التى لم تكن قد عرفت طريق الكهرباء بعد.. لم تكن طقوس رمضان تتعدى ساعتين تقريباً.. خاصة إذا ما هل رمضان فى موسم الشتاء.. أما فى الصيف فيزيد الوقت لثلاث أو أربع ساعات.. تبدأ من بعد أذان العصر حيث يحجز كل واحد فينا موقعه أمام دكان بيت لازم الذى يبيع «الثلج».. كانوا يجيئون به من البندر ألواحاً فوق عربات «تويوتا».. ثم يقومون بتقطيعه وبيعه.. كل واحد فينا ياخد «حتة الثلج» ويلفها فى خيشة ويا ويله لو وقعت فى التراب.. وجرى على البيت نحطها بجوار «القلل الفخار».. ويُستخدم جزء منها لترطيب «المشروبات الرمضانية» أياً كان نوعها.. وممكن ماتكونش أكثر من «مية بليمون بسكر».. المهم «حتة الثلج» لازم تكون موجودة.. وطبعاً كنا «بنقرش نُصه».

بعد أذان المغرب.. كله يستنى شويكار وفؤاد المهندس فى المسلسل الرمضانى.. وبعدها بشوية زيارات من الأقارب.. وبعد العِشا كله ينام.

تطفئ الأمهات اللمبات «نمرة عشرة».. توفيراً للجاز «الكيروسين».. ينام الكل.. فقط صوت الراديو يظل ضعيفا يقاوم الظلام والليل الصعيدى الغتت.. وإذ فجأة ينطلق صوته.. و«كل شبر وحتة من بلدى.. حتة من كبدى حتة من موال».

و«اصحى يا نايم.. وحّد الرزاق».. وحده صوته كان يخبرنا بأننا على موعد مع طقس رمضانى جديد وخاص يمتد حتى الفجر.. ومن يومها ونحن نحفظ إيقاع طبلته.. ونتخيل شكله.. فنحن فى قرى الصعيد لم نكن نعرف «يعنى إيه مسحراتى».. البيوت وسط الزراعات وبعيدة عن بعضها بالكيلومترات فى بعض الأحيان.. ومعظم العائلات عليها تار.. فمسحراتى مين ده اللى ممكن يغامر ويروح يصحى حد فينشه ٣٦ طلقة؟!!

ظل اسم سيد مكاوى يعنى بالنسبة لنا بهجة لا حدود لها.. فهو ذكريات تلك الساعات فى بيوتنا البعيدة.. أول سحور.. وأول أبواب الرجولة.. وأول معرفة بماذا تعنى «حتة من بلدى.. حتة من كبدى.. حتة من موال»..

عرفنا المواويل جيداً ومنثورات من رواة السيرة ومطربى الموالد يؤدونها.. لكن موال سيد مكاوى ظل مختلفاً.. حتى اكتشفناه على حقيقته مع صديقه ذلك الكائن الملظلظ المبهج الذى صار سيد شعراء العامية فى عصره وأوانه.. والمناسبة كانت ألبوما تم توزيعه كالمخدرات بين بعض شباب جامعتنا لمطرب جديد اسمه على الحجار:

«دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوت

وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت

وحاجات كتير بتموت ف ليل الشتا

وحاجات كتير بترفض تموت.. عجبى».

لا يمكن فصل حكاية سيد مكاوى عن حكاية صلاح جاهين.. ليس لأنهما صنعا معاً نجاحات فذة عصية على النسيان.. لكن لا يمكن فهم ذلك العمق فى ألحان ذلك الرجل الكفيف المقبل من حى شعبى بلا تاريخ ثقافى سابق دون ذلك الحلم الذى يحكم كل خطوات صلاح جاهين والذى امتدت مظلته إلى كل من عملوا معه ومنهم سيد مكاوى الذى أوصل حبل الحلم بمعرفة تالية لرفيق دربه جاهين وأستاذه فؤاد حداد.. صاحب المسحراتى!! أو بمعنى أدق «المسحراتى نفسه»..

قبل أن يعرف الشيخ سيد مكاوى طريق جاهين كان قد خطا خطوات واسعة فى عالم التلحين والغناء.. لم يحدث الأمر صدفة.. كان لا بد أن يلتقيا.. عمنا سيد المولود فى حى الناصرية عام ١٩٢٧.. وفى رواية أخرى ١٩٢٦.. بالقرب من قصر عابدين.. كانت كل المعانى الكبرى قد تجمعت فى أذنى ذلك الطفل الذى أصابه الرمد فأطفأ بصره وهو فى الرابعة.. تلك الخطوات التى كان عليه أن يمشيها ليبلغ البيوت الشعبية فى قصور الأكابر لم تكن سهلة لكنه تعلم كيف يمشيها بنفس الطريقة التى تعلم بها كيف ينجو من عصا «سيدنا الشيخ فى حارة أبوطبل».. حفظ عمنا سيد القرآن مبكراً.. وإجادة تجويده كانت الجائزة التى منحته شرعية الانتقال من «الحارات الضيقة» إلى بيوت الطبقة المستريحة وبينهما عرف الرجل كيف يتواكأ على صوته ليحصل على إعجاب الجميع.. البهوات والحرافيش.

من داخل أحد هذه القصور كانت البداية.. محمود رأفت وإسماعيل رأفت.. اثنان من «الغاويين للمزيكا» فى بيت أرستقراطى.. أعجبهما صوت «المقرئ» الشاب.. فنهلا من حلاوته فى جلساتهما الخاصة.. ونهل هو من معارفهما وأسطواناتهما التى منحته الفرصة ليحفظ معظم التراث المصرى القديم خصوصاً تراث المشايخ.. ليضيف إليها من عندياته «توابله الحارة الحراقة.. وخفة دمه» ومن قصر إلى قصر.. ومن حارة لحارة أصبح هناك رجل اسمه «الشيخ سيد مكاوى» الذى ذهب إلى مبنى الإذاعة ليتم اعتماده مطرباً.. وتسند إليه الإذاعة أولى الأغنيات من ألحان صديقه «ابن الباشوات» الملحن الناشئ وقتها عبدالعظيم عبدالحق.. وليس غريباً أن تكون الأغنية عن سيدنا النبى «محمد» صلى الله عليه وسلم.

ومن أغنية إلى أخرى من ألحان أحمد صدقى.. ثم من ألحانه هو شخصياً.. ومن ألحانه بأصوات آخرين كان أولهم محمد عبدالمطلب.. «اتوصى بيا» وعدد آخر من المطربين أبرزهم شريفة فاضل التى غنت له «مبروك عليك يا معجبانى يا غالى».

شيخ.. ومغنواتى.. سريح ليالى.. ألحانه تميمة لأفراح الطبقات الراقية.. ماذا ينتظر صاحب «اسأل مرة عليا» ليصبح أحد أهم ملحنى مصر؟!

 

«إيه أغلى من القلب اللى وهبته إليك

شافك مرة وحبك وياما سألنى عليك

وأنت ما تسأل فيا

قولى قساوتك ليه

أنا أفديك بعينيا..

وأكتر منهم إيه..

اسأل مرة علىَّ»..

ست الحُسن والجمال

لم يكن الشيخ سيد الذى ارتدى البدلة وخلع الجبة والقفطان بعيداً عن اسم صلاح جاهين الذى بدأ فى اللمعان كشاعر لثورة يوليو.. ولم يكن العدوان الثلاثى بعيداً عن كليهما..

عمنا سيد يتذكر جيداً ذلك اليوم الذى خرجت فيه الحوارى المحيطة بمنزله تتعاطف مع الملك المحاصر فى قصره الكبير على بُعد أمتار والإنجليز يفرضون عليه أن يُشكّل حكومة برئاسة النحاس أو ليرحل.. وصلاح جاهين فى قلب المعركة التى اختارها طواعية إلى جوار عبدالناصر.. فلما التقيا كان من الطبيعى أن تكون أغنيتهما الأولى للصنايعية والفلاحين:

«اعمل لنا مفتاح

يا صنايعى يا فلاح

نفتح أبواب الخير

أسوان مليانة حديد

انهض ومد الإيد

ماتمدهاش للغير..

اعمل لنا مفتاح..

يا صنايعى يا فلاح»..

بعد تلك الأغنية التى لم تنجح كثيراً.. لم يعد عمنا جاهين يفترق عن مكاوى.. إما هما فى بيت الحاجة أم سيد يأكلون «بطها الجميل».. أو فى مكتب صلاح فى روزاليوسف.. أو مع شلة الحرافيش.. وقبل أن نعرف قصتهما مع الحرافيش.. نعرف هما مين الأول:

الحرافيش وحسب وصف جاهين نفسه فى حوار أجراه معه حسين قدرى ونُشر فى صحيفة «الديار» اللبنانية فى ٦/٥/١٩٨٣ العدد ٢٨ «هم» عوام الناس فى القاهرة الذين يأتون بعد الحكام وكبار رجال الدولة والناس المستورين.. كل الناس بعد دول ممكن نسميهم حرافيش.. حاجة كده زى آخر القهوة بعد ما تشربها.. تفل بلغة أهل الشام «أما» الصهبجية فهم طائفة الحشاشين أصحاب الحرف الذين كانوا يمضون سهراتهم فى الغناء ولهم عالمهم الخاص من المفردات وطرق الأداء الموسيقى وخرج من بينهم ملحن مشهور هو عبدالرحيم المسلوب، وتأثر بهم ملحنو الطقطوقة بعد ذلك.. ومن تلاميذهم سيد مكاوى الذى وجد نفسه فجأة بين حرافيش من نوع خاص يلتفون حول «نجيب محفوظ».

فى هذه الجلسات وغيرها استعاد صلاح جاهين شقاوته واستعاد الشيخ سيد «سلطنته» ومفرداته وعالم الحشاشين فغنى:

«أنا وحبيبى روحين فى زكيبة

يتعلموا منا الحبيبة

كدنا العوازل جاتها رزية

يا صهبجية.. عايزين شوية

حاجة م اللى هيه..

حبة آهات.. على عين على ليل..

على تراللى».

تلك الروح التى يظن البعض أنها لزكريا أحمد.. ربما من فرط إغراقها فى عالم «الحشاشين» مما دعا إيمان البحر درويش لإعادة غنائها فظهرت وكأنها لجده سيد درويش.. ثم استعان بها داود عبدالسيد فى فيلم «الكيف» فأعادها محمود عبدالعزيز لروح موسيقى سيد مكاوى.. وأعادها مجدداً محمد الشرنوبى لما قدمه إيمان البحر.. لكنها فى كل الأحوال صناعة تلك الجلسات التى جمعت محفوظ وتوفيق صالح وفؤاد قاعود وغيرهم.. ذلك العالم الذى امتلأت به «جبة سيد مكاوى» جعل البعض ينسبون له لحناً تسبب فى سجن أحمد عدوية عام ١٩٨٠.. وهو لحن «لابس جبة وقفطان وعاملى بتاع نسوان».. وحقيقة الأمر أن عمنا سيد مكاوى كان يغنى هذا اللحن الذى غنته لأول مرة مطربة العوالم الشهيرة «بهية المحلاوية» فى جلساته الخاصة ومنها أخذها عدوية الذى حاول تبرئة نفسه فى المحكمة بأنه كان يغنى من كلمات صلاح جاهين شاعر مصر الكبير وملحنها الأكبر سيد مكاوى.. لكن ما لم يذكره عدوية وقتها أنه بالفعل غنى من ألحان سيد مكاوى ومن كلمات مأمون الشناوى..

«سيب.. سيب.. سيب

يا حبيبى وأنا سيب

علمته التقل لكن سبقنا بميت سنة

وده عز علينا بحره.. وسقانا من القنا

ده الحب دنيا حلوة..

مش كورة مدورة

يلف علينا لفة.. ما هى دنيا صغيرة

والقرب يغيب.. والبعد يغيب

والأمر خطير.. وتقول سيب..

طب سيب وأنا أسيب»

أعود إلى فكرة «ملتقى الصحبة».. أو الحرافيش الذين أضافوا بُعداً جديداً لبصيرة سيد مكاوى.. فانطلق يلحن لجاهين..

«حنحارب

كل الناس حتحارب

مش خايفين م الجايين

بالملايين حنحارب

حنحارب حتى النصر..

تحيا مصر.. تحيا مصر».

ونجحت الأغنية نجاحاً أجبر أم كلثوم على أن تطلب من جاهين أن يكتب لها.. لكنها أعطت الكلمات لكمال الطويل ليلحنها فكانت «والله زمان يا سلاحى».. وغضب سيد مكاوى الذى يحلم بأن يلحن للست.. لكن جاهين بواقعيته أخبره بأن «الست هيه اللى بتختار» كما أنها تخاف من التجربة مع ملحن لم تتعامل معه من قبل.. ولأن الأمر كان عصياً على قلب الشيخ سيد.. صالحه جاهين بأن أعطاه كلمات أغنية حدوتة.. التى غناها محمد قنديل فحققت نجاحاً من نوع جديد جذب عشرات المطربين إلى نغمات وسيد مكاوى.. وهدى سلطان.. وهند علام شقيقتها الكبرى.. وسعاد مكاوى.. وفايزة أحمد.. ونجاة الصغيرة.. وكل من يغنى شعبى تقريباً:

«لو كنتى ست الحسن والجمال

يكون أمير أحلام غرامك أنا

ليكى أول الحدوتة فى الدلال

وأنا آخر الحدوتة ليا الهنا».

ولم تنته حدوتة الست عند الشيخ سيد عند هذا الحد فقد قرر أن يذهب إليها بنفسه.. واتصل بمنزلها وحدد موعداً فى التاسعة صباح اليوم التالى.. لكنه ذهب متأخراً رغم أنه لم ينم أصلاً.. تأخر ربع ساعة فقط وقررت الست عدم مقابلته لكنها عندما علمت بأنه رجل «كفيف» قابلته.. وسمعت له.. ثم أثنت على ما سمعت.. هايل يا شيخ سيد.. شكراً يا شيخ سيد.. وخرج الرجل لا يستطيع كره السيدة التى أحبها منذ كان يسمع أغنياتها فى جرامفون صاحب القهوة اللى على ناصية شارعهم بينما يجلس جنب عم رضوان بائع العسلية بالساعات ليسمعها.. ولا يستطيع أن يستوعب أنها لم تقرر الغناء من ألحانه.. وكان أن أخذه عمنا جاهين «لفة فى حارات السيدة والحسين» ليسرى عنه وبينما هو يفعل ينشد بعضاً من مقاطع أوبريت كان لا يزال يكتبه بعد ولم ينته منه.. يلخص فيه موالد مصر.. وانخطف قلب عم مكاوى قليلاً فذهب يلحن ما سمع.. مقطعا.. مقطعا.. حتى انتهى وأخذ صاحبه وذهب إلى مبنى الشريفين.. مبنى الإذاعة المصرية وقتها.. وهناك انبهر كل من سمع إلا عمنا «بابا شارو» الذى قال: «مافيش مولد من غير رقاصة».. فيه حاجة ناقصة وكان أن قرر جاهين أن يكمل:

«طار فى الهوا شاشى..

وأنت ماتدراشى.. إلخ».

ذلك المقطع الذى يصور الراقصة فى المولد.. وقعدة القهوة.. وعيلة تايهة يا ولاد الحلال.. لتخرج لنا واحدة من أهم روائع «الأوبريت المصرى».. والذى فاق نجاحه حدود الإذاعة.. ليتم تقديمه فى مسرح العرائس من إخراج صلاح السقا.. وينقله التليفزيون الذى دخل مصر وقتها.. وتصبح «الليلة الكبيرة» واحدة من ليالينا الكبيرة.. نقلة حقيقية فى تاريخ الغناء المصرى.. جمع فيها الشيخ سيد كل تراث الغناء الشعبى ولحنه فى جمل شديدة المصرية..

«الحضرة والذكر انجلى

انشد ولعلع يا وله

شفت فى منام..

صاحب المقام ده أبهه

ويمامة حايمة تسبح ربها

ونور النبى»..

على من يسمع السطور السابقة أن يغمض عينه.. أن يفقد بصره وأن يعصر نور عينيه فى أذنيه ليعرف ماذا فعل هذا الرجل بإيقاعات الحضرة التى تركها تمضى فى طريقها فيما هو «يذكر الله»..

بهذه القدرة كان سيد مكاوى يتعامل مع الكلمات.. والشوارع.. والبشر.. وحسبما ذكر ماهر زهدى فى كتابه «صانع البهجة».. ذهب صلاح جاهين ده إلى «أبوالسيد فرحاً».. ابسط يا عم حتحضر حفل مجرى النيل.. وحتشوف عبدالناصر.. فقال: «الريس حتة واحدة؟» ورد عم صلاح بجدية: «أيوة حتة واحدة.. ده تحديداً ما ينفعش على حتتين».. فضحك أبوالسيد وأكمل بنفس الجدية: «عارف يابو صلاح.. مع إنى ماشفتش الراجل ده بس بيتهيألى ضخم.. حاجة فخمة كده زى السد».. وقد كان وذهب مكاوى وغنى أمام الرئيس وضيوفه ومن بينهم أول عالمة فضاء روسية وتلك التى غنى لها من كلمات جاهين على إيقاع الغالى:

«فالنتينا

نورتينا..

أهلاً بالصداقة..

فالنتينا يا جين انتى بينا مش غريبة

شكراً.. ثم السد العالى بعدما سهرنا الليالى

والعالم يجمع ما بينا

الجنوبى مع الشمالى».

النيل بيجرى ولا ما بيجريش؟!

فى تلك الليلة.. ١٤ مايو ١٩٦٤.. رحب مكاوى بضيفه السد العالى واحتفل بوجوده وأغنيته أمام الرئيس.. لكنه وجد نفسه بعد الحفل فى حفل من نوع آخر.. حفل على الضيق لكنه فى حضرة «الإمام».. والد الشعراء فؤاد حداد.. فقد كان خرج لتوه من سجون عبدالناصر بعد خمس سنوات من الغياب.. ومن تلك الليلة امتد نيل جديد إلى شريان مكاوى إلى جوار جاهين.. عرفت كلمات حداد وفى مقدمتها المسحراتى الذى كان من المقرر أن تلحنه مجموعة من الملحنين.. كل واحد منهم ٣ حلقات.. وهذا ما حدث فعلاً.. وكان يغنى أبوالسيد ثلاثة فقط.. لحنها وقرر أن يغنيها بصوته وطبلته وبدون أى مجاميع أو موسيقى تصاحبه، فكان أن أخذت فكرته وطريقته اللحنية باب الجميع وبدأنا رحلة أخرى كان على مصر أن تستمع.. وأن تستيقظ لندهة عمنا الإمام..

«مسحراتى وجيت بنسمة طرية

منقراتى أنادى ع الخضرية

ما فاضلش غير ساعتين على الفجرية

مايل جناحك وبالعسل بتسوق

عربية شايلة الخيل ونازلة السوق

سنتك مباركة وشهرنا مرزوق

والدنيا فرحانة بقمرها الباسم

ومرج الحديد فى الضى والحى راسم

على كوبرى إمبابة مواسم مواسم

أنا شلت فوق العين وفوق الراس

والضهر شايل الأشولة والأقفاص

رزق الحبايب بيتقسم أنصاص..

اصحى يا نايم..

وحّد الرزاق»..

أضحكلكم ضحك الأمل والتهانى.. وأعمل أنا الخضرى وأنا الفكهانى.. مسحراتى فى الهوى دكانى.. احتمى بيهم.

يا الله.. طب الواحد يلاحق على الإيقاع العبقرى اللى عمله عمنا فؤاد.. والا يجرى ورا الراجل اللى بيسابق خيله وهو طالع السوق برزق الحبايب اللى بيتقسم أنصاص..

لا أخفيكم سراً إذا قلت إننى أعرف أن الشيخ سيد مكاوى فكر فى تلحين القرآن.. وبدأ بسورة الإخلاص.. لكنه سرعان ما تراجع.. هذه المقدرة اللحنية البديعة كانت فى حاجة إلى شعراء من عينة جاهين وحداد الذى لم يكتف بمعجزة المسحراتى.. فذهب يفتش فى حوارى القاهرة التى تحفظها أقدام أبوالسيد..

«يا سامعين أبناء بلد واحدة

تحت السما الواحدة وإيد بعد إيد

القاهرة قالت وقولها الحق

اشهد بأنك يا ابن آدم جميل

بانى البيوت على بعضها بتميل

فى الجو ريق الإنسانية بيسيل

شفتك بتمشى ونظرتك على فوق

ودايرها زغرودة حطب وغسيل

شفتك يا سقا مالى ماء النيل

شفتك منادى وشفت خطابك

من سوق لتانى لألف يشيل

شفتك بطبلة وناى وزمارة

حتى بأمارة زادت الشخاليل.. إلخ».

حكاية القاهرة فى ألف عام.. أقل ما يمكن أن نكتب عنها هنا.. وأقل ما يمكننا أن نفعله أن نستعيدها..

«ورفعت فنى إلى مقام الشعب

الثورة ضربة فى صميم النور

أمنية أغنية قدر مقدور

والحدادين نافخين معايا الكور

والخبازين قايدين معايا الفرن

أخبز لكل الناس عشا وفطور».

هكذا صارت أغنيات عمنا سيد مكاوى فى تلك الأيام.. الذى احترم ومن معه مقام الشعب.. صارت بالنسبة لهم «عشا وفطور»..

جاءت النكسة.. فلم ينتكس.. غنى «الدرس انتهى لموا الكراريس».. وغنى «أنا الفجر لمن صلاه».. وغنى «ازرع كل الأرض مقاومة».. إحنا العمال اللى اتقتلنا.. وظل يغنى «عمر سلاحك يا جدع» حتى جاء نصر أكتوبر فغنى:

«ابنى لفوق.. امشى لقدام

مصر نهارها وليلها جميل

كل الأرض لبعض تميل

كل حدودها بطعم النيل

بتحقق فينا الأحلام»..

المغنى هنا.. من قبل ما حد يقول يا غنا

وسط كل هذه الفورة من انكسارات واستنزاف وحرب ونصر.. وكامب ديفيد التى غنى فى سياقها منفرداً للرئيس السادات:

«كان قلبى معاك

طول ما أنت هناك

ناطق وياك بإيمان وثبات

الله يخليك ويبارك فيك

ويخلينا ليك.. وتعيشى يا مصر

أرض النصر.. وتعيش يا سادات.. إلخ».

وسط ذلك كله أين ذهب حلم الشيخ سيد بصوت أم كلثوم؟.. وأين هى تلك الشعبية من تلك الأغنيات؟.. وأين ذهبت العواطف وكلام العشاق؟.. هذا كله ظل موجوداً.. يمشى جنباً إلى جنب مع الأغنيات الوطنية.. يغنى مع صباح «أنا هنا يا ابن الحلال.. لا عايزة جاه ولا كتر مال» فى نفس الوقت الذى يغنى فيه من كلمات فؤاد قاعود:

«اختال فوق عيدانك واكبر

يا زرع الشراقى

يا صباحك منور يا أخضر

والخير فى اللى ساقى»..

هو الوقت نفسه الذى كان يلحن فيه «يا مسهرنى» لأم كلثوم.. و«أوقاتى بتحلو» التى غنتها وردة.. لحن "يا ابو الطاقية الشبيكة" و"يا حلاوة يا حنان" لفهد بلان.. جنباً إلى جنب مع عشرات الأغنيات الدينية «صلى عليك الله.. يا رسول الله يا خير الأنام» التى غناها إبراهيم حمودة.. و«لا إله إلا الله» لمحمد قنديل الذى غنى له «طالع على شط القنال».. ومن قنديل لمحمد رشدى «يا حمام الغية.. سلملمى.. والمنديل».. وغيرها لشفيق جلال.. حتى أمين الهنيدى غنى من ألحان سيد مكاوى:

«طلعت أدب.. نزلت أدب

طالع نازل.. أقزقز لب

طلعت أدب أدب دبيب

ونزلت أدب سبع سراديب

أنا أخوك الدب مانيش الديب

ومفنجل عينى تقولش أديب

ولا العاشق داب فى دباديب

الحلو اللى بيغطس ويلب».

باختصار وكما غنى من كلمات عبدالرحمن الأبنودى فى عمل نادر اسمه حروف الكلام:

«علمتينى الحرف..

علمتينى حروف الجر

وعلمتينى حروف العطف

وعلمتينى الحب وعلمتينى العطف

علمتينى ما اخافش

وأكون قدام الصف..

علمتينى حاجات حلاوتها تفوق الحصر..

علمتينى ده كله وأكتر منه يا مصر».


 	محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...