رشدى.. أخناتون المصرى وملاهى أمريكا

أجمل ما فى ريف بلادنا إنه ما فيش حواجز بينك وبين السما.. لو سقف البيت بالبوص السما مفتوحة.. لو السقف مفتوح فمد إيديك وطول النجم اللى انت عايزه.. وافتح عيونك على

أجمل ما فى ريف بلادنا إنه ما فيش حواجز بينك وبين السما.. لو سقف البيت بالبوص السما مفتوحة.. لو السقف مفتوح فمد إيديك وطول النجم اللى انت عايزه.. وافتح عيونك على الأحلام.. أما لو كنت زى حالاتى غاوى الغيطان.. فالدنيا بكاملها مفتوحة أمامك.. «انت والحمار» وبلاد الله لخلق الله.

فجأة وأنا فى العاشرة تقريباً من عمرى لم نجد تلك السماوات المفتوحة.. بيوت القرية عن بكرة أبيها صارت غمامة سوداء.. كنا أطفالاً لا نعرف ما حدث بالضبط.. فقط وجدنا أهلنا يجرفون الأرض.. ويحفرون مساحات كبيرة.. وناس اسمهم «الطوّابين».. بيستغلوا.. بيستغلوا إيه؟.. دى القصة اللى شغلتنا وقتها.

كان معظم أهالينا وقتها قد سافروا إلى ليبيا.. وبعضهم ذهب إلى العراق.. كنت أعرف ذلك لأننى تقريباً كنت المسئول الأول عن كتابة خطابات معظم أهل «النجع» إلى ذويهم فى تلك البلاد البعيدة.. والدى نفسه ذهب إلى ليبيا.. وجدتى كانت تجلس تحت السماء المفتوحة فى «صحن البيت القديم» تنتظر «صوت أمريكا» فى السابعة والنصف تماماً بعد العشاء.. لتستمع إلى أغنية تتكرر بشكل شبه يومى.. «طارت الطيارة والحبايب طاروا.. يا رب ترجع يا رب كل غايب لدياره».. وبعد أن تنتهى من سماعها تبكى لفراق ولدها الوحيد، رغم أنه لم يركب الطيارة أبداً. وسافر مثل معظم أهل قريتى الذين ذهبوا إلى طرابلس فى سيارة عبرت الصحراء الغربية.. هؤلاء جميعاً عادوا.. وكل من عاد منهم قرر أن يبنى بيتاً جديداً بالطوب الأحمر.. وهذا الطوب يلزمه قمينة.. والقمينة يصنعها رجل يأتى أولاً مع أنفار.. يأتون بتبن القمح.. والحصى.. والطمى.. يخلطونه معاً.. ثم يضعونه فى «قالب خشبى»، ويرصون ما يخرج عنه صفوفاً فى الشمس.. وبعد أيام قليلة يرصونه بطريقة هندسية مدهشة فى حفرة كبيرة مع خشب السنط، ثم يزيدونه بالمازوت الأسود ويشعلون النار ليلتين كاملتين.

هذا الرجل «الطوّاب» الذى عرفته وقتها أول ما تبدى لى.. أتذكر عمنا محمد رشدى وهو يخبرنى فى بيته بشارع الأنصار بالدقى، أنه عمل فى هذه الورش مع والده بعد أن حفظ القرآن.. لكنه لم ينجح سوى فى إفساد مصنع الطوب لوالده.. فقد كانت البنات الصغيرات العاملات فى «القمير» يتركن عملهن ويلتففن حوله ليشاركنه الغناء الذى اختطفه من حياته كلها.. وقتها طرده أبوه من الورشة.. لكنه لم يذهب إلى المدرسة.. راح يتجول فى الموالد.. وأشهرها طبعاً «الدسوقى» حيث يعيش.. يقول: «المولد كانت مدته أسبوعا واحدا كل سنة.. لكن إقبال الناس على المشاركين فيه وفنونهم كان يجعلهم يمدونه شهرين كاملين.. هما أسعد أوقات السنة بالنسبة لى.. أذهب ليس لسماع الأصوات المدهشة فقط، ولكن لأراقب حياة هؤلاء المجاذيب بالغناء والتصوف.. فى النهار تعد نساؤهم الطعام.. أشاهدهن بدون ماكياج.. وفى المغرب يتجهزون.. بكل عتادهم.. وكل فرقة تنطلق إلى مكان فى دسوق.. وأنا خلفهم».

وكان من الطبيعى أن يغضب الأب.. فهذا طفله الوحيد إلى جانب ثلاث بنات. الواد الحيلة غاوى الغنا.. فماذا يفعل؟.. سلم الرجل أمره لله، لأن أكابر البلد.. المأمور.. ومفتش الصحة.. وابن العمدة يعشقون صوت ابنه، ويراهنون على أنه سيصبح «مطرباً كبيراً».. والأخير تحديداً اعتبره «صوته فى الدعاية الانتخابية».. كان يجوب معه القرى يبشر به مرشحاً شاباً فى مواجهة نائب عجوز.. وفى إحدى ليالى ابن العمدة وعده بأن يذهب به لأم كلثوم، وقد كان، وسمعته وبشرت بأنه سيصبح ذا شأن.. ونصحته بالدراسة فى المعهد.. وهو ما فعله نائب دسوق المرشح السابق محمد فريد زعلوك عند نجاحه، حينما أخبره بأنه على موعد مع الامتحان فى المعهد.. ليجمع الرجل زاده وزوادته وثلاثة جنيهات صرتها الأم فى منديل ليحضر إلى القاهرة الغريبة التى أبكته فى أولى لياليها:

«ماليش غير قلب

بدمعه يغنى

كلام تفاريح.. كلام مجاريح

كلام بيحضن قلب الريح».

وقتها ربما حنَّت الرياح على محمد رشدى الذى أصبح طالباً فى معهد فؤاد للموسيقى بشارع رمسيس.. لكنها القاهرة تكره الغرباء.. أتعبته.. انتقل من سكن إلى آخر.. ومن شارع إلى آخر.. حتى جاءه والده فى يوم ما لزيارته، فوجده يسكن فى بدروم تحت السلم، فبكى وطلب منه أن يعود إلى أهله فى دسوق، لكنه رفض وأصر على أن يواصل رحلته التى لم تكن سهلة أبداً.

رشدى والسادات ومأذون البلد

فى إحدى هذه الشقق الفقيرة، سكن رشدى مع رفيق رحلته الأولى عبدالحليم شبانة الذى صار اسمه فيما بعد عبدالحليم حافظ.. ولأن كليهما لم يكن يملك مالاً لدفع الأجرة هربا من صاحب السكن بعزالهما إلى بيت نجوى فؤاد التى استضافتهما لفترة.. فى ذلك الحين فوجئ رشدى بحليم يخبره بأن الرجل الذى كان واسطته فى المجىء للقاهرة أصبح وزيراً للدعاية فى وزارة نجيب الهلالى.. وعليه أن يستغل الفرصة وأن يأتى بأحسن شعراء وملحنى البلد ليسجل ٢٠ غنوة.. لكن رشدى خاف رغم أن الباشا الوزير طلبه فعلاً وذهب لمقابلته. وزير الدعاية «فريد زعلوك» فتح الباب لرشدى.. لكن الريح التى حنت على قلبه لم تسعده كثيراً.. لم يستمر زعلوك ولا الهلالى فى الوزارة.. فقد حدث أن قامت الثورة.


لم يكن رشدى محباً للسياسة.. ولا الاختلاط.. لكنها ذهبت إليه بنفسها.. كان موعده صباح يوم ٢٣ يوليو فى إذاعة الشريفين ليغنى وصلته المعتادة التى يحصل على أجره الشهرى من خلالها، لكنه فوجئ بالصاغ محمد أنور السادات يخبره بأنه «مافيش غنا النهارده.. الثورة قامت».. فجلس الرجل يبكى.. فعاد الضابط الأسمر ليسأله «انت بتغنى إيه؟».. فرد الفلاح الطيب «قولوا لمأذون البلد» فضحك السادات وجمال حماد.. وقالا له «خلاص النهارده فرح.. فرح البلد كلها.. غنى».. وكان أن سمع العالم العربى كله أخبار وبيانات ثورة ١٩٥٢ ومعها صوت محمد رشدى وأغنيته التى كتبها محمد فتحى مهدى، ليصبح أهم مطرب أفراح فى البر كله:

«قولوله يكتب لى الكتاب

على صفحة بيضا معطرة

دا انا والحبيب بعد الغياب

هنعيش فى جنة منورة».

لكن هذه الجنة انقلبت إلى تعاسة.. تزوج رشدى من إحدى زميلاته فى شارع محمد على وأنجب طفله الأول عادل.. لكن المشكلات التى لم يذكرها الرجل طيلة عمره حرمته من السعادة.. وانتهت الزيجة بطلاق حرمه حتى من مشاهدة ابنه الذى هاجر فيما بعد إلى أمريكا.

تخبط رشدى كثيراً فى تلك الفترة.. كان يبحث عن «ابنه» ويحلم برؤيته حتى ولو من بعيد.. كان يجلس على قهوة التجارة فى مقابل بيت طليقته بالساعات ينتظر ربما يشاهده يلهو فى البلكونة.. لكن ذلك لم يحدث.. وفى إحدى تلك المرات التى كان يجلس فيها على المقهى جاءه عبدالرحمن الأبنودى المقبل بعبله من طين قنا.. استقبله رشدى بقرف وتعالٍ فى البداية، لكن الشاعر المتمرد خطفه إلى تلك المنطقة التى كان الفلاح الرشيدى يبحث عنها فى روحه.. وكانت "وهيبة" وش السعد:

«الليل بينعس على البيوت

وعلى الغيطان

والورد يهمس للسنابل

والعيدان

يا عيونك النايمين ومش سائلين

وعيون ولاد كل البلد صاحيين».


صحت عيون رشدى الفلاح على دنيا جديدة.. أغنية جديدة.. وبلدة جديدة تقاوم احتلالاً من نوع جديد.. ووجد رشدى نفسه ممثلاً للعمال والفلاحين:

«هما صحاب الطين

اللى سقوها بالعرق

ورووها بدمع العين

الزرع بينادى للرايح وللنادى

للأرض على فلح..

والتمر للزارعين».

وجدت الثورة التى كانت فى طريقها لتثبت وضعا جديدا فى صوت رشدى ونغمة بليغ حمدى وآخرين وكلمات الأبنودى وآخرين غايتها.. صوت أدهم الشرقاوى.. قاطع الطريق فى روايات تاريخية.. بطلاً يقاوم الاحتلال ويقف إلى جوار رجال الجيش:

«لو عديت على ناسْ

يقولولك مرحب مرحب يا إنسان

لو عديت على ناس

فى قلوبهم طيبة

وحب كبير وحنان

تعرفهم تعرف بلادى

واعرف إنك فى بلادى

عيون بلادى.. روح بلادى

ناس بلادى..».

وكان من الطبيعى أن يشتعل الصراع على القمة ما بين فلاح حول المرأة المصرية إلى سيدة «تنفع صورتها تزين الجرانين».. ورجل يغنى للعمال اللى واقفين ع المكن.. لجيل جديد ممكن يرتقى وهو يبنى بيته الصغير:

«فاتح شبابيكه

يصطاد النسمة

النسمة النيلى

الناعسة المبتسمة..

بيتنا الصغير الكبير

أهو ده اللى باين من بعيد

كأنه خال على خد النيل».

كان من الطبيعى أن يلتف المثقفون من جيل الستينات حول رشدى المكافح فى مقابل عبدالحليم ورجاله.

لكن اللحظة التى كانت تستدعى صوتاً فلكلورياً استوعبه بليغ حمدى جيداً، أجبرت عبدالحليم وعشرات غيره على الغناء الشعبى.. وطبعاً كسب رشدى الذى غنى من كلمات صلاح جاهين وألحان سيد مكاوى"

«وزيد فى سلامى للحلوة

أم رمش كحيل حبيبتى

يا حمام بنى..

بعادى عنها جننى حبيبتى

أمانة تقولها إنى

باصر المهر شهر بشهر

ويّا الشبكة فى المنديل».

لكن وكما نعرف دوماً.. المهر كان غالى.. مهر نجاح الثورة فى فرض واقعها الجديد الذى صار على قمته زعيم اسمه جمال عبدالناصر.. غنى له رشدى كما غنت له عشرات الحناجر:

«يا حبيب الأمة

يا ابو عزم وهمّة

بسم الأحرار.. بسم الثوار

نبايع مين..

ونعاهد مين.. الريسْ

بسم الملايين بنردد كلمة صداها القلب

بسمنا إحنا وبسمكوا انتو يا نواب الشعب

بسم أملنا ومستقبلنا وبيوت الغد

بسم السد ودخان طالع فوق

رمز المجد..

بسم شعوبنا الغالية الحرة

بسم خمستاشر سنة ثورة..

نبايع مين.. الريس

الشعب يريدك يا ريس».

لم تكن تلك المبايعة هى الأغنية الوحيدة لرشدى لعبدالناصر.. لكن الرجل مضى حتى نهاية طريق الموالاة يغنى:

«أبوخالد يا حبيب

بكرة حندخل تل أبيب

تفرح يافا.. وتقول حيفا

فتح من الله ونصر قريب».

لكن ما حدث بعدها أننا لم ندخل تل أبيب بل عُدنا مهزومين.


قبل ٥ يونيو بليلة واحدة كان رشدى ومعه عدد من الفنانين فى أنشاص يغنون، واستمر الحفل الذى لم يذهب عبدالحليم حافظ إليه حتى الصباح.. صحا رشدى من النوم ليجد «نكسة يونيو» فى مواجهته.. لم يفهم وقتها ما جرى.. لكن خبر تنحى ناصر أعاده من غيبوبته.. فراح يغنى بعد شهور قليلة من كلمات أحمد فؤاد نجم وألحان الشيخ إمام:

«يا غربة روحى.. روحى

لا تحطّى على سطوحى

وسطوحى يطلع فدان

والفدان يحتاج مروة

والمروة عرق الإنسان

والإنسان يحتاج ثروة..

والثروة فى غيط الفلاح

والعامل صاحب المفتاح

والمفتاح يفتح جنة

والجنة فيها الحنة..

يا حنة يا محنّية..

عشقوكى الجناينيّة..

زرعوكى خضرا خضرا

من البدرة للقصرية

وعبّوكى حمرا حمرا

للسمرة والخمرية».. إلخ.

كان الأمر غريباً على رشدى.. الشيخ إمام ونجم الممنوعان موجودان فى الإذاعة.. ومطلوب منه أن يغنى لهما إلى جانب غربة روحى لحنا آخر اسمه «دلّى الشيكارة».. وهذا ما فعله الرجل تلبية لرغبة رجاء النقاش الذى كان يسعى لاحتواء المتمردين الشهيرين فى عالم الموسيقى والغناء.. فعلها رشدى ولم يتوقف كثيراً.. كانت حرب الاستنزاف على أشدها، فذهب متبرعاً بـ٢٠ موالاً ما زالت خزائن الإذاعة المصرية مقفولة عليها وعلى غيرها:

«بلدى ومين وقت الشدة

ما يناضل

وإحنا لآخر رمق

حواليكى حنقاتل

والراية راح تتنقل

من إيد شهيد لشهيد

ولحد آخر شهيد ولا يوم حتنازل

يا بلدى».

من مصطبة وسوق.. لملاهى أمريكا

حينما أراد بليغ حمدى وصف محمد رشدى قال: «باحس إنه إخناتون طلع من المعبد يغنى للناس».. إخناتون الفلاح المصرى، هكذا كان يراه بليغ الذى صنع له مجموعة كبيرة من الأغنيات التى لا تزال فى حاجة إلى قراءة جديدة.

وربما لذلك قال رشدى عنه «ثلاثة أرباع عمرى من حق بليغ حمدى».. من «بيتنا الصغير.. وسع للنور.. بلديات.. عدوية.. ميتا أشوفك.. ع الرملة.. تغريبة.. قناديل".. والأخيرة تلخص رحلة الاثنين تقريباً.. هذه الأغنية التى صاغها بليغ من مقام العجم ومن نغمة أو درجة وحيدة فيه، وهى «الدو»، لتأخذ طابع المقام الغربى.. فعل بليغ بها وبنا ما لم يفعله أحد فى خمسين سنة من الموسيقى، ولم يستوعب ذلك كله سوى صوت إخناتون المصرى:

 

«وآه يابا..

يا با عليا..

لا دار ولا مرسى

ولا حبيبة..

على عينى يا حبيبى

وعلى عينى..

قفلنا الدار

بعد ما راحوا وهجروا الدار

بعدما كنا قسمنا اللقمة

والضحكة وهم المشوار

بعد ما عمرى إديتهوله

ورماه فى النار

بعد ما شلته فى عينيا

طول المشوار

وأدى آخر الرحلة

ما لقينا غير دمع عينينا

كدبوا علينا حبايبنا

كدبوا علينا».

انقشعت الأكاذيب تماماً بعد ١٩٦٧.. ولم يكن هناك بُد من المواجهة.. مواجهة كل شىء.. وخرج رشدى من مصر إلى الغربة هرباً من رجال السادات الذين كانوا لا يستلطفونه.. حتى جيهان السادات كانت تفضل محمد العزبى عليه.. ورغم ذلك غنى له رشدى فى فرح ابنته لبنى:

«الفرح فرحين..

يومين حنفرق الشربات

الليلة فرحك يا لبنى

وبكرة الفرح له حكايات

مع شمس بكرة ليالى النصر حتنَّور

والنور حيكمل طريق النصر بيك يا سادات

وتشوف ملامحه ملامح عربى حر أصيل

فى سمرته سمرة المية

فى حضن النيل..

وفى بسمته بسمة الوردة اللى بتفتح

وفيها رقة وحنان لما علينا تميل

مطرح ما يمشى

الأرض تحنّله وتخضر

ويفرش الخير ويهرب من طريقه الشر

ويمر فى الناس عيونها تحرسُه م العين

واللى بعين يندره

طول عمره ما ينضر

حلفت بيك يا سادات

بالروح لأغنيلك

واعبى من قلبى كل الحب

واديلك..

يا اللى زرعت الأمل

ورفعت راس جيلك

ابدر نجومك على الوادى شمال ويمين

ده كل نجمة بتطرح قلب يدعيلك».

ثم أكمل.. «والله فرحنالك يا ولا».. أغنيته الشهيرة التى صارت تذاع دون الموال السابق لها بدون مبرر.. سوى أن الرئيس لا يريده.. ولم يفهم رشدى سوى أنه لم يعد مطلوباً فى مصر.. فسافر إلى لندن.. وظل هناك لمدة ثمانى سنوات لا يزور القاهرة إلا مرة كل ستة أشهر ليطمئن على أسرته.

سلاسل فضة

لم يكن بليغ حمدى هو صاحب البصمة الوحيدة على حنجرة محمد رشدى.. فقد عرف الطريق بإرادته أو من غيرها إلى أوتار حلمى بكر الذى قدم له عرباوى وحسن المغنواتى.. وعبدالعظيم محمد الذى قدم له «ليلة ما جانى الغالى.. وسلاسل فضة».. وإبراهيم رجب «مجاريح.. وشاعر عباد الله».. وسيد مكاوى «يا عين صلى على النبى.. وحمام الغيّة».. عشرات الأسماء.. والنغمات.. والشعراء.. حسن أبوعتمان.. أحمد فؤاد نجم.. صلاح فايز.. كمال عمار.. فتحى قورة.. صلاح جاهين وخد عندك كمان «نجيب سرور» الذى كتب له واحدة من أندر أغنياته من ألحان بليغ حمدى:

«فيه ناس تعيش متاعيس

وناس تموت وتعيش

واللى جرى يا عين ما ينكتب

فى أوراق..

يا ليل أنا مشتاق..

يا ليل..

مشتاق أنا للغنا

والشوق يا غالبنى

نفسى أغنى على عودى

اللى يطربنى

عن شعبى وبلادى

مش عن حرقة العشاق

وحيرة اللى انكوى

ما بين لُقا وفراق».

وفعلها رشدى.. غنى للبلد.. والناس.. ومثلما غنى لبليغ غنى لأسطى من أسطوات الموسيقى الشعبية هو محمود الشريف من كلمات مجدى نجيب:

«قلبى ومالى ع الليالى

لاجل الغالى.. ع الليالى

بتقربنى وبتبعدنى

الليالى.. وأنا كان مالى».

اقتربت وابتعدت الليالى برشدى طيلة عصرى السادات ومبارك.. وجاء أحمد عدوية وأبناؤه وأحفاده وذهبوا بالغناء الشعبى إلى مشارب أخرى.. وظل رشدى وحيداً يراقب من بعيد فى فيلته الصغيرة بالدقى.. حتى قرر صاحب شركة محروس فون إعادة توزيع أغنياته القديمة ليتلقفها جيل جديد لم يكن يعرف عن الرجل وتاريخه شيئاً.. بل وتعود الروح للثلاثى بليغ والأبنودى ورشدى فيضعون مجموعة من الأغنيات الجديدة.

يتبعها بألبوم آخر مع مجموعة من المؤلفين والملحنين الجدد باسم «قطر الفراق».. وفى تصويره لكليب الأغنية التى تحمل نفس الاسم لم يستطع أن يقاوم تجاعيد الزمن والأيام الصعبة والمشوار الطويل وآلام المرض، فسقط مودعاً ما يقرب من خمسين سنة من الغناء المصرى الحقيقى:

«مغنى ماليش غير فنى

بياخد منى ويحكى عنى

ماليش غير قلب..

بدمعه بيغنى».


 	محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

على ربيع يعود للدراما بمسلسل جديد

بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.

أحمد حلمى يستعد ل «حدوتة»

يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.

الحمل يبعد أسماء أبواليزيد عن الدراما

اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...

شعارها «مصر أولاً» شيرين تعود لأحضان المصريين

عادت صاحبة التجربة الاستثنائية... حتى في أزماتها، عادت لتمنحنا درساً جديداً في فنون الحياة وتقدم لنا تجربة من لحم ودم......