أشرف البولاقي شاعر لاينتمي لجيل بعينه ، بل هو شاعر مطبوع ، صاحب فطرة وبصيرة ، وبراءة مسكونة بالحياة والموت ، والتفاصيل الخاصة به وحده ، كان حريصا منذ صغره على
أشرف البولاقي شاعر لاينتمي لجيل بعينه ، بل هو شاعر مطبوع ، صاحب فطرة وبصيرة ، وبراءة مسكونة بالحياة والموت ، والتفاصيل الخاصة به وحده ، كان حريصا منذ صغره على التعلم ، ولا يزال يتقن هذه المهنة الشَّاقة التي تجنبها البعض ، وألهتهم الحياة بأمورها التي لا تنتهي .فألتهمته م حرائق المدينة ، وانصهرت أرواحهم تحت الجليد الميت ،ففقدوا أرواحهم الحقيقية .
قَدَّم الشاعرُأشرف البولاقي للحياة الشعرية المصرية من قبل مجموعة من الدواوين الشعرية منها ( جسدى وأشياء تقلقنى كثيراً ) و ( سلوى وِرد الغواية-) (واحدٌ يمشى بلا أسطورةٍ) والعديد من الدراسات الشعبية و الثقافية المتعلقة بالشأن الثقافي المصري بخاصة والعربي بعامة . منها (أثر الحضارة المصرية على فن العدودة) و( أشكال وتجليات العدودة فى صعيد مصر) إضافة إلى الكثير من المقالات الفكرية والثقافية في الدوريات المصرية والعربية .
جاء ديوانه الجديد بعنوان ـــ والتين والزيتونة الكبرى وهند.. نص الحضور والغياب ـــ في قصيدة واحدة ، مُحَمَّلَةً بنبوءاتِ الْحَيَاةِ ، وتَشَكُلاَتِها الأولى ، حيث إنه اعتمد على مجموعة من التراكيب الشعرية الممزوجة بروح البولاقي نفسه ، فهو لم ينجرف نحو اختلاق التجارب ، أو التكهن بمعرفتها المسبقة ، بل ظل راهبا في محراب القصيدة العربية ، مفتونا بألاعيبها وفلسفتها ، مشغولا بمحاورة النص الديني بشتى صوره ، وأنماطه ملتحما بالنص الصوفي ، والتاريخي / الأسطوري ، متأثرا بالخطاب الفلسفي .
طرح الديوان تلك الروح المسكونة بالرب الخالق الذي شكَّلَ النصوصَ على عينهِ ، ومنحها لنا جميعا فجاءت القصيدة جنينا قويا ناضجا خالصا من هذا الخلق الفطري الذي فطر الله عليه عباده . وقبل الولوج في عالم الديوان ينبغي لنا أن نقف عند العتبات النصية الأولى على حد تعبير الفرنسي جيرار جنيت (G.Genette) ، والمصري محمد الجزار ، حيث عدَّ الأول العنوان بوصفه نصا محيطا (Peritexte) ، وعتبة نصية مهمة تحمل الكثير من الشفرات التى تسهم في إضاءة النص ، والثاني ( الجزار) عدَّه خصيصة وظيفية تنسبه إلى عمله أو تنسب العمل إليه . فنحن إذن أمام نصٍ له فضاء خاص بعالمه الذي يتحرك فيه ، فالعنوان يبدأ بالواو الاستئنافية التي تصدرت الكلام ، وكأنه يواصل ما بدأه من ذي قبل في كتابة الشعر، ليربط السابق باللاحق ، واللاحق بالآتي ، فهذه صيغة العنونة التي اختارها الشاعر ( والتين والزيتونة الكبرى وهند .... نص الحضور والغياب ) يحمل العنوان لدى أشرف البولاقي أكثر من اتجاه ، وتأويل في حقيقة الأمر ، سأكونُ منصتا للسياق حتى يمنحني بعض كشوفاته المعرفية ، فنلاحظ التناص القرآني الجلي مع سورة التين في قول الله تعالى " والتين والزيتون، وطور سينين ، وهذا البلد الأمين " الإشارة الأولى في العنوان تمنحنا تلك الدهشة الأولى للتلقي ، ماذا يريد العنوان ؟ ولماذا كتبه الشاعر ؟ في ظني أن الشاعر مسكون بالعشق الألهي القرآني ، مختبئا في جلباب محبته ، مروضا لأفكاره وتأويلاته اللانهائية ، تطل هند معطوفة على الزيتونة ، وكأنها التحمت بطاهرة المحبة وألقها الأنثوي ، ثم يعقبها مشهدان مختلفان / متناقضان من خلال الحضور والغياب ، كيف للنص أن يكون حاضرا وغائبا في آن ؟ تمثل لي تلك الرؤية مفتاحا خفيا في تجربة أشرف البولاقي اللغوي والشاعر والمثقف ، هي نصوص الغياب والحضور ، عملية الجذب والشد والربط لمفاصل الحياة ، وكأننا حاضرون غائبون ، من خلال النص الحياة ، هل كان الشاعر يعني أن التين والزيتونة وهند ، هم مجموعة مشاهد مرتبطة ارتباطا أبويا ، أم أن العنوان هو الغائب الحاضر في رحم الملائكة الأرضيين ، إن جل التأويلات التي فتح الله بها علينا ، لهي محض أجوبة عن أسئلة مفترضة طرحها النص الشعري علينا ، ولابد أن نشير إلى أن تجربة البولاقي الشاعر ، هي تجربة تستعصي على البحث التقليدي الذي يرتكن على الموجود قبلا . بل تحتاج للمغامرة التأويلية في قراءة النص وسلطته ، لأن النص يملك سلطة الحياة الحقيقية . كما طرحتُ من قبل أن البولاقي يرتكز في نصه على سؤال الشعر / النص ، يبدأ في مفتتح الديوان بالسؤال مستدعيا صورة الصوفي فيقول :
" لماذا يحملُ الصوفيُّ
في حلبٍ بنادقَه ويبكي ؟
قالت امرأةٌ :
سيطلِقُ حزنَه الأبديَّ
في وجهِ الحقيقةِ
ثم يمضي ! "
صحيح أن السؤال في شعر البولاقي ليس بريئا من المكرالفني ، والمخاتلة المشهدية ، إلا أنه يستدعي بنيات فرضتها طبيعة التركيب اللغوي للنص من خلال أداة الاستفهام لماذا ، التي تحتاج للعلة ، الصوفي ، المكان ، حلب ، البنادق ــ البكاء ؟ نحن إذن أمام بناء متكامل للمشهد ، حيث وجيعة الصوفي البكاء ، ولماذا البكاء وليس الصراخ مثلا ؟ البنادق هي الكتب التي يحملها ، والإشارات الإلهية التي منحها الرب له ، ولماذا حلب تحديدا ؟ هل هي تشير إلى المتصوفة الكبار أمثال ابن عربي والحلاج والسهروردي ، وعبدالرحيم البرعي ، والجيلاني ، ورابعة العدوية ، وعبدالجبار النفري ، وأبي العلاء المعري ، وابن عطاء الله السكندري ، وعبدالرحيم القنائي ... وغيرهم من أولياء الله الصالحين . ؟؟ كل هذه الأشياء والحواديت والشخصيات من معطيات النص الشعري لدى أشرف البولاقي . فهو نص ثري بأحداث التاريخ القديم والحياة الراهنة ، ولا أبالغ إذا قلت إنه نص كوني بالأساس ، لأنه ينطلق من اللحظات الأولى التي شغلت الفكر الإنساني بعامة . للمكان جسد في النص الشعري ، مدينة حلب التاريخية ، لما تحمله من حضارات عربية إسلامية قديمة ، وهي حلب مدينة الفن والعطاء والتجارة والمتصوفة . يستنطق النص امرأة مارة في طريق حلب ، كي تجيب عن سؤال الذات الشاعرة التي تتحدث عن المتصوف ، بل هو الشاعر نفسه الذي يحمل بنادقه / قصائده وإشاراته الربانية ، كي يلقيها في وجه الحقيقة التي يفر منها الخائفون والتائهون والباحثون عنها في الأرض الخرساء التي لا تجيب أحدا.
انشغل البولاقي بنفسه كثيرا داخل النص الشعري ، حتى أنني وجدته زاهدا في الحياة وكأنه الشاعر الصوفي / الصوفي الشاعر ، كلاهما صديق للآخر يكتم أسراره ، يهمس له ليلا عن حبيباته اللواتي قابلهن في رحلته الأخيرة إلى حلب . والعلاقة القوية بين البنادق والحزن لم تأتِ اعتباطا بل رأيت الوجع المقيم في فوهات البنادق ، والحزن الذي يحمله الشاعر / الصوفي ، ويرجع سبب الحزن إلى الواقع الكئيب الذي فاحت رائحة فساده في كل مكان .وينتهي المشهد بالفعل المضارع المتحرك ( يمضي ) يحمل المضي السرعة في السير والخفة والتسلل ليلا والقطع النافذ والقرار الذي لا رجوع عنه ،فقد تكوَّنَ من خلال هذا الفعل المتحرك مشهدا مؤلما ، حيث البحث عن مكان آخر كي يستكمل البطل النصي رحلته التي لا تنتهي في مكان بعينه ، ونلاحظ وجوده في مكان آخر بالديوان حيث يقول البولاقي :
" أنا سيدُ الأوقاتِ
لكنَّ البلادَ بعيدةٌ
وأنا قريبٌ مِن جراحِي
لا بُدَّ مِن شجَرٍ
وعَشْرِ بَنَادِقٍ
ليغيِّرَ الصوفيُّ وِجهَتَهُ
ويمضي في شوارعَ من دُخَانْ
لا تركضِي خَلفي
إذا ابتدأَ الحنينُ
إلى منازلِنا
وأنكرني المكانْ "
يبدو البطل النصي مفتونا بالبنادق ( الرمز) التي يحملها مطوفا بها من مكان إلى آخر ، حيث إنها كل عدته وعتاده ، وكأن الصوفي الذي يحمل بنادقه في النص الأول مازال يبحث عن شجرات عشر ، وبنادق ، لكن المكان الذي ينكره كل حين مازال يطرح عليه الأسئلة ، لأن الشعرية تحمل في حوصلتها تساؤلات حول ماهية الشجرات ، والبنادق ، والمكان ، فكل كائن من هذه الكائنات يمثل في ظني علامة مهمة من علامات النص ، كي نقارب هذه العلامات ، ونحايلها ينبغي أن نقف عند السرد الشعري المكتنز في دلالات الشجرات العشر / الأيام العشر ، وعاشوراء لدى المذهب الشيعي ، مقتل الحسين ، وحجج موسى عليه السلام . وحادثة الأنكار التي ارتكبها تلاميذ المسيح كما ذكرها الانجيل، وكتب التفسير للعهدين القديم والجديد ، وتحدث عنها علماء اللاهوت وعلماء المسلمين . لابد أن نقف أيضا على تفاصيل تاريخية النص وتوجهاته ، النص عالم مفتوح لدى البولاقي ، حيث يشاهد المتلقي صورة الصوفي الباحث عن الحقيقة ، وصورة المسيح عليه السلام الذي يريد نشر العدل والمحبة بين رفاقه ، ولكن تلاميذه أنكروه قبل صياح الديك كما يقول الإنجيل ، ثانيا ، تتماهى صورة الذات الشاعرة في روح المتصوف ، فيتمزج الجسدان لينتج عنهما نص درامي صرف ، وهنا مربط الشعرية في تساؤلاتها ، لأن الشعرية تكمن في تضفير المفردات والاستعارات والإيقاعات عن طريق السؤال الخفي وراء الشعر نفسه . والسؤال الافتراضي في أنكرني المكان ، وهو لماذا على مر التاريخ المكان ينكر أحبته الخلصاء ؟ المكان في ظني لا ينكر أحدا لمن المعالم التي تسيطر على المكان ، والشخوص الذين تصلبت أجنحتهم هو الذين أنكروا الكيان الحقيقي للوصول إلى قلب الذات الشاعرة في النص ، فهي ذات مجازية تحيا في بدن كل كائن حي يشعر بغيره .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الصورة الشعرية في الشعر العامي ، ترتكز على الانزياح الفني ، لاسيما في قصيدة النثر العامية ؛ لأنها تهتم بتحقق...
كم شغلت حقيقة الموتِ الفلاسفة، ومضتْ تؤرقُ مجاز الشعراء على مختلف العصورِ، فتحدثَ الشعراءُ عن الموت كمعادلٍ للفقدِ في معظم...
حين تقتني ديوان "البيوت الصغيرة" للشاعر أمجد ريان أحمله برفق وأصغ لنبض حرفه ،فإن كل حرف يحمل في طياته تجربة...
في مجموعة قصائد "تفسر أعضاءها للوقت " ينتقل وليد علاء الدين إلى الضفة الأخرى "قصيدة النثر" الصريحة إلى حد بعيد...