في قلب محافظة ظفار بسلطنة عمان، وعلى بعد نحو40 كيلومترا شمال مدينة صلالة، تقع محمية وادي دوكة، حيث تتناثر المئات من أشجار اللبان العريقة في لوحة طبيعية تأسر الألباب وتروي فصولا من التاريخ العماني الضارب في القدم.
هذه المنطقة، التي تم تصنيفها كموقع تراث عالمي ضمن "أرض اللبان" من قبل منظمة اليونسكو، تقف اليوم كجسر بين الماضي والحاضر، بين عبق البخور وتراث الأجداد، وبين خطط التنمية المستدامة التي تسعى سلطنة عمان إلى تكريسها من خلال رؤية 2040.
وتضم محمية وادي دوكة نحو 1230 شجرة من أشجار اللبان المعمرة، بالإضافة إلى أكثر من 8 آلاف شجرة تم استزراعها على امتداد الوادي في مساحة تقدر بـ5 كليومترات مربعة من إحرامات الوادي ، رمز اقتصادي وثقافي خالد منذ آلاف السنين، لم يكن اللبان مجرد مادة عطرية بل كان بمثابة "ذهب الصحراء"، سلعة نفيسة أسهمت في رسم خرائط التجارة القديمة، وربطت ظفار بمدن عريقة مثل: منف في مصر، وحران في بلاد الرافدين، ومدن ساحل الهند والصين.
وكان لوادي دوكة تحديدا دور محوري في تصدير هذه الثروة العطرية، حيث كانت القوافل تنطلق من ظلال أشجاره نحو طرق اللبان الشهيرة التي عبرت الجبال والوديان والصحارى. وهذا الإرث الثمين حفظ في ذاكرة المجتمعات المحلية، التي ورثت تقاليد استخراج اللبان عبر الأجيال، وتناقلته كحرفة أصيلة تتطلب مهارة عالية في التعامل مع الأشجار واحترام دورتها البيولوجية.
وترتفع الأشجار داخل وادي دوكة من بين الصخور، وكأنها تتحدى الجفاف بشموخها، بينما تنحني أخرى في خجل نحو الأرض.. لونها المائل للفضي يتناقض مع لون الرمال الداكنة، وأوراقها الصغيرة تنبض بالحياة رغم قسوة المناخ.
وعلى امتداد خمسة كيلومترات تقريبا داخل حدود المحمية، تتنوع البيئات الدقيقة بين منخفضات تتجمع فيها الرطوبة الموسمية، ومرتفعات مكشوفة للشمس طوال العام، ما يجعل وادي دوكة نموذجا فريدا للتمازج بين الصحراء والحياة.
وليست أشجار اللبان داخل وادي دوكة مجرد كائنات حية تنمو في عزلة بل هي روح الوادي وقلبه..لكل شجرة حكاية، ولكل شق في جذعها ذاكرة من مواسم الحصاد القديمة، حين كان الرجال ينقرونها بخفة ليتساقط منها الراتنج الأبيض، الذي سرعان ما يتحول إلى مادة عطرية يضاهي عبيرها أرقى العطور.
وفي موسم الحصاد، يمكن للزائر أن يشاهد العملية بكامل تفاصيلها: النقرة الأولى، الانتظار لأيام حتى "تبكي" الشجرة، ثم التجميع الدقيق للحبيبات الصمغية.. إنها طقوس مقدسة، يمارسها أبناء ظفار بكل فخر وورع، كأنهم يحيون تقاليد تعود إلى آلاف السنين.
وما يميز وادي دوكة كذلك إحساس العزلة النادرة الذي يمنحه لزواره، بعيدا عن صخب المدن وأسواق صلالة العامرة، ويوفر الوادي تجربة روحية خالصة، حيث يمكن للمرء أن يجلس لساعات تحت ظل شجرة لبان معمرة، يستمع لصوت الريح ويتأمل في صمت حكيم لا يقطعه سوى رفرفة طائر أو حفيف ورقة.
مشروع متكامل للتنمية يقول محمد فرج الإسطنبولي مشرف محمية وادي دوكة إنه في عام 2022، شهد وادي دوكة نقلة نوعية تمثلت في توقيع اتفاقية استراتيجية بين وزارة التراث والسياحة وشركة "أمواج" العمانية الرائدة بمجال العطور، بهدف تطوير الموقع وتحويله إلى مركز بيئي وسياحي وتعليمي مستدام.
وأضاف أن الاتفاقية تمهد الطريق لإنشاء مركز للزوار يعمل وفق أحدث الأساليب التعليمية الصديقة للبيئة، ويضم أركانا تفاعلية تسلط الضوء على تاريخ اللبان وأساليب حصاده وتطبيقاته العطرية والطبية.
وتابع أن المشروع يشمل نظاما رقميا متقدما لتتبع الأشجار باستخدام رموز رز والترقيم الجغرافي، ما يحول وادي دوكة إلى ما يعرف بـ "الغابة الذكية"، وهو ما يعكس تزاوجا فريدا بين الحفاظ على الإرث الطبيعي واستخدام أدوات العصر لخدمته.
ولفت إلى أنه في سبتمبر 2023، انطلق أول موسم حصاد رسمي منظم تحت إشراف علمي دقيق، يراعي الحالة الصحية للأشجار ويحترم دورتها الحيوية، حيث تم تدريب الحصادين المحليين على أساليب دقيقة في عملية النقر; بما يضمن استخلاص الراتنج دون الإضرار بالجذوع أو تقليل عمر الشجرة الإنتاجي، وقد تم اعتماد نظام يمنح الأشجار "فترة راحة" تتفاوت حسب عدد النقرات ونوعيتها وعمقها.
وهكذا.. يظل وادي دوكة أكثر من مجرد موقع طبيعي; إنه مرآة لروح عمان العريقة، حيث تتشابك خيوط التاريخ مع نسائم الأرض، وتتنفس أشجار اللبان عبق الحضارات القديمة وسط صمت الصحراء وهدوء الزمان.
في هذا المكان، لا تكتفي الطبيعة بأن تكون خلفية بل تتحول إلى بطل الرواية، تنطق بلغة الأصالة وتحكي قصة شعب عاش في انسجام مع أرضه..ومن بين جذوع الأشجار وعبير الراتنج، تتجلى دعوة صامتة لكل من يزور الوادي: أن نحترم البيئة، ونصون التراث، ونحمل رسالة الاستدامة إلى الأجيال القادمة.
وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) هي وكالة أنباء مصرية رسمية، تأسست عام 1956
أعلنت الصين إطلاق أول شبكة إنترنت تجارية بسرعة 10 جيجابت في العالم في مقاطعة سونان بإقليم خبي، في خطوة تعزز...
عقد المجلس الأعلى لشئون التعليم والطلاب اجتماعه الدوري برئاسة د.مصطفى رفعت أمين المجلس الأعلى للجامعات ، وبحضور د. قنديل رئيس...
عقدت الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة ، اجتماعا موسعا، اليوم الأحد، لبحث سبل القضاء على أسباب شكاوى المواطنين...
في بارقة أمل جديد للناجين من السكتة الدماغية توصل العلماء الى ابتكار الية جديدة تمكن الناجين من السكتة الدماغية ولكن...