يقول الله عز وجل في سورة الرعد "وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ (33) ".
حول هاتين الآيتين الكريمتين، أوضح الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل، أن فيهما تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عما لحقه من أذى، وبيان واضح بالأدلة الساطعة على وحدانية الله عز وجل، وعلي بطلان الشرك، حيث نجد في قول الله عز وجل "وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ"، تسلية للرسول عما أصابه من حزن بسبب تعنت المشركين معه صلي الله عليه وسلم ، وبسبب مطالبتهم له بمطالب لا علاقة لها بدعوته، كطلبهم منه أن يسير لهم الجبال ، وأن يقطع لهم الأرض، والاستهزاء يعنى المبالغة في السخرية والتهكم، والإملاء يعنى الإمهال لمدة من الزمان.
أما التنكير في قوله الله عز وجل "بِرُسُلٖ" للكثير فقد استهزئ بالرسل من قبله، كما سخر قوم نوح منه عليه السلام كلما مروا به وهو يصنع السفينة، يقول ألله عز وجل "وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُون"، وكذلك سخر قوم شعيب عليه السلام منه، وطلبوا أن يسقط عليهم قطعا من السماء كما أخبرنا الله عز وجل "فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِين"، وغيرهما من الرسل، والمعني: يا أيها النبي لقد استهزأ الطغاة والجاحدون بكثير من الرسل من قبلك، ثم أقام سبحانه وتعالى الأدلة علي الوحدانية ووجوب إخلاص العبودية له عز وجل، في قوله تعالى "فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ" أي: أمهلتهم مدة من الزمان في الأمن والنعيم والرخاء، ثم أخذتهم بغتة أخذ عزيز مقتدر، فانظر أيها العاقل واتعظ وتأمل كيف كان عقابي لهم، فقد كان عقابًا رادعًا دمرهم تدميرًا، والاستفهام للتعجب مما حل بهم وللتهويل من شدة وفظاعة المآل، ونتذكر قول الله عز وجل "وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا"، ورحم الله عز وجل الإمام ابن كثير ؛ فقد أورد عند الحديث عن تفسير هذه الآية الكريمة جملة من الأحاديث الصحيحة، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يُمْلِي لِلظّالِمِ، فإذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ قول الله عز وجل "وكَذلكَ أخْذُ رَبِّكَ، إذا أخَذَ القُرَى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيد".
وتابع شيخ الأزهر السابق في تفسير الآيتين الكريمتين أن قول الله عز وجل "أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَت"، المراد بالقيام هنا الحفظ والهيمنة على جميع شئون الخلق، والمعني: أفمن هو مهيمن على كل نفس، وأنه لا يخفى شيء على الله عز وجل من أعمالها، المقصود من الآية الكريمة إنكار المماثلة والشرك، وأن الملك لله عز وجل وحده العلي العظيم العليم بتلك النفوس، وأن ما يعبدون من دون الله عز وجل لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ويقول عز وجل "وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡ"، والمقصود هنا زيادة في التوبيخ وتسفيه عقولهم، فيقول الله عز وجل لهم: سموها كما تسموها فإنها باطل وأسماء لا حول لها ولا قوة ولا أصل لها، وفي ذلك إشارة إلى عدم الاكتراث بهم، وهذا ما يقال للسفيه عندما يتحدث أن يقول ما يشاء ولا يكترث لكلامه، لأن كلامه لا وزن له ولا خير فيه، والاستفهام للانكار والتوبيخ، وفي قول الله عز وجل "أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡض" نجد أن تخصيص الأرض بالذكر هنا لأن المشركين زعموا وجود شركائهم في الأرض، وفي الآية الكريمة توبيخ للمشركين وإفحامهم، ثم جاء الختام "بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ "، المعنى: دعك منهم أيها النبي ودع مجادلتهم لأنه فائدة من ورائها، لأن هؤلاء ضلوا وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وأن من يضلل الله فلا هاد له، يقول الله عز وجل "مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون".
برنامج (مع القرآن الكريم) يذاع عبر إذاعة القرآن الكريم، إعداد وتقديم سعد المطعني.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يستمع محبو إذاعة الأغانى الأحد ١ فبراير إلى باقة مختارة من أجمل أغانى دلوعة الشاشة المصرية شادية ، و ذلك...
قال الدكتور تامر حجازي، استشاري الزراعة وخبير الزراعات غير التقليدية والبديلة، إن تطبيق نظام "الهيدروبونيك" في مصر، الذي يعتمد على...
أكد السفير ماجد عبد الفتاح، رئيس بعثة جامعة الدول العربية لدى الأمم المتحدة، أن كلمة الجامعة العربية خلال جلسة المراجعة...
أكد الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلاقات الدولية، أن مصر تبذل جهودا دبلوماسية وسياسية حساسة من أجل خفض التصعيد، وإيجاد حلول...