«شفيق نور الدين»: طُفْتُ حافيًا العمـر كله.. وأول حذاء لم يكن مقاسى!

حاوره «خيرى شلبى» قبل 53 عامًا.. بدأ حياته بائعًا للخبز والألبان وملقنًا بالمسرح القومى براتب 3 جنيهات أسس «نقابة الفنانين الفلاحين».. وشروط العضوية توقيع 2 من سائقى الحمير قدم تضحيات كبيرة.. ولم يهتم بها أحد نجاحه فى المسرح بدأ بـ «الخروف» و«أبو شوال».. وراتبه فى عز المجد لم يتجاوز 18 جنيهًا

شفيق نور الدين واحد من جيل لمع فيه الصف الثانى بشدة، بدأ كملقن بالمسرح القومى فى العديد من المسرحيات، وهو حالة خاصة فى السينما المصرية، فمن منا ينسى دوره فى فيلم "مراتى مدير عام"، وفى فيلم "بين السماء والأرض"، أو فيلم "احترس من الحب"، و"إسماعيل يس فى الطيران".. وغيرها.

"شفيق محمد نور الدين خميس" مواليد 15 سبتمبر 1911 بقرية "بيجرم" مركز قويسنا ـ منوفية، والده كان يعمل بتجارة القطن، وكان الابن يصحبه بين المحافظات أثناء قيامه بالعمل، وفى مرة من المرات أثناء تجوله بين المحافظات شاهد الطفل "شفيق" المسرح وعرفه وانبهر به، فعاد إلى قريته وأنشأ مسرحا من أطفال القرية، كان فيه هو المؤلف والمخرج والممثل، وعاش فترة طويلة على هذه الهواية، وبدأت الهواية بداخله تنمو.

 التحق بمدرسة الصنايع، وبعد التخرج فيها سافر إلى القاهرة وعمل فى عدة وظائف حتى استطاع أن يعمل كملقن بالمسرح القومى براتب ثلاثة جنيهات، وكان فى هذه الفترة قد تزوج وأنجب 6 أبناء؛ أربع بنات وولدين، وجاءت فترة انتكاسة المسرح القومى، حيث قالوا للموظفين لن نعطيكم رواتب، وبناء على ذلك بدأ يسعى لعمل يأكل منه عيشا بجانب عمله فى المسرح القومى، ففتح محل ألبان ومحل خبز وانتهى المحلان بالفشل، وظل هكذا يتنقل بين الأعمال حوالى عام ونصف العام إلى أن جاءوا وقالوا لهم فى المسرح القومى سوف نعطيكم مرتبات، وعاد ليعمل كملقن بالمسرح القومى لفترة طويلة، إلى أن غاب ممثل عن دوره فى إحدى المسرحيات، فقال لهم سوف أقوم بدور هذا الممثل، وظهر على المسرح، ومن هنا ترك التلقين وبدأ العمل كممثل، حتى بدأ المؤلفين يكتبوا له أدوارا خاصة به، ومن هنا قدم مسرحيات "عيلة الدوغرى، ملك القطن، أم رتيبة، سيما أونطة، المحروسة، السبتية، سكة السلامة، بير السلم، المسامير، سهرة مع الحكومة، كوبرى الناموس" وغيرها.

أما رحلته مع السينما فقد بدأت بفيلم "إلى الأبد" من إخراج "كمال سليم" فى دور صحفى، كان المشهد يدور بينه وبين المرحوم "عبد العزيز أحمد" و"راقية إبراهيم"، فبدأ يمثل حتى صرخ المخرج "ستوب"، ووقف الاستديو على رجل، جذبه المخرج "كمال سليم" بعيدا، وقال له فى هدوء: "اسمع يا شفيق.. أنت ما زلت متأثرا بالمسرح والسينما مش عاوزة حاجات كتير من اللى بيؤديها ممثل المسرح، عاوز حركاتك وتعبيراتك بسيطة، فبلاش المبالغة".

حصل شفيق نور الدين على العديد من الجوائز، منها وسام الشرف من الطبقة الأولى من الرئيس "جمال عبد الناصر" وكذلك حصل على جوائز من الرئيس "أنور السادات" وكان يحبه جدا ويقدره ويقدر قيمته كفنان، وحصل على جائزة عن فيلم "مراتى مدير عام" وجائزة من المركز الكاثوليكى عن فيلم "القاهرة 30 "

رحل شفيق نور الدين عن عالمنا فى 13 فبراير 1981، وتحتفى "الإذاعة والتليفزيون" به فى ذكرى ميلاده 113 بنشر حوار عمره 53 عاما نشر على صفحاتها فى العدد رقم 1879 الصادر بتاريخ 20 مارس 1971، أجراه الكاتب الكبير الراحل "خيرى شلبى". وإلى نص الحوار:

فجأة.. تحول كوب الشاى الزجاجى إلى كوب من الصاج الأبيض المخربش ذى أذن صغيرة محندقة. وضعتها أمامى على الأرض. حدقت فى المتربع أمامى، وبحث خيالى عن "ركية النار" التى كان من المفروض أن تكون متربعة أمامى تزغرد فيها نار القوالح تحت براد الشاى الذى يكاد من فرط غليانه أن يتحرك ليسابق البخار المتصاعد من صنبوره يملأ الأنوف برائحة الشاى، شاى زمان، ذى الشمخة الحريفة.. أخذت من الكوب رشفة.

ثم قال: اسمى "شفيق نور الدين"..

بطاقة عائلية رقم 14410 باب الشعرية.

مواليد 15سبتمبر عام 1911 بقرية "بجيرم" مركز قويسنا. فى سبتمبر القادم أكمل سن المعاش. متزوج وعندى أولاد ستة، تزوجت واحدة، وتخرجت الأخرى فى كلية التجارة، والثالثة فى كلية الهندسة أما الرابعة ففى الإعدادية. ولى ولد فى الثانوية العامة، وآخر فى الإعدادية أيضا وحلق ذقنه بيده، ثم جلس صامتا.. وجاء موظف من موظفى المسرح القومى وقال: البروفة يا أستاذ شفيق.

فكاد يقفز كأنه سيلحق بالقطار الذى بدأ يدخل المحطة على غفلة.

يظهر حيقروا الجزء الثانى.

ما انت شفتنا واحنا بنقرا الجزء الأول. احنا لسه بادئين من يومين اتنين. لا يهمنى طول الدور أو قصره، إنما يهمنى الدور نفسه..

 جوهرة فى صفيحة الزبالة!!

بداية التمثيل الحقيقية بالنسبة لى بدأت فى الأربعينيات. حينما قمنا بتكوين شعبة للطليعة داخل فرقة المسرح القومى. كانت الحكومة قد أرسلت بعثات إلى الخارج لدراسة التمثيل والإخراج مكونة من مجموعة كبيرة، أذكر منها "محمد الغزاوى وعباس يونس وحسن حلمى وعبد العليم خطاب"..

وآخرين بعد عودتهم من البعثة وجدوا أن "الركنة" فى انتظارهم مع بقية الهواة فى الفرقة الذين كنت أنا واحدا منهم. ذلك أن الفرقة كانت متخمة بالممثلين الكبار، وكان لابد لنا أن نثبت وجودنا بمسرحيات خاصة للهواة الشبان. تحمس "فتوح نشاطى" لفكرة الطليعة وتبناها، وأخرج لنا ثلاث مسرحيات من فصل واحد لكى يعطى الفرصة لأكبر عدد منا.

المسرحية الأولى اسمها "انتحار توت عنخ أمون" ترجمة سليمان نجيب. وزع "فتوح نشاطى" أدوارها: دور الملك لحسن حلمى، والملكة لزوزو نبيل، وخادمة صغيرة لبنت اسمها نادية وفيق.. وبقى فى المسرحية خادم آخر قال الزملاء: أعطه لشفيق نور الدين.

قال فتوح: لا يا أولاد أنا سأجرب شفيق فى دور كبير.

قلت لفتوح: تريد أن تجربنى فى دور كبير، وأنا أقول لك: إذا لم تقل لى انت إننى أحسن الموجودين حتى القادمين من البعثة، فسأدعك وأذهب للعمل فى طابونة؟

بدأنا العمل، وحينما جاء دورى. نظر فتوح إلىّ فى دهشة وقال: الله الله.. دانت كويس.

قلت له: مش كويس بس.. دى مش كفاية على!

فأخذ بعضه وذهب إلى "خليل مطران" الذى كان مديرا للفرقة أنذاك وقال له:

يكفينى فخرا أننى اكتشفت شخصية ولد اسمه "شفيق نور الدين" أعتبره جوهرة مسرحية فى صفيحة الزبالة الخاصة بالفرقة.. إنه ولد عظيم جدا.

خروف.. وأم كلثوم.. وأبو شوال.. بدأ "فتوح نشاطى" يوزع المسرحية الثانية وكان اسمها "خروف" لم يكن دور الأب الذى فيها ينفع لأحد فى المجموعة الموجودة. أسنده- مضطرا إلى "فؤاد شفيق"، وبالطبع كنا نجرى البروفات بلا فؤاد لأنه كالنجوم لا يحضر إلا فى أوقات متباعدة وفى اللحظات الأخيرة.

 فى أحد الأيام لم يكن فؤاد موجودا فقلت لفتوح: سوف أقرأ دور فؤاد إلى أن يجىء وبدأت أقرأ.

وهنا قال فتوح: غريبة.. أننى لن أطلب من فؤاد أكثر من هذا، أو أحسن من هذا.

قلت له: خلاص. ألعبه أنا وتريح الأستاذ فؤاد.

فوافق على الفور، غير أن الأستاذ فؤاد غضب غضبا شديدا، وذهب لخليل مطران شاكيا. فذهبت له أنا الآخر قلت له: إن فكرة الطليعة وجدت أصلا لكى تخدمنا نحن لا لكى نستعين بالكبار. والدور الذى سيقوم به الأستاذ فؤاد، إذا كنت أنا سأحقق فيه نتيجة قدرها خمسون فى المائة ويحقق فيه الأستاذ فؤاد مائة فى المائة فأنا أحق منه.

فقال لى خليل مطران: يا ابنى.. انت أحق به.. أذهب والعب الدور.

وبذلك أصبحت ألعب دورين فى مسرحيتين فى عرض واحد. فى ذاك الوقت كانت البروفة الجنرال فى المسرح القومى تشبه مهرجانا دوليا خطيرا، كان المرحوم "سليمان نجيب" يملأ قاعة المسرح بعلية القوم: تحية ممتازة من الأدباء والشعراء والنقاد والصحفيين ورجالات المجتمع، إلى جانب لجنة المسرح.

قدمنا المسرحية الأولى. كانت دراما. بطولة "يحيى شاهين" وسامية فهمى، ولم تكن من النوع المستساغ فسقطت. وبدأت مسرحية "توت عنخ أمون".

حققت النجاح المطلوب. ليس فى هذه المسرحية وحدها بل فى المسرحية الثالثة أيضا. وما كاد الستار يسدل حتى صعد المرحوم "حسين رياض" إلى خشبة المسرح وقال: مين الولد اللى كان بيلعب دور الكاهن؟

فدلوه علىّ.. فسلم علىّ وقبلنى.. وقال لى: انت كويس جدا.

أثناء عرض المسرحية الثالثة أشار حسين رياض وقال: مين الولد ده؟

فقالوا له: ده اللى عمل دور الكاهن.

وهنا وقف "زكى رستم" فى الصالة وقال بصوت عال: هذا الولد ممثل ثابت القدم.. إنه يقدم نفسه ولا يقدم شغل فتوح.

 وجه الطواف فى متحف 

دخل المؤلف "نعمان عاشور" إلى حوش المسرح القومى، رآنا من بعيد فغير اتجاه مسيره واقتحمنا. أخذ شفيق نور الدين بالحضن وسار يقبله فى حرارة ويقول:

إزيك يا خواف.. وكان شفيق يسلم عليه ويربت على كتفه ويقول: ازيك يا ابنى.

ودخل معنا نعمان عاشور فى حديث جانبى عن هيئة المسرح وعن مسرحية "سر الكون" وكيف أن مجرد الحديث عنها أصبح خطرا. ثم تركنا ودخل إلى المسرح.

وبعد انصرافه قلت لشفيق نور الدين: ألا توجد ثمة علاقة بينك وبين شخصية "الطواف" فى مسرحية "عيلة الدوغرى" لمؤلفها نعمان عاشور.. بصفته من أدوارك الخالدة؟

ابتسم شفيق، وابتسامته غريبة. تتقلص العضلات عند شدقيه، فتثير وجهه بمسحة شاعرية فيها عراقة التاريخ وجلاله، وتستطيل رقبته وتبدو بأعلى الوجه كما لو أن أزميلا نحتها ليضعها فى متحف عالمى عظيم الشأن لكى تمثل شخصية الفلاح المصرى الأصيل. أخذت أنظر إلى هذا الوجه الخرافى الذى لم تستطيع سنوات المدينة -على طولها وعمقها- أن تغير منه شعرة واحدة. أردت بينى وبين نفسى أن أبحث عن السبب، لكنه عاجلنى: تسألنى إن كان ثمة شبه بينى وبين الطواف! على أى حال لست وحدى ذلك الخادم المخلص الأمين، الذى ظل طول العمر يطوف على قدميه حافيا.. وحينما أهداه أحد أبناء الأسرة حذاءا قديما اتضح أنه ليس على مقاسه.

عدت من جديد أبحث عن سر احتفاظ وجهه بريفيته إلى هذا الحد..

 نقابة المعلمين الفلاحين

كان تعليمى الابتدائى فى "قويسنا".. ثم حصلت على الكفاءة من شبين الكوم، تقدمت لمدرسة الفنون والصناعات الملكية بالاسكندرية، ثم حولت أوراقى إلى القاهرة.. ثم تركت المدرسة دون أن أحصل على الدبلوم حيث كان التمثيل قد لطشنى وانتهى الأمر.

كان والدى موظفا فى بنك رينهارت الإنجليزى لشراء القطن المصرى. وكانت له بالفن علاقة تشجيع مثل مشجعى النوادى حاليا. الفرق الجوالة حينما تريد الحضور إلى ناحيتنا تبعث له بالتذاكر فيشتريها ثم يقوم بتوزيعها وبتجميع ثمنها. حضرنى وأنا ممثل كبير وتوفى فى العام الماضى. لم يكن راضيا عن عملى فى التمثيل لدرجة أن حدثت بيننا قطيعة، لم يقتنع إلا أخيرا، بعد أن صار يقرأ الجرائد ويعرف ما هو الممثل حينما حصلت على وسام الدولة كان جالسا فى البيت، ولم يكن عندى تليفزيون فأخذ يسمع الراديو، وفجأة انقطعت الكهرباء فأحضروا له راديو ترانزستور أخذ يستمع إليه واضعا السماعة فى أذنه مرددا: أهه جه.. أهه راح.. مثل مذيع الكورة.

ونحن أطفال، كنا إذا حضرنا إلى القاهرة عايرنا بعض أبناء المدينة بقولهم: يا فلاح، فكان الاعتزاز بريفيتى يزداد، وأرد على ابن المدينة قائلا: أن أصلى معروف وهو أننى فلاح فما هو أصلك أنت أيها الضائع؟ من ذلك التاريخ ظلت أعماقى تتشبث بريفيتى وترفض كل ملامح المدينة رفضا باتا، بعد اشتغالى بالفن اكتشفت أن الفنانين الحقيقيين، الأصلاء، كلهم من أصل ريفى، كونا نقابة سميناها "نقابة الفنانين الفلاحين" على كل من يريد الحصول على عضويتها أن يتقدم بطلب ممهور بشهادة اثنين من سائقى الحمير فى الريف يشهدان بأنه فلاح ابن فلاح، وحدث أن تقدم أحدهم إلى النقابة ولم يكن معه شهود، لكنه استبدل بالشهود شهادة طبية تثبت أنه أصيب بالبلهارسيا مرتين.. فقبل على الفور، كانت النقابة تضم 90% من فنانى البلد، وكانت تحيتنا لبعضنا: سعيدة على الفلاحين.

 المرتب.. والمقاس

قال أحد الممثلين الشبان: مساء الخير يا عمى.

فقال العم شفيق: مساء النور يا ابنى، عملتوا إيه فى البروفة.. على فكرة.. دورك ده أنا كنت بالعبه زمان..

ثم نظر إلىّ قائلا: دور صغير فى مسرحية "سر الحاكم بأمر الله" لعلى باكثير، سبق أن قدمناها ولعبت فيها دورا ما زلت أذكره وعلى الفور تقمص لهجة كان يتقمصها منذ سنوات بعيدة.. وألقى بعض جمل من الحوار الذى كان يلقيه أيامها!! وأضاف قائلا أن كل ممثل يحب أن يأخذ دورا على مقاسه، حسب حجمة الفنى.

قلت له: بهذه المناسبة.. هل تتقاضى مرتبا على مقاسك الفنى؟

فضحك حتى كاد يستلقى على قفاه ونظر إلىّ طويلا، ولم يقل شيئا ربما لأنه كان يريد أن يقول الكثير..

 الخروف.. وأم كلثوم.. وأبو شوال

حينما تكونت الفرقة القومية عام 1935 ضمت إلى عضويتها عددا من الهواة كنت أنا أحدهم وذلك بعد أن عقدوا امتحانا عسيرا فزت فيه بالمرتبة الأولى وتقاضيت مرتبا قدره ثلاثة جنيهات فى الشهر بامتياز عن زملائى الذين كان الواحد منهم يتقاضى جنيهين. كان لابد أن أضمن بقائى فى الفرقة وهذا معناه أن أملأ فراغا، أرادت الفرقة أن تختار ملقنا فعقدوا لنا امتحانا فزت فيه بالمرتبة الأولى أيضا، وأرادت أن تختار ناسا للإدارة المسرحية فعقدوا لنا امتحانا ففزت فيه بالمرتبة الأولى كذلك، وكانت الفرقة تستدعى أستاذا من كلية دار العلوم لتصحيح المسرحيات الفصيحة فكان فى وجودى لا يفعل شيئا أكثر من أن يقابل طاهر حقى _ مدير الفرقة آنذاك_ ويقول له: هذا الولد مثقف وعظيم!

اشتغلت ملقنا وتكونت بينى وبين الممثلين علاقة وثيقة عبر الكمبوشة فشغلتنى عن التمثيل فانتزعت نفسى من الكمبوشة ووقفت على خشبة المسرح ممثلا، فى يوم ما انضمت الفرقة القومية إلى فرقة المسرح الحديث التى كانت كلها من خريجى معهد التمثيل وكانت مرتبات الممثملين تبدأ بـ 15 جنيها فى حين أن مرتبى وصل -بالتيلة- إلى خمسة جنيهات، ومن هنا حدث التفاوت فى المرتبات.

أذكر أن الفرقة فصلت الممثل الهاوى "يحيى شاهين" لأنه غير صالح للبقاء-وكان ذلك قبل انضمام الفرقتين وفى عهد خليل مطران- فذهب "يحيى شاهين" إلى فاطمة رشدى وكتب معها عقدا بثمانية جنيهات فى الشهر واشتغل بالفعل موسما واحدا، فى الموسم الثانى قدم واسطة إلى خليل مطران ليعود إلى الفرقة، وقدم معها صورة العقد.. فعين فى الفرقة بثمانية جنيها على اعتبار أنه نجم فى حين كنت أنا ومحمود السباع بثلاثة جنيهات!!

لم تكن الأمور فى يد واحدة اللهم إلا يد الإقطاع والدكتاتورية، لذلك كان النجاح فى المرحلة الأولى على حسابى.

ظللت ما يزيد عن الخمس سنوات لا أحصل على حقى، مسرحية "خروف" التى فرقعت بالنجاح رفعوها بعد أسبوع واحد رغم سمعتها الجيدة، كل الجمعيات الخيرية آنذاك كانت تستحضر أم كلثوم للغناء وتستحضر معها فرقة تمثيلية لتقدم مسرحية من فصل واحد، فكان الإقبال كله على مسرحية "خروف" اشتغلنا هذه المسرحية حوالى 15 حفلة خيرية مع أم كلثوم لدرجة أنها فى إحدى حفلاتها سألت: أمال فين المسرحية بتاع الليلادى؟

فقالوا لها: خروف.

فقالت: هما مش ناويين "يضحوا" بالرواية دى بقى؟

بعد ذلك ظلت "الهيافة" تلاحق أدوارنا نحن الهواة إلى أن بدأت الفرقة فى تقديم مسرحية "عزيزة هانم" وكان بها دور صعيدى اسمه "أبو شوال" يعمل تومرجيا فى عيادة بيطرية ويحدث بسببه سوء تفاهم كبير جدا فى المسرحية تطلع "فؤاد شفيق" إلى هذا الدور واستولى عليه، لكنه اكتشف سخف نفسه فى الدور فتخلى عنه.. فأسنده المخرج إلى "فاخر فاخر" فتخلى عنه أيضا بعد وقت قصير، فأحضرونى قبل العرض بيومين فى ذاك الحين كان مدير الفرقة رجلا اسمه "محمود الشريف" وكيل وزارة المعارف، بعد وفاة خليل مطران، يوم بروفة الجنرال كنت أصور فيلما مع المخرج جمال مدكور فتأخرت وكانت هناك لوحة معلقة فى المسرح تقول: "من لم يكن حافظا لدوره معنى ولفظا فستضطر الإدارة لاتخاذ أشد الإجراءات ضده" تأخر موعد العرض فخرج محمود الشريف يصرخ فى الصالة "جمال مدكور" اتصل بفتوح نشاطى ورجاه أن ينتظر قليلا.. المهم أننى حضرت بعد أن عرض من المسرحية جزء كبير حيث اضطر فتوح نشاطى إلى تمثيل الدور، وفى الدخلة الثانية مباشرة دخلت أنا بماكياج السينما.. وأحدثت فى الصالة دويا هائلا، لدرجة أن المدير تنازل عن عقابى وانطلقت فى العمل.

 القلق غذاء يومى

قلت للفنان الكبير: ما هو الشىء الذى يؤرقك الآن؟

قال رافعا فى الهواء يدا معروقة: المصير!..

ثم اندفع فى الحديث بلا حساب: والمصير لا يعنى الأيام القادمة فقط بل يعنى الحاضر أيضا، إذا كان الرجل العادى متعبا فى حياته فنحن نعيش التعب مضاعفا، لأن الأجور التى يدفعها الفنان تكون عادة مضاعفة، مصيرى معلق فى الهواء لا أدرى من بيده الأمر، حتى الآن لم أتقاضى مكافأتى ولا أعرف إن كانوا سيضمون لى مدة الخدمة أم لا. سألت.. فلم أتلق إجابة شافية من أحد. فى سبتمبر القادم سأبلغ سن المعاش ولو عرضوا على الاشتغال بعقد عمل فلن أقبل، يكفينى أننى ضحيت تضحية كبيرة جدا لم يهتم بها أحد فى وقت ما كانت الفرقة تقدم فى الموسم الواحد خمس مسرحيات أو ستا وأكون مشتركا فيها كلها. لم أقبل العمل خارج المسرح القومى بمبالغ خيالية وفى النهاية ما هى النتيجة!.. هل هناك تقدير من المسئولين؟.. لا أعتقد!! حينما أنظر لنفسى أجد أن أولادى فى المسرح يتقاضون مرتبا أكبر منى بكثير وأن أسماءهم تكتب فوق اسمى! فهل السبب معهد التمثيل؟ أم الكفاءة؟ أم العلاقات؟ أم ماذا؟! لم ينصفنى أحد سوى "أحمد حمروش" لم أكن أعرفه بعد أن رآنى فى العمل  قال لى: تعال يا شفيق.. أنت مرتبك كام؟

فقلت له: 18 جنيه.

قال لى: إزاى تقبل على روحك كده؟

قلت له: يعنى أعمل إيه.. اقلع الجزمة واضرب نفسى عشرة؟!

فى تلك السنة كان باب العلاوات مفتوحا. طلب لى علاوة قدرها 12 جنيها فاعترضه القانون، وفى النهاية قسموا المبلغ على مراحل، وحينما ترك حمروش الفرقة كان مرتبى قد وصل إلى الخمسين ثم جاءتنى علاوة قدرها أربعة جنيهات وفى الأيام الأخيرة بينما أنا راقدا فى المستشفى جاءتنى علاوة قدرها 12 جنيها وبالرغم من ذلك لم أتساوى مع الزملاء!

قلت له: ما هى أمنيتك الآن؟

قال بصدق : أن أستريح.. وأستريح يعنى أقف على المسرح خالص الفكر إلا من جوهر الدور الذى ألعبه.

قلت له: بالنسبة للمديرين الذين تواتروا على المسرح.. هل أضافوا إليه شيئا؟

قال: لا.. مجرد مديرين فقط، باستثناء حمروش. فى أيامه كان المسرح فى غاية الازدهار.. والذب ليس ذنب المديرين طبعا لأنهم منفذون للأوامر.

وما رأيك فى فرقة الطليعة التى كانت فى المسرح القومى حديثا؟

كانت جديرة بالاستمرار.

ولماذا توقفت؟

لأنها نجحت!!

هل النجاح إيذانا بالتوقف؟

طبعا لأنه ضايق الكثيرين.

ما هو الدور الذى لعبته وتجسد بينه وبينك علاقة وثيقة؟

"قمحاوى أبو إبراهيم" فى مسرحية "ملك القطن" كنت بالفعل أمثل دورى فى الحياة، لأنى فى الفرقة كنت أنتج ولا أحصل على حقى، نفس إطار الشخصية فى المسرحية رجل ينتج لحساب الآخرين!

ما هو تعريفك للشخصية المصرية؟

الطيبة، السماحة، النفس الراضية، نسيان الأسية.. عدم نسيان الفعل الطيب.. تحب أن يكون لها لا عليها.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م