عاش الأديب "يوسف السباعى" فى بيت غارق فى الكتب، فوالده "محمد السباعى" كان أديبا ومترجما متعمقا فى الفلسفات الأوروبية،
وقد ترجم العديد من أمهات الكتب، مثل "رباعيات الخيام" التى نقلها من الإنجليزية إلى العربية، وكان "السباعى" الأب يرسل ولده "يوسف" بالمقالات التى يكتبها إلى الصحف ليتم جمعها وترسل بعدها إلى المطابع، وفى آخر أيامه خلف مخطوطة قصة بعنوان "الفيلسوف" لم يمهله الموت ليكملها، فأكملها ابنه "يوسف" وطبعت عام 1957.
بعد رحيله، حل "يوسف" مكان والده فى كل شىء، فقد كان أكبر أشقائه "محمود" و"أحمد"، وكان "يوسف" فى الرابعة عشرة من عمره، وكان قد تنقل بين مدراس كثيرة، منها مدرسة "وادى النيل" ومدرسة "الكمال" ثم مدرسة "محمد على" وصولاً لمدرسة "الخديو إسماعيل" حتى حصل على البكالوريا من القسم العلمى فى مدرسة شبرا الثانوية عام 1935، وفى مدرسة شبرا الثانوية أعد مجلة صارت محط إعجاب الجميع بالمدرسة، ونشر "يوسف" فى تلك المجلة أول قصة يكتبها بعنوان "فوق الأنواء" عام 1934، وكان عمره وقتها 17 عاما، ثم التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1937، وعام 1940 بدأ بالتدريس لطلبة الكلية الحربية - سلاح الفرسان - وأصبح مدرسا للتاريخ العسكرى بها عام 1943، واختير مديرا للمتحف الحربى عام 1949، وفى عام 1956 عين سكرتيرا عاما للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، ثم سكرتيرا عاما لمنظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية، وفى عام 1960 عين عضوا بمجلس إدارة مؤسسة "روز اليوسف"، وعين رئيسا لمجلس إدارة دار الهلال ورئيسا لتحريرها عام 1971، واختير فى عام 1973 كوزير للثقافة، وفى عام 1976 اختير رئيسا لاتحاد الإذاعة التليفزيون، ثم رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام ورئيسا كذلك لتحريرها، كما انتخب كنقيب للصحفيين.
الأديب الكبير "توفيق الحكيم" أطلق على "يوسف السباعى" لقب "رائد الأمن الثقافى"، وذلك بسبب الدور الذى قام به فى المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، فضلاً عن دوره فى نادى القصة وجمعية الأدباء، وليوسف السباعى العديد من الأعمال الأدبية التى تحولت إلى أفلام سينمائية، منها "إنى راحلة، رد قلبى، بين الأطلال، أرض النفاق، السقا مات، نحن لا نزرع الشوك".
تزوج يوسف السباعى من ابنة عمه "طه"، ورزق منها ابنته "بيسه" وابنه "إسماعيل"، وفى 18 فبراير عام 1978 اغتيل برصاصات غادرة أطلقت عليه فى قبرص بسبب تأييده لمبادرة السلام التى عقدها الرئيس "أنور السادات" مع إسرائيل.
فى الذكرى السادسة بعد المائة لميلاد "يوسف السباعى" ننشر له حواراً نادرا عمره 63عاماً، تحدث فيه عن الحب والعائلة وعن الثقافة، كما تحدث عن رغبته فى تدشين مهرجاناُ دولياً للسينما؛ أجرى الحوار الكاتب الصحفى "حسين قدرى" فى عدد "الإذاعة والتليفزيون" رقم 1295 الصادر بتاريخ 9 يناير 1960.
إلى نص الحوار
قلت ليوسف السباعى: أنت متهم!
قال، وقد فاجأه السؤال: بماذا؟! قلت:
إنها تشنيعة!
وماذا تقول هذه التشنيعة؟! تقول إن صديقين دخلا إحدى دور السينما، وحين بدأ عرض الفيلم قرأ أحدهما فى المقدمة أن مؤلف القصة هو "أرنست همنجوای".. فقال لزميله مندهشا: غريبة الحكاية دى.. ده ثالث فیلم أشوفه لسنة دى للكاتب أرنست همنجوای. فرد عليه زميله هامسا: "أصله سكرتير المجلس الاعلى لرعاية الفنون والآداب فى أمريكا..!"
وضحك يوسف السباعى.. ضحك طويلا، كأنما أعجبته التشنيعة.
ماذا تقول فى هذه التشنيعة؟ أقول إنها تشنيعة كويسة.
أقصد رأيك فيما عنته التشنيعة؟
وکف یوسف السباعى عن الضحك واعتدل فى كرسيه، وقد اكتسى وجهه بطابع الجد.. ثم انفجر:
لقد سمعت هذه التشنيعة من قبل أكثر من مرة.. وأنا أعرف أن التشنيعة يطلقها إنسان ذكى، ولكن هذه التشنيعة بالذات تدل على غباء صاحبها! وأول دليل على غبائه، إننى على استعداد لأن أترك له مقعدی کسکرتیر مجلس الفنون والآداب، لأى مدة يريدها، وأرى كم قصة سيكتبها للسينما، وكم من المنتجين سيتهافتون عليه.. وموضوع هذه التشنيعة سبق أن طرقه زمیلی رئیس تحرير هذه المجلة الأستاذ "حلمى سلام" بعدة غمزات، وقد ناقشته صراحة فى غمزاته، فقد كان يلمح دائما إلى أن أصحاب المناصب الفنية إما أن يتركوا مناصبهم أو يتركوا الاشتغال بالفن، وكان يتخذ من مدحه "لنجيب محفوظ"، لأنه قرر ألا يكتب للسينما، وهو مدير الرقابة، وسيلة لغمز الآخرين وأنا بينهم.. وقد قلت "للاستاذ حلمى" كلاما أحب أن أعيده الآن حتى يقرأه الجميع.
قلت له: إن هناك فارقا بين العمل فى جهة تنفيذية، تشرف على مصائر الفنون، والعمل فى لجان تضع تخطيطات عامة.. وأن اللجان التى أعمل بها، ومن بينها لجنة السينما فى المجلس، ومجلس إدارة مؤسسة دعم السينما، تضم الكثير من المشتغلين بالفن ممن لا غنى للفن عنهم، من بينهم المخرجون أمثال "عز الدين ذو الفقار" والممثلون أمثال "فاتن حمامة" والديكور أمثال "ولى الدين سامح" والمنتجان "حسن رمزى"، و"حسين صدقى"، إذا قلنا لهؤلاء جميعا.. إما أن يكون الاشتغال بالفن، أو يستقيلوا من هذه المهنة، ننتزعهم من ميدان العمل بالفن، وهذا من منطق.. وقلت أكثر من ذلك.. قلت إننى أعمل بها، لأننى أعتقد أن إنتاجى أجدى على الفن.
ثم نعود بعد ذلك إلى صلب التشنيعة صاحبها الذكى لم يفكر فى أن هناك كثير من الفنانين يتهافت عليهم المنتجون نفس تهافتهم على الرغم أنهم ليسوا سکرتيری الفنون والآداب».. (فاتن حمامة)مثلا ليست سكرتيرا له، ونسى صاحب التشنيعة الذكى أن حافظ ليس سكرتيرا لمجلس الفنون والآداب عز الدين ذو الفقار الذى تهافت عليه المنتجون لدرجة أنه مشغول لبضعة أعوام مقدما وأنه لا يجد لديه وقت لأى عمل جديد.. "عز الدين ذو الفقار"، هذا ليس سكرتيرا لمجلس الفنون والآداب.. وأكثر من ذلك، فمنذ بضعة أعوام تهافت المنتجون على "أبو السعود الإبيارى" ولم يكن هناك مجلس للفنون والآداب وقتذاك لكى نتهم "أبو السعود الإبيارى بأنه سكرتيرا له.. ونسى صاحب التشنيعة الذكى أن تهافت المنتجين على يمكن أن يكون - ببساطة- لاننى كتبت قصة "رد قلبی"، وعرضت لمدة ٧ أسابيع، وأننى كتبت "بين الأطلال" وعرضت ٨ أسابيع.. وأننى كتبت "أم رتيبة" وحققت أرباحا خيالية لدرجة أن الفيلم الوحيد الذى حقق أرباحا مثلها فيلم "كوفاديس".
نسى صاحب التشنيعة الذكى هذه الأسباب، وقال "آن همنجوای" أخرجت له قصة فى السينما، لأنه سكرتير مجلس رعاية الفنون والآداب فى أمريكا.. وتساءلت أنت لماذا أقبل المنتجون على، بعد أن عينت سكرتيرا له بمجلس الفنون، وليس بعد أن أخرج لى "رد قلبى و بین الأطلال"، و (أم رتيبة).. وليس رد على ذلك إلا ما قلته من أن أى متسائل صاحب تشنيعة، أو نكتة يعتقد أن السكر السحرى لسكرتير مجلس الفنون يجلب تهافت المنتجين، فليتفضل بالجلوس عليه ويرينا كم قصة سيكتبها ويأخذها منه المنتجون، وسكت (يوسف السباعي) أخيرا.. سكت والغضب يغلى فى صدره.. سکت واسترخى مقعده، وراح ينظر إلى بإمعان كأنما يريد أن يری أثر كلامه فى نفسى.. أو کأنما یرانی لأول مرة.
ثم قال أخيراً..
هههه هاتعملوا تشنيعات تانية؟
قلت ليست تشنيعات وإنما بعض الأسئلة الصغيرة..كاتب القصة فى العادة يتخيل لبطلة قصته صورة معينة رسمها فى خياله ويتعرف ويتحرك مثلها فى قصته، وغالبا ما تتشابه بطلات قصص الكاتب الواحد على الأقل فى الشكل الخارجى، حتى أنها تسمى "بنات أفكار" الكاتب.
من تعتقد أنها الممثلة المصرية التى تشبه إلى حد كبير بنات أفكاره؟
وتنهد يوسف السباعى تنهيدة طويلة قبل أن يقول: الوصف بتاعى دايما يكون من بنت صغيرة فى الحجم، عمرها يكون ١٦سنة، رقيقة، شقراء، والشمس لاطشاها يعنى لونها "خوخى"، وعيناها خضراوان، وأقرب شكلا لبطلات الروايات، فيلتصق فى خياله ويظل منصوره على طول طابع فى ذهن الكاتب، مر به فى تجربة حب وهو.. ييكون من صغير الوصف ده مثلات المصريات ينطبق على الممثلة الصغيرة (زبيدة ثروت)
مهرجانات دولية..
لماذا لا تقيم ج.ع. م. مهرجانا دوليا للسينما، كمهرجانات البندقية، وكان، و سان سیاستیان، برلین.. وما الذى ينقصنا لنقيم أمثال تلك المهرجانات؟
سيقام فعلا فى سينما ريفولى فى ٢٨ فبراير عام ١٩٦٠ مهرجان دولى للسينما.. تشترك فيه ٢٦ دولة أرسلنا ندعوها إلى الاشتراك، وستشترك كل دولة بفيلم واحد فقط.. ولم يقع الاختيار حتى الآن على الفيلم العربى..الذى سيمثلنا فى هذا المهرجان، وسيكون الأستاذ محمد كريم مدير عام المهرجان..والأستاذ جمال مدكور سكرتيرا عاما له.
سألته: مشكلة أصحاب دور العرض؟
هناك اثنان يتنازعان السيطرة على دور العرض فى ج. م. ع ويكونان شبكة احتكارية لها. أحدهما يملك أكثر من ٤٠ دارا للعرض، والآخر أقل قليلا من هذا، ويتحكمان عن طريقهما فى المنتجين والموزعين.
هل من وسيلة للرقابة على هؤلاء الناس والحد من سيطرتهم؟
ورد يوسف السباعى فى لهجة قاطعة:
إن خير وسيلة هى التى نحن بسبيلها الآن فعلا.. وهى عمل العقد الموحد الذى يضمن عـ ـدم سيطرة المحتكر، بتحديد نسب الأرباح لكل من المنتج والموزع، كما أعتقد أن قوة المنتج، والموزع مما يمكن أن يقضى على صاحب وسيطرة دور العرض.. وهناك فكرة أخرى نفكر فيها فعلا.. وهى إقامة دور جديدة للعرض السينمائى.
على أى أساس تختار مؤسسة دعم السينما الأفلام التى تسهم فى إنتاجها؟
- لقد وضعنا مبادئ عامة للفيلم، من النواحى الفنية، والقومية، والإنسانية.. وهناك لجنة مهمتها فحص المشروعات المقدمة، وعرضها على مجلس الإدارة.. وبعد ذلك فالمؤسسة تسهم بـ ٥٠ ٪ من تكاليف الفيلم بعد مراجعة دقيقة لميزانيته على أن يكون المنتج.. بوضع نصف نصيبه من الميزانية فى البنك، بحيث لا يزيد على ۲۰ ألف جنيه.. وإذا كان يزيد فيضع هذا المبلغ فقط، وتدفع المؤسسة مبلغا يعادل مبلغه، وينفق منهما على الفيلم حتى ينتهى المبلغان المودعان فى البنك، فيدفع المنتج بقية نصيبه، والمؤسسة بقية نصيبها ويكمل إنتاج الفيلم.
أغلب ما كتبته أخذته السينما، فما هى قصتك التى لم تمثل بعد، وتتمنى أنت أن تراها على الشاشة؟
إنها تحتاج إلى إمكانيات ضخمة، فهى أول قصة تصور الحرب بطريقة واقعية، وتعرض تفاصيل ودقائق لم تعرض من قبل، وقد أخذ رمسيس نجيب (هذه القصة، ولأول مرة ستجتمع فاتن حمامة ولبنى عبد العزيز فى فيلم واحد.
السؤال الأخير.. ما هى القصة التى تكتبها الآن؟
القصة التى فى ذهنى الآن.. عن جماعة انطلقوا فى صاروخ إلى الفضاء، وعلقوا فى منطقة اللاجاذبية ، ولديهم أجهزة للسيطرة على الأرض وتوجيه البشرية، وتقوم حرب ذرية تفنى البشر جميعا ولا تبقى إلا جماعة محدودة.. وتقضى جماعة الصاروخ وقتها فى توجيه الباقين على الأرض، وإنشاء عالم جديد.
ونظرت فى ساعتى فوجدت أننى أخذت أكثر من ثلاث ساعات من وقت يوسف السباعى، فأسرعت أجمع أوراقى وبعد ثوان كنت على الباب الخارجى للمجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون.. الذى يشغل يوسف السباعى منصب سكرتيره العام.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...
الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...
الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...
محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...