«الرفاعى» صائد الأفاعي.. أيقونة الشهداء ورمز البطولة والفداء

قاد مجموعة "الأشباح" وأدخل الرعب فى قلب العدو..

هو "الرفاعي" صائد الأفاعي

فخر الصاعقة المصرية.. وأحد أهم رموز إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع

رأس الحربة الضاربة فى قلب العدو إبان حربيَ الاستنزاف وأكتوبر.. ذلك البطل الذى قاد المجموعة 39 قتالْ، فأمكنه عبور المحالْ، وخاض ورجاله عشرات الملاحم القتاليةْ، فكبدوا القوات الاسرائيليةْ أضخم الخسائر فى الأرواح والمعدات.

معاً نقلب صفحات سيرته الذاتية، ونقف على أبرز المحطات فى حياته الحافلة بالانتصارات، وصولاً إلى أعلى المراتب وأغلى الأوسمة على مر الزمانْ: وسام الشهادة فى حرب رمضانْ.

ولد الشهيد إبراهيم الرفاعى بمحافظة الدقهلية فى السابع والعشرين من يونيو 1931، لعائلة ينتمى عدد منها للعسكرية المصرية، فالجد هو الأميرالاى عبد الوهاب لبيب والذى خدم معارك الجيش المصرى حتى عام 1914، فعاصر الأحداث الجسام ومنها: الثورة العرابية والاحتلال الانجليزى لمصر.

 وكان للشهيد "ابراهيم" خالان ضابطان، أما والده فكان معاون إدارة فى وزارة الداخلية.. وكان لتلك البيئة العسكرية أثرها فى نشأة "ابراهيم الرفاعي"، الذى عاش إبان سنوات شبابه الأولى أحداث حرب فلسطين، فأقسم أن يثأر لشهداء العرب فى فلسطين.. وما إن أنهى دراسته بالمدرسة الثانوية العسكرية حتى التحق بالكلية الحربية عام 1951، وتخرج فيها ضابطاً فاخراً عام 1954 متفوقاً على جميع زملائه... وما أعمق سيرة البطل ابراهيم الرفاعى حين يأتى توثيقها استناداً لما سجلته هيئة البحوث العسكرية.. تعالوا نعرف ونقرأ المزيد.

 بداية المشوار

فى عام 1955 التحق "الرفاعي" بأول فرقة صاعقة مصرية فى منطقة "أبو عجيلة" بسيناء وجاء ترتيبه الأول بجدارة، وما لبث أن عُين مدرساً بمدرسة الصاعقة، وفى عام 1956 خاض مع من خاضوا غمار التصدى للعدوان الثلاثى على مصر وكان فى سن الخامس والعشرين، حيث كلفته القيادة بواحدة من أهم مهامه الفدائية فى بورسعيد، وهى القضاء على تجمع للدبابات البريطانية داخل معسكر يقع فى مكان فسيح بين البيوت، فخرج على رأس مجموعات فدائية حول مكان تمركز الدبابات، حيث تم قطع جميع الشوارع المؤدية إلى المعسكر.

وصل ابراهيم الرفاعى على رأس أول مجموعة إلى مسافة 50 مترًا من الدبابات، وأطلقوا ثلاثة صواريخ لتفجر ثلاث دبابات، وعلى أثرها ارتجت المدينة وهرع الجنود البريطانيون من العمارات المحيطة، فأطلق عليهم ابراهيم ورجاله نيران الرشاشات؛ فى نفس الوقت تم تدمير ست دبابات أخرى، وانسحبت قواتنا، وكان إبراهيم آخر من غادر المكان بعد أن اطمأن على انسحاب كل مجموعة من مواقعها سالمة بدون خسائر، وبقى إبراهيم داخل المدينة يشارك المقاومة الشعبية حتى وقف العدوان والانسحاب من بورسعيد.

 حرب اليمن

جاءت حرب اليمن لتزيد خبرات ومهارات البطل أضعافاً، حيث تولى خلالها منصب قائد كتيبة صاعقة بفضل مجهوده والدور الكبير الذى قام به وتحققت الانتصارات من خلال المعارك التى شارك فيها، حتى إن التقارير التى أعقبت الحرب ذكرت أنه ضابط مقاتل من الطراز الأول، جرئ وشجاع ويُعتمد عليه، ويميل إلى التشبث برأيه، محارب ينتظره مستقبل باهر.. وخلال عام 1965 صدر قرار بترقيته استثنائياً تقديراً للأعمال البطولية التى قام بها فى الأراضى اليمنية.

 فى أعقاب النكسة

بعد نكسة يونيو 1967، تشكلت النواة الأولى لمجموعة قتالية فدائية كان عدد أعضائها عشرة أفراد فقط  بقيادة العقيد أركان حرب ابراهيم الرفاعي، وكانت أولى العمليات التى كُلفت بها المجموعة هى تدمير مخازن الذخيرة والأسلحة فى منطقة الجدى حيث قام العدو بتجميع الأسلحة المصرية التى تم الاستيلاء عليها بسيناء كى يتم نقلها بالقطار إلى إسرائيل، ووصلت مساحة تجميع الاسلحة لنحو 1.5 كيلومتر مربع.

لتنفيذ المهمة، اختار "الرفاعي" ضابطين من خيرة قوات الصاعقة، وهما الملازمان "رأفت" و"بهجت أحمد" لقيادة مجموعتين قتاليتين، وحدد لهما موعد العملية، واصطحب الرجال إلى منطقة البحيرات المُرَة، حيث عبروا وتسللوا فى خط دفاع العدو من ثغرة كان الرفاعى قد حددها أثناء الاستطلاع، وكان كل فرد من أفراد المجموعتين يحمل على ظهره من 20 إلى 25 كيلو متفجرات كيميائية شديدة الانفجار.. وصل الأفراد إلى صناديق الذخيرة وأسرعوا بوضع المتفجرات.. ثم توالت الانفجارات المدوية، فاصبحت سيناء كتلة من اللهب، وتخيل العدو أن هناك انفجارًا ذرياً قد حدث.

 بعد وقت ليس بالقصير فهمت قوات العدو المتمركزة حول المخازن الموقف، فأسرعت بسياراتها بعشوائية لمطاردة أفراد المجموعتين الذين كشفتهم أضواء الانفجارات.. وقبل أن يصلوا لهم تدخلت مجموعة الستر والحماية وتعاملت مع جنود العدو فأمكنها أن تقضى عليهم، ووصلت المجموعتان إلى الشاطئ واستقلوا الزوارق إلى الضفة الغربية، حيث كان قائدهم ابراهيم الرفاعى فى انتظارهم، ووقفوا جميعاً يمتعون نظرهم بتلك النيران المشتعلة.

 تشكيل المجموعة 39 قتال

مع بداية عام 1968 بدأت هجمات إبراهيم الرفاعى ورجاله تتزايد، ولم يكن قد فكر بعد فى اختيار اسم لمجموعته القتالبة، وعندما تقرر إطلاق اسم عليها عُرفت باسم "المجموعة 39 قتال" واختار البطل "الرفاعي" شعار رأس النمر رمزاً لها، وهو نفس الشعار الذى اتخذه البطل أحمد عبد العزيز الذى استشهد أثناء تصديه لقوات العدو الإسرائيلى خلال معارك حرب فلسطين عام 1948.

 عملية لسان التمساح

عشرات العمليات الفدائية نفذتها المجموعة 39 قتال خلال حرب الاستنزاف ومن بينها كمثال: عملية لسان التمساح.. فى أعقاب استشهاد الفريق عبد المنعم رياض فى التاسع من مارس عام 1969، صدرت التعليمات للعقيد ابراهيم الرفاعى ومجموعته بالانتقام، فاختار عددًا من ضباطه وهم (محيى، وسام، رجائي، محسن) وانطلق بهم إلى الإسماعيلية، حيث مقر إرشاد هيئة قناة السويس، وفى ذلك المبنى المرتفع استطلع الرفاعى الموقع الذى انطلقت منه دانات العدو.. وعاد وضباطه إلى القاهرة وطلب كل منهم مجموعة من الصف والجنود للاشتراك فى العملية وأمرهم بتدريبهم.

فى الوقت نفسه، بنى سلاح المهندسين العسكريين نموذجاً مطابقا للموقع بناءً على الرسم الكروكى الذى وضعه الرفاعي، وانتقل بضباطه وبمجموعاتهم من الأفراد إلى منطقة صحراوية بمصر تشبه الأرض التى ستتم عليها العملية، حيث أمضوا ما يقرب من شهر فى التدريب على اقتحام الموقع.. وفى 17 أبريل 1969 غادر "الرفاعي" وقوته مرة أخرى إلى الإسماعيلية، وكانت القوة مكونة من الضباط الأربعة إضافة إلى ضابط استطلاع وأربعين فرداً، وعسكر الجميع فى مبنى الارشاد بالإسماعيلية المواجهة لموقع لسان التمساح الإسرائيلي.

قام القائد إبراهيم الرفاعى وضباطه باستطلاع موقع العدو مجدداً، واطمأن على أنه لم يتغير، وتناول الجميع طعام الغذاء سوياً ضباطاً وأفراداً، ثم اجتمع البطل الرفاعى بقيادة المجموعات لإجراء التلقين النهائى لعملية الإغارة.

حينما حل الظلام، أعطى "الرفاعي" أمره إلى المدفعية بقصف موقع العدو بالضفة الشرقية للقناة، وكان تراشق المدفعية فى هذا الوقت يعتبر شيئاً عادياً، وكان من الطبيعى أثناء قصف المدفعية أن يختبئ أفراد العدو داخل المخابئ، وكان مقصودًا بذلك أن يدخل أفراد الموقع المستهدف داخل الدشم ولا يخرجوا منها طوال فترة القصف. وأثناء القصف، عبر الرفاعى بمجموعته إلى الضفة الشرقية فى اتجاه موقع لسان التمساح، ووصلت الزوارق إلى الموقع، وبعد إشارة من ضابط الاستطلاع اتجهت كل مجموعة بقائدها نحو الدشمة المكلفة بتدميرها، وبدأ الأفراد يلقون القنابل اليدوية من فتحات التهوية بالدشم، وقطع أسلاك التليفونات، وقام الضابط بحرق العربات الموجودة بالموقع، وإسقاط العلم الاسرائيلي، وتدمير المدافع، إلا أن كل ذلك لم يدفع أفراد العدو للخروج من الدشم، فبدأت المجموعات تستخدم نوعًا من القنابل الحارقة، وقاموا بإلقائها داخل الدشم.

لم يتحمل أفراد العدو درجات الحرارة فخرجوا من الدشم هاربين كالفئران لتحصدهم طلقات أفراد المجموعات، وبذلك تمكنت المجموعة من القضاء على الموقع بالكامل، وكانت محصلة العملية قتل 26 فردًا هم كل قوة الموقع، وبعد الاستيلاء على الموقع بالكامل، وتم نسف المخازن إضافة إلى نسف مدرعتين وقتل طاقمهما نتيجة لغم تم زرعه بجوار الموقع قبل الانسحاب، وكان آخر من انسحب هو البطل إبراهيم الرفاعي.

 مواقف لا تُنسى

فى عملية أخرى استقل الرفاعى مع أفراد مجموعته ثلاث طائرات هليكوبتر، وأثناء تحرك الطائرات فوق خليج السويس ظهرت طائرات العدو المقاتلة، وبدأت فى إلقاء المشاعل، فطلب الطيار من البطل إبراهيم الرفاعى العودة لكنه أكمل طريقه لم يثنه شئ عن التوجه إلى هدفه مهما كانت الظروف.

أثناء الإغارة على موقع عيون موسى بالصواريخ فى 5 يونيو 1969، نصبوا عدة صواريخ تنطلق طبقًا لجهاز زمني، وبعد عودتهم رصدوا إنطلاق عدد من الصواريخ وتعطل الآخر، وبالرغم من خطورة الموقف فإن إبراهيم الرفاعى أصر على العودة ليصلح أجهزة الإطلاق، ويراه الرجال متقدماً فيصحبونه وتنجح مهمتهم.. وتنطلق الصواريخ الأخرى.

كان البطل إبراهيم الرفاعى يقدم على أخطر العمليات، حتى قال عنه البعض إنه (مِحَجِب).. لقد تناقلت أخباره ومجموعته الرهيبة وحدات القوات المسلحة، ولم يكن عبوره هو الخبر، إنما عودته دائماً ما كانت المفاجأة، فبعد كل إغاره ناجحة لمجموعته تلتقط أجهزة التصنت المصرية صرخات واستغاثات جنود العدو، وفى إحدى المرات أثناء عودته من إغارة جديدة قدم له ضابط مخابرات هدية، وكانت عبارة عن شريط ممتلئ باستغاثات العدو وصرخات جنوده كالنساء.

  عملية الكارنتينة

هاجم إبراهيم الرفاعى والرجال رصيف الكارنتينة الواقع على خليج السويس، وتسللوا إلى السقالات الموجودة ولغموها من الجانبين وتراجع الرجال إلى خط الانسحاب رقم 1، وبدأ "إبراهيم" يراقب الرصيف منتظرًا انفجار الألغام وفجأة دوى الانفجار لكن اتضح أن الجانب الأيمن انفجر أما الأيسر فلم ينفجر، وهنا قرر الرفاعى الصعود إلى الجانب الأيسر الملغم، والذى قد ينفجر فى أى لحظة.. أشعل فتيلا يؤدى إلى الألغام.. وفى هذه اللحظة بدأت دبابات العدو فى التقدم على البر وأطلقت مدافعها على أفراد المجموعة.. عادت المجموعة للقوارب وبدأوا التحرك.. لم يكلف الرفاعى شخصًا آخر بالصعود إلى الجانب الملغم إنما صعد هو عندما شعر أن هناك أحدًا يمكن أن يموت.. لا يقبل أن يُقال فيما بعد أنه دفع أحد رجاله للموت.. وكان آخر مقاتل ينسحب هو "الرفاعي".. وكثير ممن عرفوه يقولون إنهم كانوا يشعرون أن ثمة قضاءً مؤجلًا باستمرار بالنسبة له.

 مبادرة روجرز

فى أغسطس عام 1970، وبعد أن تزايدت وتيرة العمليات الخاصة التى نقذتها القوات المصرية فى عمق سيناء، ومع تزايد خسائر إسرائيل البشرية لم يكن أمامها إلا الاستعانة بالحليف الاستراتيجى (الولايات المتحدة) وتقدم وزير خارجيتها "وليم روجرز" بمبادرة وقف إطلاق النار، والتى رحب بها الرئيس جمال عبد الناصر لكى يستطيع مهندسونا إقامة حائط الصواريخ للتصدى للطائرات الإسرائيلية التى استباحت سماء مصر وعمقها حتى وصلوا لنجع حمادي.

 بعد اتفاقية وقف إطلاق النار تم تقييد جميع أعمال قتال القوات المسلحة فى العمق، إلا أن العقيد أركان حرب ابراهيم الرفاعى كان له رأى آخر.. كانت المجموعة 39 قتال كجمر مشتعل لا ينطفئ ولا تقلل عزيمة رجالها أى مبادرات أو عروض لوقف إطلاق النار.. كانت هى المجموعة الوحيدة التى سمح لها الرئيس جمال عبد الناصر بكسر اتفاقية روجرز لوقف إطلاق النار، عندما تم تغيير اسم المجموعة 39 قتال إلى "منظمة سيناء العربية" وسمح لها بضم مدنيين وتدريبهم على العمليات الفدائية، وتم تجريدهم من شاراتهم ورتبهم العسكرية ليمارسوا مهماتهم بحرية خلف خطوط العدو، وقاموا بمشاركة الفدائيين فى عدة عمليات قضت مضاجع العدو حتى بعد وقف إطلاق النار حتى إن عملياتهم وصلت حتى غور الأردن شرقا.. قاموا بمهمات خاصة واستطلاع لأرض المعركة تمهيدًا للتحرير، وأطلق عليهم الجيش الإسرائيلى فى تحقيقاته فيما بعد (مجموعة الأشباح)، وفى أكتوبر 1973 استردوا شاراتهم ورتبهم العسكرية واسمهم القديم (المجموعة 39 قتال).

 حرب أكتوبر

دق جرس التليفون فى مقر قيادة المجموعة 39 قتال، ورد العقيد الرفاعى فكانت العبارة الوحيدة المتبادلة: "مبروك الحرب قامت"، وكُلفت المجموعة بتنفيذ عدة عمليات قتالية ضد أهداف معينة على خليج السويس.. كان لدى الرجال خبرة عالية ودقيقة بكل شبر فيه.. من أحد المطارات تحركت ثلاث طائرات هليكوبتر مثبت على زواياها بجوار أبواب الطائرة مدافع الجرينوف.. لقد تقرر ضرب منطقة بلاعيم تنفيذًا لقرار الرئيس أنور السادات بحرمان العدو من بترول سيناء.

 عملية بترول بلاعيم

كانت تعليمات "الرفاعي" واضحة (إذا لم نجد مقاومة فسننزل ويتم تلغيم الثكنات، لكن إذا واجهنا مقاومة فسنغير على الموقع بالطائرات)، طارت الطائرات مسافة زمنية طويلة على ارتفاع 10: 15 مترًا.. عبرت الطائرات الخليج واقتربت من اليابسة.. قرر قائد الطائرة التى يتواجد بها البطل الرفاعى أن يقوم بالالتفاف فيبدو كأنه قادم من سيناء المحتلة، لكن العدو انتبه ففوجئ الرجال بالصواريخ المعادية.. لجأت مجموعة الرفاعى إلى ضرب الصهاريج بالصواريخ وضرب أفراد العدو بالرشاشات.. اشتعلت مستودعات البترول ومنشآته بنيران عالية لدرجة أن الحرارة ارتفعت بشكل رهيب حول طائرة إبراهيم الرفاعي.

 عملية شرم الشيخ 7 أكتوبر

اشترك فى هذه العملية جميع ضباط المجموعة 39 قتال، وأكفأ صف ضباطها.. كان الرفاعى قد خطط لتلك العملية قبل الحرب بسنة كاملة، وفيها تقرر إبحار 6 لنشات من "الغردقة" إلى "شرم الشيخ" لمسافة 110 كيلومترات.. كان ارتفاع موج البحر الأحمر قد وصل لنحو 8 أمتار، واستمر زمن الإبحار لمدة 8 ساعات انقلب خلالها أحد القوارب وأصبح انقاذه معركة متكاملة.. تقرر العودة إلى جزيرة "شدوان" واتخاذها كقاعدة انطلاق مع تلافى الأخطاء .. ذهب العقيد إبراهيم الرفاعى إلى الغردقة وعاد ببعض المعدات للرجال، ثم اختار أربعة قوارب وتم تقليل الحمولة بعد الإبحار.. اكتُشفت الزوارق بواسطة الطيران الإسرائيلي، واستمر الرجال فى طريقهم وهم يكبرون تكبيرات صلاة العيد (الله أكبر كبيرًا) وظهرت لنشات العدو.

أصدر القائد الرفاعى آخر إشارة فى تلك الليلة (استعد للاشتباك)، كان يستقل القارب الأول أما القارب الثانى فيقوده ضابط شرف عمره 43 عامًا وأب لعدد من الأبناء، القارب الثالث يقوده المقاتل "أبو الحسن"، والرابع يقوده المقاتل "وسام".. وأصبحت المسئولية ملقاة على عاتق قادة القوارب بشكل تام بعد إصدار إشارة الهجوم وبعد عدة مناورات معقدة قام بها كل قارب منفردًا أمكن تجنب لنشات العدو وتفادى نيران مدفعيته التى أطلقها من على البر، والعودة إلى القواعد التى تم الانطلاق منها.

 وعلى الرغم من أن المجموعة لم تهاجم هدفها المحدد وهو شرم الشيخ، إلا أن ظهورهم فى هذه المنطقة أحدث إرباكاً شديداً فى صفوف القيادة الإسرائيلية، وكان موشى ديان يشرف بنفسه على عملية التصدى للزوارق ويتواصل عناد "إبراهيم الرفاعي" فعاد ليضرب رأس محمد بالصواريخ فى يوم 10 أكتوبر.

يوم 14 أكتوبر، قاد البطل الرفاعى رجاله لضرب منطقة البترول فى بلاعيم بمدافع مضادة للدبابات.. تم الهجوم فى هذه العملية بطريقة معقدة.. أبحرت زوارق المجموعة فوق منطقة مليئة بالشعاب المرجانية.. تمكنوا من الاقتراب من الشاطئ الشرقى لخليج السويس.. أصابوا أنابيب البترول إصابة مباشرة.

يوم 15 أكتوبر أغار الرجال على منطقة الطور وتصدى لهم العدو بمقاومة عنيفة.. وفى اليوم التالى قاموا بنفس المحاولة وعبروا الخليج فى قوارب مطاط حتى تتفادى أجهزة الرادار المعادية.. تمكن الرجال من إصابة الهدف بدفعة من الصواريخ أعقبها بعد 10 دقائق إصابة ذات الهدف بدفعة صواريخ أخرى.

 ضرب مطار الطور

وفى يوم 17 أكتوبر هاجم "الرفاعي" ورجاله مطار الطور بالصواريخ الثقيلة وكان قد بقى على يوم الجمعة الموافق 19 رمضان يومان فقط.. يحكى المقاتل "أبو الحسن" أحد رجال الشهيد الرفاعى يحكى عن تفاصيل عملية مطار الطور فيقول: كان لدى الإسرائيليين فى المطار ممران للطائرات أحدهما خداعى يتم إضاءته والآخر حقيقى تُطفأ أنواره باستمرار حتى لا ينكشف، وكانت هناك سفينة غارقة أمام المطار فوصلنا إليها وظللنا فيها أسبوعًا كاملًا لاستطلاع موقع المطار، واكتشفنا حقيقة المطار الخداعي، وبعد أن قمنا بالاستطلاع نفذنا عملية لضرب الممر الحقيقى والدشم ومخازن الذخيرة عن طريق صواريخ الكاتيوشا التى أحضرنا قواعدها من قاعدتنا ووضعناها على المركب وركبنا فيها صواريخ وقتية.

كنا قد عرفنا أسلوبهم وتصرفاتهم بعد قيامنا بعمليات الهجوم على مواقعهم فقد كانوا يحضرون بعد القيام بالهجوم ليعرفوا حجم الخسائر والإصابات.. وبعد ساعتين تقريبا من الضرب كان يأتى عدد من القادة لمعرفة ما حدث، فخططنا العملية بحيث نقوم بضربهم بالصواريخ الوقتية لتحدث إصابات لديهم، وبعد نصف ساعة نضرب بصواريخ أخرى لنصيب الذين حضروا لمعرفة الاصابات، ثم نضع الصواريخ التوقيتية ونضبطها على توقيت معين، ونترك الموقع لأنهم غالبا ما يكونوا قد اكتشفوا مكاننا، لتضرب الصواريخ وحدها بعد رحيلنا وتصيب القادة الإسرائيليين، وقد كان.. ونفذت العملية بهذا الشكل وكان منها 10 قواعد صواريخ بكل قاعدة 8 صواريخ وكبدناهم خسائر ضخمة فى الطائرات والأفراد والقيادات والذخيرة.

 عودة الأشباح

ومن ضمن العمليات التى لا تُنسى لمجموعة "الرفاعي" عملية ميناء الطور.. يواصل البطل "أبو الحسن" سرد بعض تفاصيلها بقوله: تقرر ضرب القاعدة البحرية بمنطقة الطور بالـ "آر بى جي" والصواريخ، فخرجنا فى قواربنا من الغردقة ثم إلى جزيرة شدوان، وكان بينها وبين ميناء الطور 90 كم.. فى طريقنا مرت فوقنا طائرة إسرائيلية فتلقينا أوامر من "الرفاعي" بإيقاف القوارب فوراً حتى لا ترانا الطائرة، فتوقفنا لمدة ربع ساعة، ودارت الطائرة فوقنا عدة دورات ثم رحلت فتحركنا لوجهتنا واعتقدنا أنها لم ترانا، وكانت الحقيقة أن الطيار رآنا وصورنا وأبلغ قيادته فقام العدو بعمل كمين داخل الميناء ووضعوا به 8 دبابات فى حالة استعداد وجهزوا قوارب الـ "شيربور" الفرنسية وكانت سرعتها وحجم تسليحها يبلغ 20 ضعف قوارب الـ "زودياك" التى نستخدمها، وكنت قائد أحد القوارب التى اشتركت فى العملية، وكان بكل قوارب الـ "زودياك" خزان احتياطى للوقود وقاعدة صواريخ، وكان هناك فرد مكلف بتغيير خزان الوقود عندما ينفذ الأول، اسمه "محمود الجلاد"، فطلبت منه ونحن فى الطريق أن يغير الخزان، وأثناء قيامه بذلك رأى اللنشات قادمة فأخبرنى بذلك، وكان "الرفاعي" قد رأى اللنشات قادمة وأبلغنا باللاسلكي، ولكن كان الإسرائيليون قد شوشوا على أجهزة اللاسلكى فلم تصل لنا أوامر "الرفاعي"، وقلت للجلاد: اترك الخزان، وفوجئنا أننا نتجه مباشرة فى اتجاه القوارب الإسرائيلية، وهم يتجهون لنا، فأصبحنا مثل كبشين يستعدان للتناطح.. وفجأة اتخذ قاربان من قواربنا اتجاه اليمين، واتجه قارب "الرفاعي" لليسار فى اتجاه الدبابات الموجودة بالميناء، وكان قاربى هو الرابع، ففوجئت بلنشات الـ"شيربور" الإسرائيلية أمامي، فقمت بالالتفاف وانطلقت فى الاتجاه العكسى وورائى اللنشات الإسرائيلية، وفجأة فرغ خزان الوقود، وتوقف القارب لأن "الجلاد" لم يستطع تركيب الخزان الاحتياطي، وعندما توقفنا توقفت القوارب الإسرائيلية لأنهم اعتقدوا أننا نعد لهم كمينا، وكان هذا توفيق من الله.. وقمنا بتغيير الخزان وانطلقنا مرة أخرى فى مسار متعرج لكى لا تصيبنا طلقات الرشاشات الموجودة على اللنشات الإسرائيلية، وأخذت أبحث عن النجم الذى نهتدى به فى مسارنا وقلت للجندى المسئول عن الـ "آر بى جي" أن يضرب، وقررت أن أخرج الصواريخ وأضرب بها، ولكن الصواريخ عندما تنطلق تصنع قاذف نار من 30 – 40 متراً، ومعنى ذلك أنها ستشعل القارب، وكان معنا خزان الوقود فألغيت الفكرة، وكان معنا بالقارب قاعدتين للصواريخ، فقررنا أن نلقى قاعدة منهم فى الماء لنُخفف وزن القارب ونجرى أسرع، وبمجرد أن طلبت إلقاء القاعدة فوجئت بأحد الضباط على القارب يحملها وحده (كان وزنها نصف طن) وألقاها فى المياه.. والغريب أنه كان نحيف الجسم ولا أعرف حتى الآن كيف حملها وحده.

وصلنا إلى منطقة تقع قبل الغردقة، وكان "الرفاعي" قد وصل قبلنا، وقام بتغيير جهاز اللاسلكى بجهاز آخر وتواصل معى عبر موجة أخرى، وقال لي: لا تدخل الغردقة.. كان الإسرائيليون فى هذا اليوم يقومون بعملية ضد الغردقة وتلقوا أوامر بإيقاف العملية وانتظارنا ونحن عائدون.. المهم أن الرفاعى كان قد رأى قواربهم عند دخوله الغردقة، فاتصل بى وقال: "خلى ودنك معايا.. هات الناس وتعالى".. وكنت أسير بأقصى سرعة بجوار الجزيرة التى كان من المفترض أن ننزل فيها وكنت أتساءل: ماذا يحدث.. لأن قوارب الإسرائيليين رأتني، وكانت تنطلق خلفي، وفوجئت بعدها بالقوارب المصرية خلفهم، واكتشفت أن القائد "الرفاعي" وضعنا كطعم لاصطيادهم ليستطيع أن يصيدهم، وأمرنى أن أتجه بأقصى سرعة لليسار، والقارب المصرى الآخر لليمين.. وقام هو بضرب القوارب الإسرائيلية، فأغرق لنشاً، وأصاب آخر، وفر القارب الثالث عائداً إلى الطور.

 وسام الشهادة

وما زلنا مع المقاتل "أبو الحسن" والذى رافق البطل الرفاعى فى جميع عملياته، والذى وثقت هيئة البحوث العسكرية شهادته عن القائد الرفاعى بقوله: كنا بعد كل عملية كأننا نولد من جديد، فكنا ننزل فى إجازة ولكن بعد أحداث الثغرة عدنا إلى مقرنا.. ووجدنا الرفاعى قد سبقنا، وفوجئنا أن هناك سلاحًا تم صرفه لنا وكله مضاد للدبابات، وكانت الأوامر أن نحمل السلاح على السيارات ونعود مرة أخرى إلى الإسماعيلية.. دخلنا المدينة ورأينا الأهوال.. كان العائدون من الثغرة سألونا: "أنتم رايحين فين" وكنا نسأل أنفسنا نفس السؤال.. كنت أجلس فى آخر سيارة ذخيرة، وكان ذلك خطرًا لأن أى كمين يقوم بالتركيز على أول وآخر سيارة.. ورأى أحد السائقين 3 مواسير دبابات إسرائيلية تختفى وراء تبة رمال، وكانوا ينتظروننا بعد أن رأونا وكنا متجهين لمطار فايد، وأبلغنا السائق باللاسلكى وصدرت الأوامر بالتراجع فنزلت من السيارة بسرعة لأننا كنا نسير فوق مدق وحوله رمال، وكان الإسرائيليون يزرعون الألغام فى تلك الرمال، فحاولت توجيه السائق حتى لا ينزل على الرمل وهو يدور بالسيارة، ولكن السائق رجع بظهره بسرعة ووراءه بقية السيارات.. وعدنا إلى الإسماعيلية.

جاء أمر بأن نعود لمنطقة فايد مرة أخرى فعدنا وودعنا بعضنا قبل الدخول لأننا أيقنا أننا داخلون على الموت، ودخلت السيارة تحت الشجرة، وترجلنا ومعنا أسلحتنا وقررنا أن نفعل شيئًا ذا قيمة قبل أن نموت.. وفوجئ اليهود بما ليس فى بالهم، وبدأنا فى التدمير، وصعد أربعة من فوق قواعد الصواريخ، وكان "الرفاعي" من ضمننا، وبدأنا فى ضرب دبابات العدو، فبدأوا يبحثون عن قائدنا حتى لاحظوا أن "الرفاعي" يعلق برقبته ثلاث أجهزة اتصال، فعرفوا أنه القائد، وأخرجوا مجموعة كاملة من المدفعية، ورأيناهم، فقفزت من فوق قاعدة الصواريخ وقفز زملائى ولم يقفز "الرفاعي"، وحاولت أن أسحب يده ليقفز ولكنه رفض أن يقفز وظل يضرب فى الإسرائيليين حتى أصابته شظية فأنزلناه وطلبنا أن تحضر سيارة عن طريق اللاسلكي، وكنا نشك أن أى سائق سيحضر، ولكن سائق اسمه "سليم" حضر بسرعة بالسيارة، ووضعنا الرفاعى فيها، ولكن السيارة غرزت فى الرمال، فنزل السائق وزميله لدفعها وقدتها ودارت السيارة ولم أتوقف حتى يركبوا معى من شدة الضرب الموجه، فتعلقوا فى السيارة وسحبتهم ورائي.

ذهبنا لمستشفى الجلاء وحضر الطبيب وكانت الدماء تملأ صدر "الرفاعي" فأدخلناه غرفة العمليات، ورفضنا أن نخرج فنهرنا الطبيب، فطلبنا منه أن ننظر إليه قبل أن نخرج فقال: أمامكم دقيقة واحدة، فدخلنا إليه وقبلته فى جبهته، وأخذت مسدسه ومفاتيحه، ولم نستطع أن نتماسك لأننا علمنا أن الرفاعى قد استشهد.. وكان ذلك يوم الجمعة الموافق 27 رمضان فى التاسع عشر من أكتوبر 73.. كان العميد الشهيد "الرفاعي" صائمًا، فقد كان رحمه الله يأمرنا بالإفطار ويرفض أن يفطر.. تسلمنا جثته بعد ثلاثة أيام.. وفى حياتنا لم نر ميتا يظل جسده دافئا بعد وفاته وكانت تنبعث منه رائحة المسك.

تقديرًا لبطولاته فى الميدان، كان الرفاعى قد حصل على الترقية الاستثنائية.. ونوط الشجاعة مرتين.. ووسام النجمة العسكرية ثلاث مرات.. إضافة لحصولة على نجمة الشرف.. وأضيف لهذا التكريم حصوله بعد حرب أكتوبر على وسام نجمة سيناء التى تمنح لمن قاموا ببطولات خارقة.. لكن التتويج الأكبر كان حصوله على وسام الشهادة حتى صار أيقونة لمعنى التضحية والفداء والمجد.

Katen Doe

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شهيد3
شهيد

المزيد من سياسة

اعتماد برامج لتمكين الشباب العربى فى مواجهة التحديات

عقد مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب اجتماعه التاسع والأربعين بمقر جامعة الدول العربية برئاسة دولة الإمارات ممثلة في الدكتور (أحمد...

مجلس النواب يستعد لفصل تشريعى مهم وأجندة حافلة

يبدأ مجلس النواب فصلا تشريعيا هو الثالث من عمر المجلس، بعد أن انتهت اطول انتخابات برلمانية شهدها التاريخ السياسي المصرى...

تقارير استخباراتية تكشف خطة ترامب لتأسيس «إيران جديدة » على طريقة فنزويلا

واشنطن تمهِّد للهجوم بخريطة إلكترونية لمراكز القيادة والسيطرة العسكرية فى إيران الولايات المتحدة فشلت فى إقناع خامنئى ب «الكأس المسمومة»...

رموز فلسطينية تكشف كواليس عبور غزة للمرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب

الرقب: حماس وافقت على نزع سلاحها.. وإسرائيل ترفض الانتقال إلى المرحلة الثانية سلطان: مصر أحبطت مخطط تصفية القضية الفلسطينية.. وترامب...