ترحال:من دفتر طفلة بورسعيدية- حكاية الأيام السبعة.. من العبور إلى الرجوع

ها أنا كلما حل شهر أكتوبر، لا أملك سوى الرحيل -رغما عنى- إلى تلك الأماكن المظلمة من القلب، والتجول فيها بحرقة من يبحث عن سبب للبكاء عليه، رغم أن لديه فى السر آلاف الأسباب، ولأننى أملك ذخيرة ثرية من الأسباب الموجبة للبكاء سرا وعلانية،

 فدائما ما تقتحمنى الدموع؛ لتتربع على عرش عيونى، منذرة إياى بأنها سيدة أيامى فى هذا الشهر، ليس هربا من ذكرى نكسة قادتنا على شاحنة التهجير إلى مدن أخرى، وتآكلها الزمن، وباتت مجرد سطور يعبرها التاريخ -كما عبر جنودنا القناة بعدها محققين نصرا عظيماـ لكنه مجرد تنازل عن بعض الألم، لأفسح مكانا لقليل من الأمل، يمكن أن يقود خطواتى باتجاه غد لم أعد أملك منه الكثير لنفسى، فأحاول أن أبدو تلك العصية على نوائب أمس، لكننى ما ألبث أن أضبط نفسى متلبسة بجرم رفض الرحيل عن مرافئ ذاكرة تنوء بحملها الثقيل.

وقصة أكتوبر التى أعود إليها اليوم فى دفترى الصغير؛ بالرحيل إلى ذكريات مرة وحلوة عشتها حربا وانتصارا، ذاق طعمه وطنى يوما بعد هزيمة، ليست مثل أى قصة، إنها قصة ثمانية أيام عشناها بعد لحظة العبور.

وها أنا أجوب شوارع رأس البر التى شهدت أيام تهجيرنا من بورسعيد بعد نكسة ١٩٦٧، كطفلة تحوم حول المكان الذى شهد أيام براءتها وصباها، أحاول أن أتذكر كيف استقبلنا هنا لحظة العبور، وكيف عشنا أيام ما قبل العودة إلى بلدنا الأم؟

كل ما أذكره أنه كان يوما غير أى يوم، يوما غيّر حياة الأمة العربية كلها.. وبالنسبة لنا كان بداية تحقيق الحلم والعودة إلى بلدنا بورسعيد، ففى يوم السادس من أكتوبر 1973 وفى الثانية ظهرا، بدأت معركة النصر، أبى كان فى بورسعيد وقتها لا نعلم عنه شيئا، كانت تأتينا أخبار بأنهم بدأوا يسمعون فى بورسعيد طلقات المدفعية المصرية تدق خط بارليف وتحطمه، والطائرات المصرية تعبر من فوق المدينة، متجهة إلى قلب سيناء المصرية، تحطم حصون العدو ومواقعه، فى حين كانت القطع البحرية للقوات المصرية تنطلق إلى عرض البحر، لتضرب مواقع العدو على شاطئه فى سيناء، وعبر الجندى المصرى محمد أفندى ليصل إلى المنطقة الشرقية للقناة، ليرتفع الهتاف عاليا "الله أكبر.. الله أكبر" وبذلك عادت الأرض إلى حضن أمها مصر.

 لقد مر اليوم الأول، ونحن نتابع أخبار هذه الملحمة الكبيرة بفخر وفرحة لا مثيل لهما، الزغاريد علت فى البيوت، كل المهجرين نزلوا إلى الشوارع يغنون ويرقصون احتفالا بالنصر، لم ينم أحد فى المدينة حتى صباح اليوم التالى ٧ أكتوبر، ظللنا نتابع معركة قوية فى "رأس العش" كان يقودها العميد صلاح عبد الحليم، حتى سقط هذا الموقع الحصين، وفى بورسعيد كما حكى لنا أبى  الذى ظل مع المستبقين، فإنهم أتوا بالأسرى الإسرائيليين إلى موقع داخل المدينة وسط تهليل وهتاف المستبقين والقوات المسلحة. لكن إسرائيل لم تسكت، حاولت أن تنال من صمود شعب وجيش بورسعيد فى اليوم التالى ٨ أكتوبر، فخرجت طائراتها الساعة 5.20 مساء لتضرب الأهداف المدنية، حتى إنها ضربت أهدافا فى شارع الجمهورية وبورفؤاد، فى محاولة للتأثير على الروح المعنوية للشعب، لكن ذلك زاد عزيمة وصمود الشعب والجيش.. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن العدو حاول ضرب الأهداف المدنية مرة أخرى بإلقاء فوانيسه المضيئة ليلا،  فأصاب "مستشفى الدليفارنت" والمنطقة المحيطة به، وسقط عدد كبير من الشهداء، واستمرت محاولات إسرائيل فأخذت تضرب حتى مواسير المياه، ولكن الشعب البورسعيدى الذى سبق ولقن العدو درسا لاينسى فى ١٩٥٦ كان لا يستسلم أبدا، فأثناء الغارة كانت  تتوجه فرق الإصلاح تشق شوارع بورسعيد  فى فدائية كاملة وسط نيران القنابل لإصلاح ما أفسده العدو، كانت إسرائيل تضرب مواقع توليد الكهرباء، فيتوجه العمال للإصلاح دون خوف من قنابل العدو، تضرب خطوط التليفونات، فيتوجه العمال للإصلاح، فى بطولة ووطنية.

ولم تتوقف محاولات إسرائيل عن الهجوم على بورسعيد، فحاولت إنزال وحدات من أفرادها فى شرق بورفؤاد، لكن المدفعية الساحلية لقنتها درسا لن تنساه، فعاد الإسرائيليون يجرون أذيال الخيبة من أمام شواطئ بورفؤاد.. كذلك حاولت إسرائيل أن تدفع بضفادع بشرية لضرب وحدات القوات البرية فى ميناء بورسعيد، فاصطادهم أفراد القوات البحرية المصرية، وأخذوا يحملون جثثهم ويطوفون بها فى شوارع المدينة وسط تهليل المواطنين.

لقد اتخذت غرفة العمليات أو لجنة المعركة قرارها: "الاستعداد التام لمجابهة أى إنزال أو أى محاولة لدخول المدينة فى ثبات وقوة" واستمر القصف الجوى الإسرائيلى بكثافة كبيرة على المدينة حتى إنهم بدأوا يلقون قنابل "البلى" والشراك الخداعية، لكن على الرغم من ذلك فإن صمود الشعب والقوات المسلحة كان يزداد، والعزيمة تقوى والالتحام بين أبناء المدينة وقواتها المسلحة يزداد قوة.

وتمر أيام المعركة وإسرائيل مصرة على ضرب المدنيين، حتى إنها قبيل وقف إطلاق النار بيوم واحد قامت بتوجيه ضربة كبيرة للمدينة فى قلب شارع الحميدى، ذى الكثافة السكانية الكبيرة، فاستشهد البعض وأصيب البعض الآخر، وبدأت المستشفيات فى استقبال الكثير من العسكريين والمدنيين، لتبدأ معضلة جديدة؛ فمخزون المستشفيات من الدم لا يكفى لتعويض ما خسره المصريون من دماء على يد العدو، وهناك حاجة إلى كميات من الدماء للمصابين، فأرسل المسئولون إلى مراكز التهجير فى الدقهلية ودمياط يطلبون دماء لإنقاذ المصابين، فلم تتردد بل أرسلت أضعاف أضعاف ما طلبت بورسعيد من دماء أبناء تلك المحافظات وأبناء بورسعيد من المهجرين الذين لم يترددوا فى التبرع بدمائهم من أجل إخوانهم، مدفوعين بحسهم الوطنى وحنينهم لأرضهم الأم.

ورغم احتمالية التعرض للاستشهاد فى أى لحظة، فإن ذلك لم يوقف أحدا عن أداء واجبه، غارات مكثفة من الطائرات على المنطقة التى تقع بها غرفة العمليات الرئيسية، فى محاولة لضرب الغرفة، فتصيب القنابل المنازل المحيطة ويستشهد مهندس المياه، ومع حلول الليل ضرب العدو موقع الترسانة فى بورفؤاد، وأسرع عمال الهيئة وأجهزة الإطفاء والدفاع المدنى للسيطرة على الموقف بسرعة، من دون إحداث خسارة كبيرة، مما زاد من غضب العدو، فتوجه بطائراته لتضرب نقطة الإطفاء فى بورفؤاد، كما تحطمت بعض السيارات والأجهزة، وأصيب واستشهد عدد من الجنود.

هكذا كانت الأمور تسير فى بورسعيد الصامدة القوية.. نسبة كبيرة من المبانى السكنية والخدمات تأثرت بفعل العمليات الحربية سواء بالقصف أو بالتفجير حتى إن مسجد بورفؤاد الرئيسى أصيب بقنبلة مباشرة، والكنيسة اليونانية فى شارع سعد زغلول أصيبت ـ أيضا.. لم يكن العدو يفرق بين الكنيسة والمسجد فى قصفه لبورسعيد، أو بين ما هو مدنى أو عسكرى، فقد أصابته الهزيمة باللوث والهذيان.

 فور بدء العمليات الحربية بالنسبه لنا كمهجرين، ظل دخول بورسعيد حتى يوم 6 يونيو 1974 بتصاريح خاصة، حتى عقد الرئيس الراحل أنور السادات مؤتمرا شعبيا شهده المشير أحمد إسماعيل وأعلن فى المؤتمر سقوط التصاريح، ومع انتهاء المؤتمر ومغادرة الرئيس بورسعيد فى الثانية بعد الظهر، توالى دخول المهجرين إلى بورسعيد من ناحية الغرب، لقد كان مشهدا استثنائيا، فالرجال والشيوخ ينحنون ليقبلوا تراب بور سعيد فيما النساء تزغرد والأطفال الذين ولدوا فى الغربة فرحون يمرحون متطلعين لمستقبل جديد، فقد زالت سنوات التهجير والغربة، ومع أن المدينة لم تكن مهيأة لاستقبال هذه الأعداد منهم، فإنهم تحملوا وصابروا وثابروا، حتى كتبت لهم الحياة من جديد على أرضهم.

نبضة مسافرة

جاى الصباح يا بلدنا جاى الصباح.. الليل رواح يا بلدنا الليل رواح..

إيد بتبنى يا بلدنا وإيد ع السلاح.. والزرع الأخضر يا بلدنا عطره

«من أغانى السمسمية»

Katen Doe

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية- هل تتعافى غزة ؟!

بدأت غزة تنفيذ المرحلة الثانية من خطة إعادة الإعمار المصرية، التي تم اعتمادها في مؤتمر شرم الشيخ بقيادة الرئيس عبد...

السعادة ممكنة - دائرة ضوئية تمنحنى ثقة أستاذى دكتور مراد وهبة

دائرة صغيرة مضيئة شغلتني لا تابع حركتها على الحائط فأجدها مرتبطة بحركة يدى اليسرى...

نحو الحرية - سوريا.. أزمات لا تنتهى

ما يجرى فى سوريا اليوم لم يعد حربًا تقليدية بقدر ما هو إعادة ترتيب معقدة لخرائط النفوذ ومحاولة تثبيت أمر...

حكايات عادية جداً- نوح «19» كن جميلًا

أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...