يا الله، ماذا تفعل بى؟ تخيلت أشياء كثيرة عن حياتى، رأيتنى سجينًا وقتيلًا ومجرمًا ومجنونًا وراهبًا وملقى فى الشوارع يتحسس طعامه، لكننى لم أتخيل نفسى قط فى مثل هذا الاختبار، ضع نفسك مكانى: كيف لرجل، مطارد، يعيش فى الجبل، لا يقدر على المبيت مع أمه المريضة وأخته العاجزة، أرضه مسلوبة، والسالبون يعيثون فى الأرض فسادًا، لا يتحدثون سوى بالبنادق. ماذا يفعل إذا جاءت شقيقتهم، لتحتمى به.
ماذا أفعل معها وهى التى رفضتنى حين طلبتها للزواج، دهست قلبى، ولن أخجل منك، إن قلت إنها أهانتنى، لأنها بنت مدارس، بينما بالكاد أفك الخط، طردنى إخوتها، ذهبت أمد يدى إليهم بالحب والسلام فهددونى بالقتل والحرب.
ها هى أختهم، جاءت تركض بثوبٍ ممزق وشعرٍ منفلت، وأنفاس لاهثة لا تجد لها مأوى، لماذا ساقها الله لى؟ وماذا يريدنى أن أفعل؟
صحبتها أعلى الجبل، خطوة بخطوة، أشعلت النار، وصنعت الشاى، ووضعت أمامها كل ما لدىّ من ملابس، كى تغير جلبابها المبلول، وحين رأيت الخوف فى عينيها، تركت لها المكان، كى تكون على راحتها، قلت سأكون أسفل الجبل، ولن أصعد إليها إلا إذا حل النهار.
كانت ليلة باردة، لكنها اشتعلت بمشاعر وأفكار متضاربة، من صاح بداخلى: "دعها تُواجِه مصيرها، كما تُركت لمصيرك"، ومن كان يهمس: "ألم تتمن يومًا أن تمدّ يدك لها إذا تعثّرت؟ ها هى مكروبة، فهل ستتركها؟".
ظللت تائها، فلم أشعر أننى أجلس فى الطين، لم أفق من الأفكار التى راودتنى إلا بظهور الشمس، وقتها داهمتنى صورة الشيخ نعيم، لا شخص يمكن لى أن أتحدث معه فى تلك المصيبة غيره.
ماذا يريد الله منى؟ سألته فابتسم، وراح يطلب من ولده اللبن والشاى.
يُجيعنى مرّة ويُشبعنى مرّة، يكرمنى مرّة ويهيننى مرّة، يقول لى مرة: نم فى الخلاء، ومرة ينوّمنى على الفراش ويطعمنى الطيب، ومرّة يطردنى الطرد العنيف، ماذا يريد الله منى؟
ادعه لتعرف؟
وبماذا أدعوه؟
ادعه بالهداية، ألا يضيعك، أن يحميك من سوء الاختيار.
وماذا أقول؟
توضأ، وصلِّ ركعتين لله، ثم اجلس وصلِّ على النبى. وناجى ربك بما فى قلبك أو قل مثلما كان يقول أبوالحسن الشاذلى رضى اللّه عنه: اللهم إن الأمر عندك وهو محجوب عنّى ولا أعلم أمرا أختاره لنفسى، فكن أنت المختار لى، احملنى فى أجمل الأمور عندك، وأحمدها عاقبة فى الدين والدنيا والآخرة، إنك على كل شىء قدير.
تركنى الشيخ نعيم لنفسى، وخرج يتابع أخبار المتضررين من السيل للمساعدة، بعد أن جرفت المياه المندفعة بيوت الفقراء الواهية، وكان قد أخبرنى: الحمد لله أنه لم يمض سوى فى طريق واحد، وإلا لضاعت ضرار كلها.
أتممت صلاتى، وعدت إلى الجبل، وفى قلبى راحة وقرار أن أجعل عفاف تعود إلى أى أحد من أقاربها، لتبحث عن حل بعيد عنى، عدت للجبل وحين صعدت للمخبأ، ووصلت مدخله، تنحنحت، صفقت بيدى، ثم ناديت عليها كى تسمع، وحين لم أتلق إجابة، تقدمت خطوة اثنتين، دخلت المخبأ ولم أجدها، أهربت؟، أيكون الله استجاب لدعواتى بإبعادها عنى؟ لكن كيف نزلت من الجبل؟، لا أحد يستطيع النزول والصعود إلا إن حفظ الخطوات، لا يمكن أن تحفظها من مرة واحدة، ومع أننى كنت قد تمنيت ألا تكون موجودة، غير أننى فى تلك اللحظة، شعرت بالخوف عليها.
لم تستمر الأسئلة كثيرا، فحين التفت من طاقة النور الصغيرة فى المخبأ، وجدتها بالخارج، خفت أن تنزلق قدمها فى أى وقت وتقع، فخرجت لإعادتها، اقتربتْ منها، رأتنى ولم تقل شيئًا، فقط نظرت، قلت بهدوء: "تعالى"، ولم ترد، ربما كانت تفكر فى التخلص من حياتها، هاجمنى هذا الخاطر، ولم أتخلص منه إلا بعد أن أمسكت بيدها، ويا ليتنى لم أفعل.
أيقظت هذه اللمسة مشاعر قديمة تخيلت أنها ماتت، أربكتنى، كانت يدها ترتعش.
لا تخافى
ماذا ستفعل بى؟
العمل عمل ربنا.
لتفعل أى شىء غير إعادتى إلى إخوتى، اقتلنى إن أردت، لكن لا تعيدنى إليهم.
وهل تفرق أن قتلتك أنا أو قتلوكِ هم؟
تفرق كثيرا، ستكون أرحم منهم.
أعطيتها شاشا كى تلفه على رأسها، بدا عليها جلبابى طويلا بعض الشىء، فى النهاية، لن يراها أحد من بعيد امرأة، انتهزت انشغال ضرار بالسيل، صحبتها إلى بيوت العرب، أدخلها الشيخ نعيم عند أهل بيته، بعد أن اتفقنا جميعًا، وبموافقتها، ألا تخرج نهائيًا من البيت، ففى خروجها ليس خطرا عليها فقط، بل على العرب أجمعين.
طمأننى رضوان على أمى وأختى، كان السيل رحيما بهما ولم يصل إلى بيتنا، أمى قالت لرضوان أن يسألنى، إن كنت أرغب فى الزواج مرة أخرى أم لا؟، لم تفقد صابرة الأمل فى أن يكون لى قطيع من الصبيان، مع أنها تعرف أن الوضع الحالى لا يتحمل نكسات أخرى.
لم أرد على رضوان، فهو يعرف الإجابة ولم يكن مقتنعًا بالسؤال من الأساس، ولم يحمله إلا من باب الأمانة. أغلقنا الموضوع سريعًا، فهناك ما هو أهم، نحن نحتاج لمعلومات ورجال وسلاح، لا بديل عن مواجهة أولاد عمى، لا طريق آخر لاستعادة الأرض غير ذلك، لا كبار يمكن الاستناد إليهم فى حلول سلمية، ضرار باتت منفلتة، كل واحد فيها كبير نفسه.
لا أحب هذا الطريق، لكنها الأقدار.
نجح رضوان فى أن يصل إلى جلسات أولاد هنية، من خلال تجنيد واحد من رفقائهم، وقد علم أنهم يخططون لسرقة مقطورة على أبو همام، وهو شاب مكافح، أهله طيبون، يأكلون طعامهم من سواعدهم، ولا يتدخلون فيما لا يعنيهم.
بعد صلاة العشاء بساعة، قررت النزول إلى البلد، تسترت بالظلام، حتى وصلت مندرة ناس همام، بعد أن علمت أن عليا يبيت وحده فيها.
عرفت أنه مستيقظ من صوت التسجيل الذى يصدح بالمواويل:
فقير عطاه الكريم جلابية، الخلق قالوا منين؟
إن كان قدر على التمن، حق الخياطة منين
لو كان حرامى مكناش قلنا جابها منين
دا كلام مثبوت من فكرى لكم يا عم
مروى من البال زى بحر فى الأواخر عم
من صغر سنى ما قلتش للجبان يا عم
آدى البلا عم، البركة هتجينا منين.
ضع يدك على المصحف يا على واحلف أن ما سأقوله لك لن يخرج عنا، وسأضع يدى على المصحف وأحلف أن كل كلمة سأقولها لك حقيقة.
قل؟
مقطورتك، اليوم غدا أو بعد غد، سيتم سرقتها، غير مكانها، سلامُ عليكم.
حاول على أن يُبقينى لبعض الوقت، عرض علىّ توصيلى بجراره، غير أن خطوتى كانت أسرع من عروضه.
بعد أربعة أيام، مر اللصوص أمام بيته، ولم يجدوا المقطورة التى خططوا لسرقتها، فأخذوا واحدة أخرى قابلتهم فى الطريق، ومن يومها، أصبح على أبو همام واحدا من رجالى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا
ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...
في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...
لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...