«عبد الناصر» و«خروتشوف» وراء احترافه للمهنة
يُعرض "الباليه" فى دور الأوبرا والمسارح الكبيرة، وجمهوره من النخبة الذين يرتدون ملابس محددة عند الذهاب للاستمتاع بحفلاته، والأمر لا يختلف كثيرا بالنسبة لفنانى الباليه أيضا، فحركات الراقصات والراقصين الرشيقة المتناغمة ليست عفوية أبدا، إنما تجرى وفق نظام ودقة وخفة على مشط القدم، وهذا الأمر يتطلب حذاء من نوع خاص ليس فيه أدنى مجال للخطأ؛ حذاء مصنوع بأصابع احترفت هذا النوع من التصنيع، فضلا عن إلمامها بفن الباليه نفسه.
ظل "محمود صالح" يصنع أحذية فراشات البالية طوال نصف قرن تقريبا، ويمكننا القول إن أحذيته جابت بلدان العالم بمختلف قاراته، لكنه الآن لا ينظر إلى الأمر إلا باعتباره مصادفة، قال: "كان والدى يعمل فى ورشة صناعة الأحذية بمنطقة الحسين، وعائلتى برمتها كانت من صانعى الأحذية، لكن أغلبهم تخصص فى صناعة أحذية كرة القدم إلى أن حدثت نكسة 1967 التى تسببت فى إيقاف كل الأنشطة الرياضية، وأصبح كل الدعم موجها للمجهود الحربى، وكانت عائلتى تعيش بين العتبة والحسين، فى آخر سنة 1966 عرض على مسرح الأوبرا القديمة مسرحية لفرقة باليه روسية اسمه "باليه لافورت باخش سراى" وكان الرئيس جمال عبد الناصر يستضيف الرئيس الروسى خروتشوف لمشاهدة العرض، ومن المعروف أن عروض الباليه الهامة تستلزم وجود المكوجى والترزى والجزمجى خلف الستار، فربما يحدث أمر طارئ ويحتاج أى شىء إلى الإصلاح، لكن حدث قبل العرض مشكلة فى ستار المسرح قبل رفعها، وهو أمر فى غاية الإحراج، خاصة مع وجود الرئيس عبد الناصر وضيفه خروتشوف، وكان المسئول يبحث عن شخص يقوم بإصلاح الستار، ودله عم عبده المكوجى على والدى الذى جاء مسرعا وأصلح الستار بسرعة دون أن يتقاضى أجرا".
ويستطرد صالح فى سرد حكايته قائلا: "فى اليوم التالى اتصل به مسئول بدار الأوبرا حتى يشكره لإنقاذه الموقف، وسأله عن مهنته فأخبره بأنه "جزمجى" وكان وقتها هذا المسئول عائدا من إيطاليا، ومعه أحذية يريد إصلاحها، وكان والدى ماهرا جدا فى إصلاحها لدرجة دفعت المسئول لأن يطلب من والدى السفر معه إلى إيطاليا، لكن رفض والدى الفكرة لأنه كان يعول أسرة كبيرة، وأراد هذا الشخص أن يقدم مكافأة لوالدى، وكانت المكافأة هى التعيين فى معهد الباليه".
"كان العاملين بمعهد الباليه من الروس، فطلبوا من والدى أن يصنع حذاء للباليه، ولم يأخذ الموضوع فى يده كثير مما تسبب فى دهشة الخبير الروسى".. هكذا قال صالح، لافتا إلى أنهم أطلقوا على والده لقب "الخبير المصرى" نظرا لمهارته.
وواصل "صالح" حكايته مع صناعة أحذية الفراشات، قائلا: "وقع عليّ الاختيار للخروج من المدرسة من بين أشقائى فى المرحلة الإعدادية، وذلك لألتحق بورشة معهد الباليه وأساعد والدى، والحقيقة أنى كنت طالبا متفوقا وحاولت أن أدرس فى المدارس الليلية، لكن فارق السن بينى وبين الطلاب الملتحقين بهذه المدارس كان أحد المعوقات، فقررت التركيز فى المهنة التى وقعت عقدها سنة 1968 بأجر تسعة جنيهات ونصف الجنيه شهريا، وكنت وقتها رياضيا وأمارس حمل الأثقال، لذلك أخطرت وزارة الشباب المعهد بالأيام التى أتدرب بها لاعتبارها إجازة من العمل بورشة المعهد وأحصل عنها على أجرى كاملا.
ضحك عم "محمود صالح" قائلا: "من العجائب أنى جزمجى باليرينا، لكن عندما التحقت بالجيش سنة 1972 انضممت لفرقة خبراء الألغام، وكنت أتدرب على التفجير وعمل ستائر الدخان ضد العدو، وعندما أذهب للورشة أمسك بحذاء راقصات الباليه".
واستطرد العم "صالح": "كنت أهوى الفنون الشعبية، وبعد إنهاء الخدمة العسكرية سنة 1977، طلب مدير الفرقة القومية للفنون الشعبية منى أعمال فى ورشة صغيرة بمسرح البالون؛ كانت ورشة خاصة بأحذية الرقص للفنون الشعبية، وكانت كل محافظة لها طلب مخصوص، محافظات بحرى وقبلى والبمبوطية بمحافظات القناة، وكان المسرح بمثابة سوق عكاظ فيه كل الفرق، وتعرفت على السيدة فريدة فهمى، وعملت لها حذاء أعجبها جدا، ولمحه فى يدها الفنان محمود رضا وأعجبه لذلك اختارنى لصناعة أحذية فرقة رضا".
قال "صالح" إن حذاء الباليرينا من قماش "الدك" وليس فيه يمين أو شمال، وهو حذاء للتدريب، أما حذاء الحفلات فيصنع من الساتان ويسمى "البوات"، وهى أحذية خاصة بالرقصات الصعبة وترتديها الفتاة فى البداية لتتحمل التدريبات، أما حذاء "الديميه" فهو المخصص للتدريب، وحذاء "الكاركتر" لرقص التانجو والإسبانيولى، وأشار إلى أن السر فى وقوف الباليرينا على مشط القدم يكمن فى الورق المقوى المحشو به الحذاء، وقال "صالح" ضاحكا: "أنا بلا فخر الوحيد فى العالم الذى يصنع حذاء الرقص الصعيدى الذى يتكون من قطعة واحدة فقط".
أصبح "محمود صالح" صاحب مدرسة فى هذا الفن، نظراً لخبرته الطويلة فيه، وبالرغم من تجاوزه العقد السابع من العمر، إلا أنه لا يزال يمارس المهنة بعشق، فهو لا يتخلف أبدا عن ورشته العتيقة فى حى العمرانية، ويجلس بالساعات ليعمل بصبر وتفانٍ حتى صار أحد الجنود المجهولين خلف كل عرض راقص نستمتع به، ربما ننظر إلى أحذية الفراشات الراقصات فى العروض، لكننا لا نعرف صاحب الأنامل الذهبية الذى صنعها بمهارة وخبرة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
قضى الطاعون على أصحابه جميعا و بقى هو مسجل أثر برقم 72 وكان فترة من الوقت مقرا لنقابة الأثريين
من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...
د. حمدى: ارتفاع الأسعار فى مصر ينتج عن عوامل اجتماعية وسلوكية وليست اقتصادية فقط العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية...
المريخى: أسوان بطبيعتها تحتضن حضارات متعددة.. والنوبيون أول من استوطنوها حلمى ياسين: التحطيب والحنة والسيرة الهلالية جزء أصيل من الهوية...