رفاعة الطهطاوي سبق الدكتور هيكل في كتابة السيرة النبوية بمنهج علمي

حقيقة تاريخية مجهولة ..

صار من المعروف – تاريخيا - أن د. محمد حسين هيكل - مؤلف "زينب" كأول رواية مصرية بالأسلوب الأدبي الحديث - هو نفسه أول من كتب السيرة النبوية بالمنهج العلمي الحديث، وذلك في كتابه الأشهر "حياة محمد صلي الله عليه وسلم " الذى رد فيه على الشبهات التي أثارها المستشرقون بنفس منهجهم العقلي، ولكن الخبير الإعلامي  " فاروق أبو زيد " يصحح لنا التاريخ باكتشاف أول كتاب في السيرة النبوية في العصر الحديث بقلم رفاعة رافع الطهطاوي ، الذى لم يكن فقط رائد حركة التنوير في العصر الحديث ، بل كان أول من تناول سيرة الرسول بالمنهج العلمي الحديث بعد أن توقف المؤرخون منذ المقريزي عن تناول السيرة قبل أربعة قرون ، ليفتح الطهطاوي الطريق من جديد لكتابة سيرة الرسول ، و هو ما فعله د. محمد حسين هيكل وآخرون ، ولكن يبقى الطهطاوي هو الرائد في هذا المجال بكتابه المجهول أو شبه المجهول عن السيرة النبوية والذى يقدم له فاروق أبو زيد عرضا على صفحات مجلة " الإذاعة والتليفزيون " قبل حوالى ما يتجاوز الخمسة والأربعون عاما، نستعيده احتفالا بمولد النبي  صلي الله عليه وسلم .

 

رغم الكتب التي وضعت في السيرة النبوية الشريفة إلا أن هذا الكتاب شبه المجهول..  يحتل مكانا فريدا بين هذه الكتب..

 مؤلف الكتاب هو رفاعة رافع الطهطاوي .. رائد الفكر العربي الحديث.. والرجل بذر بذور النهضة الفكرية وأخرج مصر والعالم العربي من ظلمات العصور الوسطى إلى عتبات العصر الحديث.

كتاب رفاعة الطهطاوي هو أول كتاب وضع في السيرة النبوية في العصر الحديث.. بعد انقطاع المؤرخين عن كتابة السيرة ما يقرب من أربعة قرون.. وكان كتاب المقریزى « إمتاع الأسماع بما للرسول من خولة وحفدة ومتاع » هو آخر ما كتب فيها . وكان ذلك في منتصف القرن الخامس عشر .. فلما تصدى الطهطاوي لكتابة هذه السيرة الجديدة.. صارت من بعده تقليدا راسخا من تقاليدنا الفكرية يؤديها كل كاتب كبير..

وأهم من ذلك كله أننا اكتشفنا أن الطهطاوي قد أتبع هذا الكتاب بأجزاء أخرب مكملة له.. لم تقف عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما امتدت لتؤرخ لمصر الإسلامية حتى عصر الخديو إسماعيل.. والخطير هنا أن هذه الحقيقة ما زالت مجهولة تماما.. أما الأخطر... فهو أن هذه الأجزاء جميعا قد فقدت..!

ولكل هذه الأسباب يمكن أن نقول وبدون أن نتهم بالتجاوز إن هذا الكتاب شبه المجهول وهو (نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز) يقف في صف واحد مع أهم الكتب التي أبدعها العقل المصري في تاريخه الحديث..

فكتاب : "نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز"، هو أول مؤلف عربي في السيرة يضع من بين أهدافه الرد على الصورة المشوهة التي رسمها الكتاب الغربيون للإسلام ولرسوله (صلي الله عليه وسلم ) ..فقد اطلع الطهطاوي بحكم سفره إلى باريس ومعرفته للغة الفرنسية.. وسعة اطلاعه على المؤلفات الأوربية.. على الكثير من هذه الكتابات التي تعرضت للإسلام ولنبيه بغير حق .. وعلى سبيل المثال فقد قرأ الطهطاوي وهو في باريس ضمن ما قرأ للفيلسوف الفرنسي ( فولتير) مسرحية " محمد "، التي امتلأت بالهجوم على الإسلام وعلى الرسول (صلي الله عليه وسلم) وصحابته.. ومهما قيل عن أن "فولتير" كان يستخدم الإسلام ستارا لا يقصد من ورائه سوى  مهاجمة البابا ورجال الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت .. فإن ذلك لا ينفي تشويه فولتير لحقيقة الرسول "صلي الله عليه وسلم"، وكذلك قرأ الطهطاوي من بين ما قرأ من مؤلفات الفيلسوف الفرنسي "مونتسکیو"  مؤلفه الضخم "روح الشرائع" .. ورغم إعجاب الطهطاوي  بمونتسکيو لدرجة أن أطلق عليه ابن خلدون الإفرنجي ، إلا أنه رفض ما كتبه مونتسكيو في كتابه "روح الشرائع" .. حين ادعي " أن الحكومة المستبدة أكثر ملاءمة للإسلام .. وأن الإسلام الذي لا يتكلم بغير السيف يؤثر في الناس بروح الهدم التي أقامته "، ولقد تصدى  الطهطاوي في "نهاية الإيجاز" للرد على مونتسکیو، حيث ذكر أن  "الإفرنج" وبالذات فیلسوفهم  مونتسکيو يعدون الحكومات الإسلامية حكومات مطلقة التصرف ، والحقيقة أنها مقيدة أكثر من قوانينهم.. فإن الحاكم الإسلامي لا يخرج أصلا عن الأحكام الشرعية التي هي أساس للقوانين السياسية.. ولا تساع الشريعة المحمدية وتشعب ما يتفرع عن أصولها ظن من لا معرفة له أن ما يفعله حكام الإسلام لا وجود له في الشرع.. وقَل أن يجرؤ حاكم إسلامي على ما يخالف صراحة كتاب الله وسنة رسوله.

وهكذا فإن من يتصفح "نهاية الإيجاز" سوف يجد بين صفحاته ردودا كثيرة.. - وإن كانت غير مباشرة - على العديد من المؤلفات الأوروبية التي كانت قد ظهرت حتى ذلك الوقت.. وهو يرد عليها بالمنطق الذي يتعامل به الأوروبيون.. أي الحجة في مواجهة الحجة.. وهو في ذلك كله يحرص على أن يخاطب عقل القارئ.. مستهدفا الوصول به إلى درجة الإقناع العقلي الخالص بكل ما يطرحه من حقائق أو آراء .

                     المنهج العقلي

ومن أبرز ما يميز کتاب "نهاية الإيجاز" عن غيره من كتب السيرة النبوية.. نوعية المنهج الذي استخدمه الطهطاوي في طرح القضايا ومناقشتها، ورقي  سرد الحقائق أو تحليلها.. فقد طرق الطهطاوي في هذا الكتاب آفاقا جديدة لم يسبقه إليها أحد ممن سبقه ، وتصدى لكتابة السيرة النبوية على كثرتهم.. فلم تزد غالبية كتب السيرة التي ظهرت قبل "نهاية الإيجاز" عن مجرد سرد تاریخي  للوقائع والأحداث.. أما الطهطاوي فقد انفرد من بين كتاب السيرة باستحداث ثلاثة مناهج للبحث في كتابه :

فقد استخدم الطهطاوي (المنهج العقلي ) في تحليل وقائع السيرة وأحداثها، بحيث قدم لنا السيرة النبوية من خلال المعرفة العقلية.. فهو لم يقصر المعرفة العقلية على الوقائع المادية وحدها.. وإنما يمدها أيضا إلى مجالات العقيدة والإيمان، فهو يحلل الخوارق والمعجزات التي أتى بها الرسول (صلي الله عليه وسلم ) ويخضعها للتحليل العقلي فيؤكدها ويثبتها.. فلا التسليم مجرد تسليم وجداني قائم علي الإيمان وحده، وإنما تسلیم عقلي مبني على الاقتناع أيضا .

إن أهمية استخدام الطهطاوي لهذا المنهج في كتابه أنه كان يحيى به التراث العقلي فب الثقافة العربية الإسلامية بعد أن طمس هذا التراث لعدة قرون مضت.. وهي قرون عصور الانحطاط العربية.. ففي عصر ازدهار الحضارة العربية كان علماء الإسلام يقولون بسلطان العقل.. وكانوا إذا تحاكموا عمدوا إلى سلطان العقل.. وإذا تعارض دليل النقل ودليل العقل.. أوجبوا تأويل دليل النقل بما يوافق دليل العقل ، أو عملوا بدليل العقل.. وإذا تعارض حديث مع العقل اعتبروا الحديث مزورا وغير صحيح.

وقد كان الطهطاوي من الذين يعتقدون أن القرآن والأحاديث قد حثت المسلمين على الاجتهاد في المسائل الشرعية.. فالإسلام في رأيه يجمع بين الدين والشريعة.. أما الدين، فقد استوفاه الله في كتابه ، وأما الشريعة فقد استوفي أصولها ، ثم ترك للنظر الاجتهادي تفصيلها.. وعلى هذا الأساس فإن الطهطاوي يؤكد أن الجامع لفضيلتي المعقول والمنقول أفضل من المنفرد بواحدة منهما ، والمنفرد بواحدة منهما الكامل فيها... خيرا من غير الكامل فيهما .. قال العلماء الماضون: لا أضل من نصف أصولي ولا ألحن من نصف نحوي ولا أجهل من نصف فقيه ولا أقتل من نصف طبيب ولا أهذى من نصف معقول.. فالأول يفسد الأديان، والثاني يفسد اللسان، والثالث يفسد الأحكام الفرعية ، والرابع يفسد الأبدان ، والخامس يفسد الأصول الشرعية، فإن كثيرا ممن ينسب إلى المعقولات عارض کثيرا من الكتاب والسنة ، وأنكر ما وردت به الشرائع ، وذلك لكلال ذهنه ووقوف فهمه عن النظر في علم المعقولات التي ما فهمها ولا حققها ، فاختلطت عليه الأمور والتبست ، وعلى هذا الوصف كان فلاسفة الحكماء وغالب أهل المنطق ، لأنهم لم يتقنوا المعقول كل الإتقان ، خاضوا في الشرائع والأديان بالقول إنها تخالف القواعد العقلية ، فلم يسعهم إلا ردها أو تحريفها لتوافق المعقول بزعمهم ، ولو أتقنوا المعقول لعلموا أن الشرع لم يرد بما يخالف العقل البتة ، فكانوا يطبقون الأحاديث على المعقولات.. والطهطاوي يري أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.. أما نظرته لهذا التجديد ، فهي قائمة على الاجتهاد الفكري المبني على التطور العقلي .. لذلك فقد كان يعتقد بأن المجدد للدين " قد يكون من المجتهدين أو المقلدين ، بناء على أن التجديد للدين هو التقرير والتأييد للدين ، و ليس مقصورا على الاجتهاد.. والظاهر أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء محدثین وفقهاء ونحاة ولغويين.

ونميل إلى الاعتقاد بأن الطهطاري کان يكتب إسلامياته - وهي كثيرة - وبالذات "نهاية الإيجاز"، وفى ذهنه أنه هو ذلك الرجل الذي هيأته الأقدار ليأتي على رأس القرن التاسع عشر ليجدد للأمة العربية وللمسلمين أمر دينهم.. وهو إذا لم يكن يعتقد هذا الاعتقاد... فنحن نرى أنه كان بالفعل هو ذلك المجدد للدين الإسلامي والثقافة العربية لا في القرن التاسع عشر وحده.. بل في تاريخ العرب الحديث كله.. فما يعيشه العالم العربي اليوم من تقدم في مختلف مجالات الحياة قد بذر الطهطاوي بذرته الأولى، ونحن نجني اليوم ثمرة هذه البذور.

                المنهج الاجتماعي

أما المنهج الثاني  الذي ينفرد به الطهطاوي في كتاب "نهاية الإيجاز"، فهو استخدام "المنهج الاجتماعي" في تحليل وقائع السيرة وأحداثها، فهو لم يكتف بسرد أحداث السيرة سردا تاريخيا مجردا.. وإنما مهد لذلك بدراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي كان قائما في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الدعوة الإسلامية، ثم بعد ظهورها.. بل لقد انفرد الطهطاوي دون غيره من كتاب السيرة بالتأريخ للحكومة الإسلامية على عهد الرسول (صلي الله عليه وسلم )، حيث رأى في أعماله عليه الصلاة والسلام النواة الأولى للنظام الإسلامي في الحكم والإدارة والتشريع .... وهو في ذلك يختلف مع ما قال به بعد ذلك الشيخ على عبد الرازق في كتابه " الإسلام وأصول الحكم " من أن الرسول صلى الله عليه وسلم توفى دون أن ينص أو يشير إلى نوع الحكومة التي تسوس المسلمين من بعده ..!

ولأهمية هذا الجانب في سيرة الرسول (صلي الله عليه وسلم ) نرى الطهطاوي يخصص ما يقرب من نصف الكتاب لبسط نظام الحكم الذي أرساه الرسول (صلي الله عليه وسلم ) في حياته ، فمن الباب السادس في "نهاية الإيجاز"، حتى الباب الثاني عشر وهو الباب الأخير.. نجد الطهطاوي يتعرض لتحليل وتفسير أدق التفاصيل فى نظام حكم الرسول "صلي الله عليه وسلم "، فقد تناول في الباب السادس مثلا " في الوظائف والعمالات البلدية ، خصوصية.... أهلية داخلية وجهادية.. التي هي عبارة عن نظام السلطنة الإسلامية وما يتعلق بها من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم....

ونجد الفصل الثاني من هذا الباب مثلا يخصصه للحديث فيما يضاف إلى الإمامة العظمى من الأعمال الأولية، کالوزارة والحجابة وولاية البدن والسقاية والكتابة.. بينما نراه يخصص الفصل الخامس مثلا  "في كتابة الجيش والعطاء والديوان والزمام ، وبيان أن الديوان له أصل في عهده "صلى الله عليه وسلم"، بل إن الطهطاوي في سبيل تأكيد نظريته بأن الحكومة الإسلامية قد وضع أساسها كاملا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، نراه يتعرض لأدق التفاصيل في حياة المسلمين في ذلك الوقت.. فهو يخصص الفصل الأول من الباب الحادي عشر مثلا للحديث " في المنفق، وفي الوکیل ، وفي الأمور المالية، وفي إنزال الوفد في دار الضيافة وفي إنزال الوفد عند أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم»، وخصص الفصل الثاني من هذا الباب في الحديث عن «المارستان والطب والفصد والگی، والمكان الذي اتخذ لإيواء الفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال» .. بل يصل لأن يخصص الفصل الثالث من الباب الثاني عشر للحديث عن (النساء المحترفات فيما يليق بهن، وهن الماشطة والقابلة والخافضة والفاسلة والمغنية).

                          منهج الإيمان

ولكن كتاب "نهاية الإيجاز"، لا يخلو من أجزاء كثيرة يستخدم فيها الطهطاوي منهجا آخر مختلفا عن المنهجين السابقين : العقلي والاجتماعي .. وهذا المنهج الثالث ، يقوم على التسليم المطلق بكل ما يتعلق بالرسالة السماوية.. أي ذلك الجزء المتعلق بالعقيدة الإسلامية نفسها.. وهنا يؤكد الطهطاوي أن الإيمان اقتناع وجداني ، وليس شرطا أن يكون وليد النظر العقلي أو التأمل الفكري وإنما هو إيمان  يملأ القلب والوجدان... فالعقل البشري محدود القدرة لا يستطيع أن يحيط بكل أسرار الوجود وحقائقه ، في حين أن القلب والوجدان يمكن أن يدرکا كثيرا من هذه الحقائق والأسرار.. فالإيمان يقع في هذه المنطقة.. منطقة القلب والوجدان.. وعندئذ نكتشف أصالة الطهطاوي، ومعاصرته في نفس الوقت.. وذلك في مزجه الخلاق وملاءمته بين العقل والقلب.. بين الإيمان والاقتناع... وهو بذلك يكشف عن جوهر الثقافة العربية الإسلامية وعن عبقرية العقل العربي.. هذا العقل الذي استطاع أن يجمع بين المعرفة الوجدانية والمعرفة العقلية ، أو بين المادة والروح .. فالطهطاوي في (نهاية الايجاز)، بتناول السيرة النبوية بعقله أحيانا... وأحيانا أخرى بقلبه... ولكنه في الحالتين قادر على أن يصل بالقارئ إلى درجة الاقتناع الكامل بعظمة هذه السيرة العطرة .. ويكشف الطهطاوي عن حقيقة هذا المنهج في معرض كلامه عن الإسراء والمعراج ، فتراه يقول : الأفعال التي كلفنا بها الله، على قسمين، منها ما يعقل معناه ووجه حكمته فيه ، كالصلاة والصوم والزكاة .. فإن الصلاة تضرع محضي وتواضع وتذلل للخالق.. والزكاة مسعى في وضع حاجة الفقير والصوم مسعى في كسر الشهوة.. ومنها ما لا يقل معناه ولا يعرف وجه الحكمة فيه كأفعال الحج ، فلا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة والرمل"...

ولكنه (كما يحسن منه تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول ، فكذا يحسن منه الأمر بالنوع الثاني ، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن الأمور إنما أتي به لما عرف بفعله من وجه المصلحة فيه.. بخلاف الطاعة في النوع الثاني فإنها أمور لا تدل إلا على كمال الانقياد وكمال نهاية التسليم ، لأنه لم يعرف منه وجه المصلحة إليه ، ولم يكن وجه إثباتها إلا محض الانقياد والتسليم.. وهذا معنى القول "يجب علينا الإيمان والتصديق بكل ما جاءت به الرسل وإن لم نفهم كلمته".

            لماذا وضع الطهطاوي هذه السيرة ؟

في مقدمة (نهاية الإيجاز)، يكشف رفاعة الطهطاوي عن سر حماسه لكتابة هذه السيرة.. فهو يقول : السيرة الفاخرة لسيد الدنيا والآخرة، وكيف لا يقف اللبيب عليها عينه ولا يقدح الأديب في فنها ذهنه.. مع أن المؤرخين في كل وقت يتنافسون فيها ، ويتسابقون فيها ويتسابقون إليها، ویروونها بألسنتهم ویدونونها في كتبهم، ويحملها متقدمهم إلى متأخرهم، ويدرسونها في المساجد ويتذاكرونها في المشاهد... ولا عجب من محب يروي مآثر حبيبه ، ويتحف معشوقه بغزله ونسيبه .. فكان الطهطاوي  يري أن من الواجب على كل مسلم يملك ناصية العلم أن يتصدى لكتابة السيرة الشريفة - ولا يثنه عن ذلك كثرة من تناولها من المؤرخين..

 ولعل إدراك الطهطاوي أنه يكتب في موضوع سبقه في الكتابة فيه الكثيرون ، جعله لا يركز على الأحداث والتواريخ ، بقدر ما كان يبحث حول دلالات وأبعاد هذه الأحداث. فهو عندما يتعرض لمولد الرسول "صلي الله عليه وسلم"، والذین بشروا به - نراه يناقش بشري عيسي عليه السلام في قوله «ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ».. فيؤكد الطهطاوي أن الرسول (صلي الله عليه وسلم ) سمي في بشارة عیسي  باسم أحمد مع أن اسمه الذي سماه به جده عبد المطلب "محمد" رجاء أن يحمد في السموات والأرض .. وقد حقق الله رجاءه، كما سبق في علمه، لأن أحمد في الحقيقة أبلغ من محمد، كما أن أحمر وأصفر أبلغ من محمر ومصفر - قال صلي الله عليه وسلم: لي خمسة أسماء، أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذى يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي .

وفي الفصل الذي خصصه الطهطاوي للحديث عن "الإسراء والمعراج"، تراه لا يكتفي بسرد القصة ولا بالآراء المختلفة حولها.. وإنما يحلل هذه الآراء مفندا ما لا يقبله منها، ثم يعلن رأيه واضحا صريحا.. فهو يقول: "وقد اختلف الناس في كيفية الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين متفقون على أنه بجسده صلي الله عليه وسلم.. وآخرون قالوا بروحه... وهناك قول ثالث : إن الإسراء كان بجسده إلى بيت المقدس، وبروحه من بيت المقدس إلى السموات السبع.. والصحيح أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا رؤيا.. والظاهر من قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده) أنه يقظة.. ففي قوله (بعبده) دليل على أن الاسراء كان بروحه وجسده لا بروحه فقط، إذ العبد اسم للجسد والروح.. كما قال أهل الهيئة : إن الفلك الأعظم في مقدار ما يتلفظ الإنسان بلفظة واحدة يقطع ألفا واثنين وثلاثين فرسخا ، وبما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين كرة الأرض مائة ونیفا وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضعها الأعلى على أقل من ثانية، وهي جزء من ستين جزءا من الدقيقة، وقد برهن في الأحكام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض، فالله قادر على كل الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي أو فيما يحمله).. ثم يؤكد الطهطاوي أنه « كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد  نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان معراجه صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة ممتنعا، كان نزول جبریل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعا.. ولو حکمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .. .

إن أهمية ما كتبه الطهطاوي حول الإسراء والمعراج أنه يحاول أن يؤکد رأيه بما اطلع عليه من تطور في العلوم وفي عصره.

 وأعظم فصول کتاب (نهاية الإيجاز)، هي الفصول التي خصصها الطهطاوي لوصف صفات الرسول صلى الله عليه وسلم ..

فقد جمع صلى الله عليه وسلم ما تفرق في الأنبياء من مكارم الأخلاق .. فكان فيه صلى الله عليه وسلم خلق آدم .. ومعرفة شيث وشجاعة نوح وخلة إبراهيم ولسان إسماعيل ورضي إسحاق وفصاحة صالح وحكمة لوط وبشرى يعقوب وشدة موسى وصبر أيوب وطاعة يونس وجهاد يوشع وصوت داود وحب دانیال ووقار إلياس وعصمة يحيى وزهد عیسي».

ويأتي الطهطاوي بتفسير جدید لمعجزة الرسول.. فإن « أكبر معجزاته صلي الله عليه وسلم القرآن الذي أعجز الإنس والجان، و تحدي به بلغاء العرب وفصحاءهم.. ولقد خص الله سبحانه وتعالى كل نبي بنوع من المعجزات، ، ولم يبق لها أثر ظاهر، خلا الروايات عنها والأخبار .. وأبقى لنا صلى الله عليه وسلم القرآن معجزا خالدا بين ظهرانينا إلى يوم القيامة، بعد ذهابه لا تنکشف شموسه ولا تذوي في زهراته ". 

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

أفضل التخصصات للدراسة في المستقبل: دليلك الشامل لمهن واعدة

لم يعد اختيار التخصص الجامعي مجرد قرار أكاديمي عابر، بل أصبح استثماراً استراتيجياً في المستقبل. ومع التسارع المذهل في تقنيات...

قصة مصورة- قطط.. تاكل وما تنكرش

يحدث هذا يومياً منذ ٢٥ سنة في شوارع المغربلين كل يوم، في الرابعة عصراً بالدقيقة والثانية، يأتي رجل حاملاً "شيكارة...

معرض القاهرة الدولى للكتاب.. بهجة الأغلفة وسحر الإبداع

معرض القاهرة للكتاب هو الحدث الثقافى الأهم، فى مصر والعالم العربى، وانطلقت الأربعاء الماضى - والمجلة ماثلة للطبع- فعاليات دورته...

حسين رشدى باشا.. مهندس دستور 1923 وصديق منيرة المهدية المقرّب

شخصيات لها تاريخ «91» ينتمى إلى عائلة عسكرية وجدّه الكبير كان على رأس القوة التى هزمت حملة فريز البريطانية على...