هناك رابط سرى يمد الجنين بالطعام والشراب والإحساس بحبه والأهتمام به ويترجم ذلك عقب الولاده بلمسات الأم على رأس وجسد وليدها
فى طريقنا لا أحد ينكر شغفه بالاهتمام به، فنحن نكره الانتظار والأكاذيب وخيبات الأمل، ومع ذلك لا يجب أن نجبر أحدا على الاهتمام بنا والسؤال عنا، فمن يبحث عنا حقا يجب أن يبحث كما لو أن شيئا ثمينا قد ضاع منه، لذلك فإن الإهمال وعدم الاهتمام بمشاعرنا هو أكثر الأشياء المسببة للألم والتعاسة، خاصة عندما يأتى من أشخاص كنا نظنهم من بين كل العالم هم الأفضل.
الاهتمام هو جوهر أى علاقة و محور أى مشاعر إيجابية بين الناس، بدونه تنعدم قيمة الأحاسيس ويبدو الأمر كما لو أن لا وجود لها، لذلك يعتبر الاهتمام من المعانى التى تعطى الإشارات وتبعث الرسائل، وربما من قوة هذا الأثر يقول علماء النفس إن عدم الاهتمام بمثابة قتل نفس بريئة، وبالمقابل فإن كثرة الاهتمام بمن لا يستحقون ذلك منا هو بمثابة زيادة فى قوة الصدمة التى قد نحصل عليها لاحقا، ولعل من قسوة حاضرنا، وبعد أن صار الاهتمام إلكترونيا أصبحت أكثر الحكايات والقصص للعلاقات تنتهى بكبسة زر، إما بالحذف أو بالحظر أو بإخفاء الظهور.
رسالة
لا شك أن الاهتمام هو رسالة يمكن أن نرسلها بسهولة إلى الآخرين، وهو أحيانا نوع من محاولة لفت النظر والتنبيه بشكل غير مباشر، وهو محاولة للتعرف والتقرب إلى البعض، لكن أيا ما كان فإن إظهار عدم الاهتمام، سواء لأسباب اضطرارية أو لأسباب تتعلق بقسمة العلاقات ونصيبها، فمن حظ الاستمرار فيها، هو أمر دائما ما نحتاج لمراجعته جيدا، لذلك يبدو عدم الاهتمام دوما أمرا محيرا يدعو للتساؤل والاستفسار الداخلى، كونه من أصعب الرغبات الملحة على النفس، خاصة إذا جاء بعد فرط اهتمام أو جاء بشكل مفاجئ وغريب وبدون إبداء أى أسباب، وعندها تبدأ التساؤلات عن سر هذا التراجع وأحيانا يبدأ لوم الحال بعد انشغال البال حول إن كان هناك تقصيرا ما من جانبنا، لتبدأ بعدها سلسلة البحث عن الحقيقة أملا فى الوصول إلى إجابات لفك شفرة هذا اللغز.
حاجة نفسية
الحصول على قسط من اهتمام الآخرين هو حاجة نفسية ضرورية تمنح الإنسان الشعور بالحب والأمان والثقة، وهذه الحاجة النفسية تعمل أوتوماتيكيا على تعميق العلاقات، وبدونها فإننا إزاء حالة من المشاعر المضطربة والإحساس بالجمود والخواء العاطفى، وهو ما قد يؤدى بلا شك الى أعراض نفسية سيئة معرضة للانقلاب إلى مرض سيحتاج لعلاج، وربما ارتبط الاهتمام كمصطلح نفسى بالمشاعر الطيبة والمريحة والمطمئنة، لما له من مجموعة تداعيات إيجابية على النفس والروح، حيث تبدأ رحلة إحساسنا بالاهتمام منذ كنا فى بطن الأم، فهناك رابط سرى يمد الجنين بالطعام والشراب ويمده أيضا بالإحساس بحبه والاهتمام به، ليترجم ذلك بشكل فعلى عقب ولادته فورا، فلمسات الأم على رأس وجسد وليدها، تشعره بأنه محبوب مهتم به، لتظل تلك المشاعر طوال مرحلة الطفولة الهامة التى تؤكد للأطفال حنان واهتمام والديهم وكل من حولهم بهم، مما يؤثر حتما فيما بعد على الإنسان طوال الباقى من عمره، ولعل من أهم أشكال الاهتمام التى نتلقاها من الآخرين هو الإصغاء لنا ولما نشعر به من فرح أو حزن، وأى نقص نشعر به فى ذلك ولفترات طويلة يؤدى حتما إلى إحساسنا بالنقص.
تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن حالة الاهتمام التى نرنو جميعا إليها قد بدأ عدها التنازلى بالتناقص بفعل بعض التغيرات، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية التى ترنحت من تأثيرها العديد من الطقوس والعادات التى كانت بالماضى شبه مقدسة، ومنها على سبيل المثال الالتزام بالترابط الأسرى والعائلى والاجتماع حول مناضد الطعام، والزيارات المنزلية التى كانت السبيل للقرب والتقارب بين أفراد المجتمع، وعدم الالتزام بتلك العادات قد أثر بلا شك وعلى مدار الوقت على حالة الإنصات لأفراح أو مشكلات الناس داخل المجتمع الضيق المتمثل فى الأسر والعائلات، وربما بدأ ذلك التناقص فى الاهتمام فعليا وتطبيقيا، بجانب ما سبق، إلى وطأة الحالة الاقتصادية التى فرقت الزمن الذى يتواجد فيه أفراد المجتمع فى البيوت تحت سقف، وكذلك التليفزيون الذى أخذ الكثير جدا من أوقات الفراغ التى كانت تمنح لأفراد الأسرة الواحدة الوقت فى الإنصات والمشاركة فى أنشطة تبعث روح الاهتمام والإحساس به، حيث حل محل هذا الإنصات والاهتمام البرامج المسلية ونشرات الأخبار والمسلسلات الدرامية، ومع الوقت انخفضت مظاهر الاهتمام إلى النصف حسب أحدث التقارير والأبحاث ليزيد الأمر سوءا بانتشار أجهزة الكمبيوتر والألعاب لتصل بعد ذلك ذروة الانخفاض مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعى واتساع رقعتها، حيث جعلت مشاعرنا وأسماعنا معلقة بعالم افتراضى غير حقيقى ولا حميمى حل محل التقارب النفسى والجسدى، حيث أشارت الإحصائيات إلى أن حوال ٩٨% من الراشدين قد أصبحوا لا يتواصلون فى اليوم الواحد إلا حوالى بضع دقائق مع بعضهم البعض، أما الأطفال فوصلت النسبة بينهم إلى حوالى ٩٩%، وهكذا أصبحت حالة الإصغاء وإرسال مشاعر الاهتمام شىء مشكوك فيه بالفعل.
المؤثرات
الناس بصفة عامة يتمتعون بمجموعة معقدة من السمات الشخصية التى تتحكم فى مدى إدراكهم لعالمهم، ومن هنا تتشكل طريقة تعاملهم مع ذلك العالم، ويتحدد: كيف يرون أنفسهم فيه ومن خلاله.. وفى الوضع المثالى تساعد السمات الشخصية على تمكين الأشخاص من التأقلم والتكيف مع المحيطين بهم، وكذلك مع الظروف المتغيرة المحاطة بهم، وهذا ما يؤدى بالطبع إلى تكوين علاقات، إما أن تكون صحية أو سامة تفسد الأمور وينتج عنها الضرر، وقد أثبت العلماء منذ فترة طويلة أن جينات الإنسان قد تنقل بعض السمات الشخصية من الوالدين بشكل مباشر إلى الأبناء، فلا يستبعد عامل الوراثة فى تأثيره على علاقات أى إنسان، ومن ثم يكون له ذلك الأثر على الاهتمام أو عدمه بمن وما حوله، ثم تأتى البيئة كأحد العوامل المؤثرة على عنصر الاهتمام بالإنسان، حيث يمكن لبيئة ما أن تطبع أفرادها بطبائع معينة ينجم عنها عدم التأثر بسهولة بمشاعر الآخرين.
ومن ناحية أخرى يمكن أن نضيف عوامل أخرى فى التأثير على الناس وفى مدى اهتمامهم بمن حولهم، مثل ظروف النشأة والتربية والحصول على قسط التعليم والثقافة، وهذه كلها أسباب تصب بشكل حقيقى فى حالات الإنسان وصحته النفسية، وبناء على ذلك فإن الأشخاص الذين ينتمون إلى منهج حياة ثابت ومنتظم ينتجون على الأغلب رؤية سوية تجاه تفاعلهم مع الآخر، أما الذين ينتمون إلى عوالم مضطربة، ففى معظم الأحيان يشعرون بصعوبة فى تفهم من حولهم، وبالتالى على محاولة الاهتمام بهم؛ بل قد يدفعهم هذا أحيانا إلى توجيه مشاعر سلبية أفرزها الداخل إلى الخارج، مما ينتج عدم القدرة على إرسال أية أحاسيس إيجابية، وبالطبع من ضمنها الاهتمام بشئون الآخرين ومشاعرهم، وربما من أجل ذلك كله نحن بحاجة إلى معرفة الآخر بقدر الإمكان معرفة تامة، حتى لا نتورط فى علاقات لن تمنحنا مشاعر الاهتمام أبدا.
حكمة المسافة
إن التفاصيل المشكلة للإنسان كثيرة ومتنوعة، والتفاصيل الداخلية دائما الأهم، فالحديث عن الشعور بالاغتراب من جراء عدم الاهتمام بنا حديث له شجون، لأن مشاعر الاهتمام لا تطلب، لأن طلبها أشد ألما من عدم الاهتمام ذاته، ففى الغالب نحن نتكلم عن حالات من الفقد والغياب والقطيعة مع أغلب من حولنا، وهنا ينصحنا علماء النفس أن نترك دائما مسافة محسوبة بيننا وبين الآخرين مهما كانت درجة القرب منهم وأن لا ننتظر عبارات التبرير والحجج، وأحيانا سماع الكذب، حين نشعر بعدم الاهتمام بنا، كما أن علينا أن نصل بشكل أو بآخر إلى نقطة إدراك أن بعض الأشخاص فيمن حولنا لا يستحقون منا حقا انتظار أية مشاعر من الاهتمام، وبالتالى علينا استخدام حواسنا حتى نميز مبكرا بين من يستحقون الاهتمام، حتى لا نتعب أنفسنا معهم بلا طائل، وفى سبيل ذلك لا داعى إطلاقا لأن ندع عواطفنا تقودنا لطريق الإحساس بالألم، فإن قوة العقل لها حكمة يجب الإنصات لها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...