لا يوجد أصعب من تجربة معايشة الحروب فى القرية أدركت أنه لا يمكننا تجاوز الماضي المرأة بمثابة الوطن الذى يضم الرجل الكتابة للطفل صعبة ولا يتميز فيها إلا عدد قليل الإنسان السعيد يعيش الحياة ولا يكتب
الكاتب والروائى مصطفى البلكى واحد من أهم كتاب الرواية والقصة القصيرة، استطاع من خلال أعماله أن يفرض نفسه على الساحة الأدبية، بأعمال قريبة من القراء، وكانت له تجارب واحدة فى الكتابة للطفل بالإضافة إلى مجموعة أعمال لأدب اليافعين، كما صدر له الكثير من الأعمال الإبداعية منها رواية "تل الفواخير"، و"نفيسه البيضا"، و"البهيجى"، و"سيرة الناطورى"، "صورة مؤجلة للفرجة"، "البناء الأعظم"، "ممرات الفتنة"، وغيرها من الأعمال، كما صدر له مؤخرا رواية "سبع حركات للقسوة" تحدثنا معه فى الحوار عن أعماله وأدبه وقضايا أخرى.
كيف جاءت لك فكرة رواية "سبع حركات للقسوة“؟ وهل الأحداث التى تمر بها المنطقة العربية هى التى دفعتك لكتابة الرواية؟
تشغلنا جميعا فكرة الحروب الأهلية التى تنشب حولنا فى عالمنا العربى تحت ذرائع واهية أحيانا، ثم تنتهى كما بدأت فجأة، ويترك الضحايا الذين فقدوا حياتهم والذين نجوا، والطرف الأخير عليه أن يعيش ما كان فى ظل واقع يتغير عبر خريطة يعاد تشكيلها، هؤلاء هم الذى عاشوا الحرب الحقيقية، عاشوا عذاب فقدهم لمن رحلوا، وعذاب تلاشى الذاكرة البصرية المتمثلة فى البيوت، ومن خلالهم قد تتحقق المصالحة والعفو، أو تظل بداخلهم شهوة الانتقام لكل ما حدث لهم، ومن أجل ذلك كانت الرواية للبحث خلف الاختيارين.
لماذا سبع حركات، وما دلالة الرقم سبعة؟
تعودت دائما أن أتحدث عن الرواية ولا أفسرها، والحقيقة جاء العنوان موافقا للحركة داخل النص، وهذه المرجعيّة التى استندت إليها اختلفت مع من قرأوا العمل، وجدت أن هناك وجهات نظر تعددت، وهذا الأمر فى صالح الرواية، عندها تركت التفسير لمن يقرأ، أخفيت مرجعيتى داخلى حتى لا أفسد ما يولد.
بطلة العمل "براء“ ولماذا اخترت هذا الاسم لها، وما الفرق بينها وباقى بطلات أعمالك الأخرى؟
مع بدء مولد الشخصية تختار اسمها، وبراء وجدت معى منذ البداية واضحة المعالم بما تحمل من أفكار، ومن حياة صيغت بهدوء لتمثل الشريحة العريضة من البشر العاديين الذين تضعهم الحياة فى تجربة قاسية وليس هناك أصعب من تجربة معايشة الحرب.
المرأة أكثر من يعانى مع الحروب، يذهب الرجال إلى الميدان، وتتحمل كل شيء، تصبح الحديقة الخلفية التى تحافظ على استمرار الحياة، وحينما يتم توزيع ويلات الحروب يكون لها النصيب الأكبر من الحزن من خلال الفقد، فهى الزوجة، والأم، والأخت، ومع كل هؤلاء هناك سير تتفاوت فى وطأتها.. المرأة حسب موقعها من الحياة التى تتشكل يكون مصيرها أو حركتها، لكن يبقى هناك الجزء الخاص بالداخل، وهذا الجزء تتحكم فيه درجات المعرفة والثقافة والوعى.
لماذا لم تحدد البلد ولا الزمان الذى تجرى فيه الأحداث؟
التحديد أحيانا يفقد المهمة التى خرج من أجلها الباحث عن حقيقة تستقر فى كل مكان، ويجعلها فى مصاف الثابت الذى ينتمى لجزء خلاف كل الأجزاء التى تفقد ديمومة البقاء والحياة، فكل حياة قابلة لأن تكون موجودة فى عدة صور من خلال محو معالم المكان، يضمن لها الخلود، رغم أن المكان قائم بمدلوله بين القرية والصحراء.
كيف ترى تأثير الحرب على الإنسان؟ وهل يمكن أن تندرج الرواية تحت مسمى "أدب الحرب"؟
تخيلى رجلاً ذهب إلى الحرب وعاد بذراع واحدة، وتخيلى نظرة زوجته للذراع الغائبة التى كانت تحنو عليها وتربت على كتفها، ستعرفين كيف هى الحرب وكيف يكون وجعها، وهذا المثال أقل الأمثلة ولم أرد الذهاب بعيدا حيث عدد القتلى، وتأثر الاقتصاد. لم أكتب عن الحرب، كتبت عن الإنسان وعن معاناته، ذهبت إلى النفس واستنطقتها وهذا الفعل يقيم حياة مختلفة لمن عاش ولم يتعايش.
شخصيات أعمالك لديها قدر كبير من الحزن، فلماذا؟
ما نعيشه فى الواقع أحيانا يطابق ما نكتب، فالسعادة فاصلة صغيرة بين هلالين كبيرين يمثلان الحزن، لذلك هو موجود وبقوة، وسرده يطول. المرء حينما يكون سعيدًا، لن يكون لديه الوقت الكافى لأن يكتب لأنه بالفعل يعيش الحياة كما يفعل، أما فى وقت الحزن فهو بحاجة لشرفة خلاص وشفاء، لذلك يذهب إلى الكتابة لتحقيق ما يريد من شفاء وخلاص.
كيف أثرت مدينة أسيوط وتحديداً قريتك "عرب الأطاولة" على شخصيتك وكتاباتك؟ وهل القرية قديماً تختلف عن القرية حديثاً؟
جوهر الحياة يتمثل فى صلة بقدر ما تمنحك تعطيها، وتلك العلاقة المتوازنة وجدت بينى وبين قريتى، وأهم ما فى الصلة، الانتماء، وهو ما لم يسمح لى بالهروب منها إلى مكان آخر لنصف قرن تقريبًا، وحينما غادرتها لم أذهب بعيدا، ما يفصلنى عنها مسافة قد تصل لزمن تناول الإنسان لوجبة طعام، وأهم ميزة فى القرية تلك المعرفة التى يتساند عليها الناس، والتى قدمت لى التفاصيل تحت وقع الوضوح، الغامض منها يتحول لأسطورة تعيد تدوير نفسها من خلال الحذف والإضافة، وفى القرية أدركت أنه لا يمكننا تجاوز الماضى، أجده حاضرًا فى كل شيء، هو السند الحقيقى لمن عاش الحياة.
وقرية اليوم تختلف عن القرية التى عشت فيها أيام طفولتى وصباى، هى جزء من عالم يضع أحكامه، تحت وتيرة المدنية التى طالت كل نواحى الحياة، لم ترحم البشر ولا حتى الحجر.
لماذا تهتم بالكتابة عن المرأة فى كل أعمالك؟ وكيف ترى وضع المرأة فى الصعيد الآن؟
المرأة بمثابة الوطن الذى يضم الرجل، والتعبير عنها من خلال كتابتى لم يغادر حقيقتها كونها فى جنوبنا هى السبب الأهم لعمار البيوت، وهى السند الحقيقى لاستقراره، أجدها دائما فى صورة المقاتلة التى تناضل بكل صبر من أجل استقرار الأسرة.
والمرأة فى الصعيد نالت الكثير من الحقوق شأن المرأة فى الشمال، لكن يظل الموروث يجثم ويتربص بوجودها فى زوايا بعينها، عندها تظل نظرة الرجل لها مقصورة، تحمل من الماضى ما يحد من تقدمها أحيانا، والحقيقة الظاهرة أن ما ينقصها لتنال حقوقها كاملة أن يتم تغيير ثقافة ونظرة الرجل لها، وهذا الأمر لا بد أن يبدأ من الأسرة، والتخلص من الصور النمطية التى تبدأ بتفضيل الصبيان على البنات، ومنحهم النصيب الأكبر ابتداء من الجلوس على موائد الطعام وانتهاء بالميراث الذى يناله الرجال، وترضية النساء بأى شىء.
تناولت العديد من الشخصيات التاريخية، فكيف تختار شخصيات أعمالك التاريخية؟ وكيف تعاملت مع التاريخ؟
فى كل أعمالى لم أذهب متعمدا إلى شخصية ما بغرض الإتيان بها من عالم توارت فيه، وحجبت عنها الأضواء، لعالم الواقع بغرض فتح صفحات حياتها والتمعن فى حياة وجدت تحت عين واقع شكلها، وكل الشخصيات تلاقيت بها صدفة، مثلا نفيسة البيضا، شدنى ما كتبه عنها الجبرتى، وأخذتنى الأسطر التى وجدت للبحث عن حياتها، فذهبت إلى الوراء وعينى على الحاضر، عريت كل شيء كان له وجود من خلال تعاملى مع الإنسان وليس مع الحدث، الذى لا أتجاوزه، لكننى أذهب مع من يقع أثر الحدث عليه، هؤلاء هم الهم الأكبر فى مهمة الكتابة من خلال تناول حقبة ماضية بعينها.
كيف اخترت شخصية "نفيسة البيضا" لتكون بطلة رواية تحمل نفس الاسم، خاصة فى عدم وجود مراجع أو مصادر تاريخية عنها؟
ما شدنى فى حياة نفيسة، قصتها التى تحمل فكرة اختيار المرء بين أمرين يخضعان فى الوقت نفسه لسطوة العقل والقلب، والمطلوب منه الاختيار، بشرط ألا يقع اختياره فى منطقة محايدة، منطقة البين بين، حيث لا لون ثابت، ولا رسوخ لشيء، وقتها فقط طبقا لرؤيته ومكان حط قدميه سيكون اختياره وفق معطيات زمانه ونفيسة اختارت، وذابت طبقا لاختياراتها، متجاوزة فى كل مرة محنة ما، فتكون منحازة لخيار العقل فى بداية حياتها، متخلية عن القلب، الذى تسترده فى وقت لاحق حينما تتغير الظروف ويقتل على بك وتجد نفسها وجها لوجه أمام مراد بك.
ندرة المصادر، عوضتها بإطلاق العنان للخيال لكن فى حدود الحقيقة التاريخية لجأت إلى عدة مصادر سدت لى النقص، قرأت عن عالم الحرملك، أيضا لوحات المستشرقين كانت الباب الملكى للدخول لتفاصيل هذا العالم، وكذلك الكثير مما كتب عن على بك ومراد بك، وما تركه الرحالة الذين زاروا مصر فى تلك الفترة.
فى العديد من أعمالك مثل "سيرة الناطورى" و"تل الفواخير" تتحدث عن شخصية الجد، فما مدى تأثرك به؟
الجد هو بدء السيرة، تماما كما نقول بدء التكوين، ومن يرد إلى جذوره لن يصاب بالتلاشى، ولا أن يتحول لشىء لا أصل له، جذوره واهية تشبه حشائش البئر، من أقل شدة تخرج.
وجدى شخصية واقعية تعيش معى حتى بعد وفاته، واضح أمامى كما كان يمارس كل شىء فى العلن، لا أعتبره رحل وانتهى، هو يعيش معى، وأنا أحب هذه العلاقة دائمة العطاء، ولأنّنى الوريث له، فى الكتابة أتعمد أن أحفر تحت الجلد ليأتى إلىّ فى الحلم، ليوجه اللوم لى، ويثير ذاكرتى.
هل تحمل أعمالك جانبا من حياتك الشخصية؟ وهل يمكن أن تقدم سيرتك الذاتية فى عمل أدبى؟
لا أتخلى عن الطفل الذى يسكننى، دائما يرافقنى، أتحمل شغبه وشغفه، ومن خلاله أنظر إلى الأشياء وما يدور، أتعامل معه بتجرد ومن غير خوف، يتسرب دون إرادتى إلى نصوصى، يحمل معه ما خفى وما كان، معه أملك قدرة الحفر تحت الجلد، لذلك تظل فكرة كتابة السيرة موجودة، لكن تحت رهن القناعة بأننى فعلت ما يجب فعله، فى تلك اللحظة قد تكون الكتابة حتمية.
لك تجربة فى الكتابة لأدب الطفل، حدثنا عن هذه التجربة؟ وهل كاتب أدب الطفل له مواصفات خاصة؟
الكتابة للطفل صعبة، ولا يتميز فيها إلا عدد قليل، وتجربتى كانت من خلال مجموعة قصصية وحيدة، على مدار عامين تجمع لدى عدد من القصص كنت قد سردتها على ابنتى، وفضلت تدوينها، وبعد سنوات جاءت لى فرصة نشرها من خلال كتاب الهلال للأولاد والبنات، أما الكتابة للفتيان فقد خضت غمارها من خلال سلسلة روايات الهلال التاريخية، أحببت هذه التجربة لأنها أتاحت لى الفرصة لأبحر من تاريخنا بعين الباحث. كاتب أدب الطفل، لا بد أن يكون بداخله وعى طفل يذهب إلى عوالم يعرفها ويتعامل معها من منطلق تلك الرؤية، ومن خلال لغته وعينيه ووعيه يكتب.
ما تفاصيل أحدث أعمالك "بالكاد قرأت بياضك"؟
تجربة مختلفة بعيدا عن القصة والرواية، من خلالها دخلت عالم الرسالة الأدبية، ذلك الفن الذى يعتنى بالحديث عن العاطفة والمشاعر.
ما أهم المشاكل التى تواجه شباب الكتاب خاصة خارج العاصمة؟
الآن لا توجد مشاكل، لا فى النشر، ولا فى الانتشار، المشكلة الوحيدة هى العمل على تنمية المهارات واكتساب خبرة تمكنه من كتابة نص جيد، وهذه المهمة لن يكتب لها النجاح إلا لمن ملك إرادة مواصلة الرحلة بروح محب قبل أن يكون باحثًا عن سعادة ما، أما من يجلس خلف حاسوبه، ويصنع مظلومية يلصقها بنفسه متعللا ببعده عن العاصمة، أقول له، بيدك سوف تخرج نفسك من الرحلة، فالحياة أصبحت ملهمة ومحفزة على النجاح فى أى مكان مع ثورة الاتصالات التى اجتاحت العالم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يعد اختيار التخصص الجامعي مجرد قرار أكاديمي عابر، بل أصبح استثماراً استراتيجياً في المستقبل. ومع التسارع المذهل في تقنيات...
يحدث هذا يومياً منذ ٢٥ سنة في شوارع المغربلين كل يوم، في الرابعة عصراً بالدقيقة والثانية، يأتي رجل حاملاً "شيكارة...
معرض القاهرة للكتاب هو الحدث الثقافى الأهم، فى مصر والعالم العربى، وانطلقت الأربعاء الماضى - والمجلة ماثلة للطبع- فعاليات دورته...
شخصيات لها تاريخ «91» ينتمى إلى عائلة عسكرية وجدّه الكبير كان على رأس القوة التى هزمت حملة فريز البريطانية على...