أوراق ساحر الكتابة «17» / رشح لبطولته شادية ولإخراجه حسين كمال ولألحانه بليغ حمدى / «ميزان القلوب» سيناريو فيلم كتبه صبرى عن البابا شنودة ولم ينفذ بعد
فى زمانها كانت هى صوت مصر بتعبير زماننا، إذ حققت من الشهرة والذيوع والمجد ما جعلها تحتل عرش الطرب وتحمل لقب "السلطانة"..
وبوصف كمال النجمى - ألمع نقاد الموسيقى المصرية ومؤرخها الأبرز- كانت: "صاحبة أعلى وأوسع صوت فى عهدها، عهد السرادقات قبل ظهور الميكرفونات، كانت تغنى فى الأفراح والليالى الملاح لآلوف من المستمعين، فلا يجد الجالسون منهم فى أقصى الصفوف مشقة فى تلقى صوتها والاستمتاع به..
وكانت بحتها الشهيرة تكتسح السرادق اكتساحا كأنها تنبعث من خلال آلة قوية لا من خلال حنجرة بشرية.. وفى المسرح كانت تغنى بالطريقة نفسها فيسمعها الجالسون فى أعلى التياترو كما يسمعها الجالسون فى الصالة وخارج الصالة..".
هذه هى منيرة المهدية، سلطانة الطرب فى زمانها، والتى عاشت سنوات من التألق والشهرة، لكن نهايتها كانت مأساوية بعد أن انطفأ بريقها وأفل نجمها، وسطع كوكب جديد فى سماء الغناء، فأزاحتها أم كلثوم عن عرش السلطنة، وانزوت منيرة تتجرع الحسرة والذكريات..
(1)
إنها فى المجمل قصة درامية مكتملة الجاذبية والإثارة، وكان صبرى موسى بحسه الدرامى وموهبته القصصية النادرة أول من تنبه إليها، وأدرك أنه أمام قصة إنسانية تستحق أن تظهر على شاشة السينما، فقرر أن يتبنى مشروع تحويل حياة منيرة المهدية إلى عمل سينمائى بعد رحيلها فى منتصف الستينات..
وهذا الخطاب - الذى ننفرد بنشره - وكتبه صبرى موسى بقلمه يعد وثيقة تاريخية بكل معنى الكلمة، إذ أنه يحتوى على كافة تفاصيل المشروع السينمائى الطموح، من فكرة ومعالجة وترشيحات لعناصر العمل الرئيسية ودواعى إنتاجية للنجاح والتسويق، ولذلك رأينا أن ننشر الخطاب بنصه:
"السيد رئيس مجلس إدارة المؤسسة المصرية العامة للسينما.. تحية طيبة وبعد.. لنا الشرف أن نتقدم لسيادتكم بمشروع لإنتاج فيلم عن حياة سلطانة الطرب منيرة المهدية، تلك الحياة العريضة الحافلة التى لا يجب أن يتجاهلها الفيلم المصرى..
فقد كانت منيرة كما تقول الموسوعة العربية أول فتاة مصرية تعتلى خشبة المسرح، وقد أثار ظهورها ضجة كبرى كان ممكنا أن تستمر طويلا لولا انشغال الصحف والناس وقتها بالحرب العالمية الأولى.. وقد نشأت منيرة فى مدينة الزقازيق، وسيمة، رشيقة، قوية الصوت، ولمع نجمها فى قرى الشرقية ومراكزها..حتى نزلت بمسارح القاهرة فانتزعت إعجاب ذوات العاصمة ورعاعها، وكان يصيب الجماهير حماس هستيرى وتتطاير الطرابيش عند أقدامها حينما تغنى..
وقد ارتفعت من غناء التخت إلى الغناء المسرحى.. وبعد وفاة الفنان سلامة حجازى أستاذها، حملت رسالته فى تقديم الأوبريت وأنشأت فرقة مسرحية كانت تقوم بأدوار البطولة فيها، وكثيرا ما كانت تقوم بأدوار الرجال..
وكانت تفخر بصداقة عدد كبير من رؤساء الحكومات وكبار الساسة، وكان صالونها يجمع بينهم، وقد عقد حسين رشدى باشا اجتماعا لمجلس الوزراء فى هذا الصالون.. وخلال الهدنة بعد الحرب العالمية الأولى، لم يجد حسين رشدى مكانا بعيدا عن عيون الجواسيس ليجتمع بأبطال الحركة الوطنية سوى بيت منيرة المهدية..وقد كتب الدكتور حسين هيكل ستة أعمدة كبرى فى جريدة "السياسة" التى كان يرأس تحريرها، عقد فيها مقارنة متحمسة بين مكانة سعد زغلول ومكانة سلطانة الطرب عند الطبقات الشعبية المختلفة للشعب المصرى..وكانت منيرة وقتها أشهر وأجمل وأغنى المطربات، وكان لفنها الغنائى دوره المهم فى تعبئة الشعور الوطنى..
وقد أحبت منيرة أكثر من مرة.. انتهت الأولى بزواجها من ابن ذوات أنجبت منه ابنتها، وكانت لها معه قضية طلاق طريفة قدمت بمناسبتها أشهر أغانيها "تيجى على أهون سبب"، وسافرت لتغنى فى حلب فأحبت هناك زوجها الثانى.. أما زوجها الثالث فكان أشهر الرماة فى لعبة "التيرو" فى مصر، وقد حجت إلى البيت الحرام أربع مرات مع غرامها الخامس والأخير..
وقبل وفاتها بعشر سنوات أقدمت على تجربة مهمة، إذ حاولت أن ترجع إلى الغناء فى عصرنا فلم تنجح لتبدل الأذواق.. وقد كرمتها الدولة فى عام 1960 وأعطتها وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى تقديرا لكفاحها الفنى.. وكانت مريضة لا تغادر الفراش، فلم تتسلم وسامها من يد الرئيس لكنها بكت عندما وصلها..
وقد ذهبت فى رحلتها الأخيرة ملفوفة فى ثوب (كفن) بمبى – لون الشخلعة فى عصرها – حسب وصيتها، ولم يمض خلف نعشها واحد أو واحدة من المشهورين..تلك التى كانت سلطانة الشهرة.. فقد غابت فى النسيان كعادة عصرنا..
وفى تصورنا أنه فيلم غنائى يحمل طعما دراميا، نرشح لبطولته الفنانة شادية.. وسوف يعنى الفيلم بتقديم جانب من ذلك التراث الموسيقى القديم عاشته منيرة فى إطار ملائم لعصرنا.. ولهذا نرشح لموسيقى الفيلم الفنان بليغ حمدى، وسوف يقوم صبرى موسى بكتابة القصة والسيناريو ويقوم حسين كمال بإخراج الفيلم بالألوان..
وليس لدينا الشك أن فيلما كهذا سيكون مضمون التوزيع لشهرة الشخصية التى يقدمها، ولتوافر هذه العناصر القوية الجادة وحماسها لإقامته..
ولا يفوتنا أن نؤكد أن إنتاجا ضخما بالألوان كهذا الفيلم من الممكن أن يكون وثيقة تاريخية مهمة..فإن راقت لسيادتكم الفكرة راجيا البدء فى إجراءات تكليفنا بالعمل كى يبدأ كاتب القصة والسيناريو فى جمع المعلومات اللازمة لكتابة القصة من دار المحفوظات ودار الكتب ومجلدات المجلات والصحف القديمة فى أرشيفات المؤسسات الصحفية.. وفى انتظار موافقة سيادتكم تفضلوا بقبول فائق الاحترام".
(2)
هذا هو نص الخطاب الذى أرسله صبرى موسى إلى رئيس الجهة الإنتاجية الأبرز وقتذاك وهى المؤسسة العامة للسينما، بخصوص مشروع فيلمه عن "السلطانة" منيرة المهدية، ونتصور أن هناك إيضاحات أخرى لم ترد فى الخطاب ومن المفيد أن نضيء عليها ونقف عندها:
فما الذى حدث بعد ذلك؟ ولماذا لم يظهر فيلم مضمون النجاح لهذه الدرجة، بطلته شادية ومخرجه حسين كمال وكاتبه صبرى موسى وملحنه بليغ حمدى وموضوعه عن حياة سلطانة الطرب؟
الإجابة باختصار بأنه صدرت فى تلك الفترة تعليمات بتصفية مؤسسة السينما، فقد كانت مصر تشهد آنذاك تحولات سياسية دراماتيكية مع وصول الرئيس السادات للحكم (1970)، وكان للعهد الجديد سياساته وتوجهاته ورجاله، ومن بين تلك التوجهات تصفية القطاع العام ومؤسساته التى صُنعت فى زمن عبد الناصر، وبحسب ما يرويه الناقد السينمائى على أبو شادى فى كتابه المهم "السينما والسياسة": كان القطاع العام السينمائى أضعف حلقات القطاع العام فى شتى المجالات، فانقضت عليه المعاول من كل حدب وصوب.. ووقف د. عبد القادر حاتم فى مجلس الشعب فى مارس 1971 من خلال منصبه كوزير للثقافة والإعلام ليهاجم القطاع العام السينمائى بضراوة ويتحدث عن خسائره المروعة"..
وفى التوقيت نفسه الذى كانت صبرى موسى يقدم فيه مشروعه إلى الهيئة العامة للسينما لإنتاج فيلم "السلطانة"، كانت الهيئة تستعد لغلق أبوابها وطى ملفاتها، وكانت "شمس" تجربة الدولة فى الإنتاج السينمائى على وشك المغيب، بعد 9 سنوات (1962/ 1972) قدمت خلالها نحو 155 فيلما يعد أغلبها من كلاسيكيات السينما، بما فيها تجارب صبرى السينمائية الأولى: البوسطجى وقنديل أم هاشم والشيماء.
وبعد خروج المؤسسة من سوق الإنتاج، جرت اتصالات بين صناع "السلطانة" والمنتج الفنان رمسيس نجيب لتتولى شركته إنتاج الفيلم، وأبدى رمسيس موافقة مبدئية بعدما أدرك بحس التاجر الشاطر أنه أمام عمل مضمون النجاح والتوزيع، لكن حماسه سرعان ما فتر، ربما لانشغاله بصناعة بطلته الجديدة لبنى عبد العزيز، وربما لاضطراب سوق السينما فى تلك السنوات العصيبة التى تلت نكسة يونيو، وأيا كانت الأسباب فإن "سلطانة الطرب" لم يخرج للنور، وبقى حلما من أحلام صبرى موسى القابعة فى أدراج مكتبه..
(3)
ولم يكن "سلطانة الطرب" وحده فى درج الأحلام المُجهضة بمكتب صبرى موسى، فقد اتسع لأحلام جديدة وأعمال أخرى لا تقل روعة وقيمة، لكن لم يُكتب لها الخروج والميلاد.. منها مثلا فيلم عن البابا شنودة، و ربما لا يعرف كثيرون أن صبرى موسى كان يرتبط بصداقة إنسانية وشخصية وطيدة مع قداسة البابا منذ فجر شبابه وقبل التحاقه بسلك الرهبنة، ومنذ كان يحمل اسمه المدنى نظير جيد روفائيل، شاعرا ومثقفا ومتخرجا فى قسم التاريخ بكلية الآداب (جامعة فؤاد الأول/ القاهرة)..
جمعهما حب الكتابة والثقافة والمعرفة، وكان الشاب نظير جيد دائم الزيارة لمجلة روز اليوسف وتربطه علاقات مع صحفييها وعلى رأسهم صبرى موسى، الذى لم ينقطع عن زيارة صديقه نظير جيد بعدما أصبح راهبا (وكثيرا ما كان يزوره بدير السريان بوادى النطرون)، وبعدما أصبح البابا رقم 117 الذى يجلس على كرسى الكرازة المرقسية.. وكثيرا ما كان يقول له مداعبا أن الثقافة المصرية خسرت كاتبا وشاعرا كان من الممكن أن يكون له شأن..
كان صبرى معجبا بصديقه البابا وبمواقفه وباستنارته وثقافته وشعره وبتلك الكاريزما الطاغية فى شخصيته، وهو إعجاب صاغه فى شكل فيلم روائى قصير عن بابا العرب أسماه "ميزان القلوب"، تحمس لإنتاجه المصور وجيه رياض ولإخراجه أشرف فهمى..
وكتب صبرى السيناريو بالفعل، وبدأه - كما نقرأ بخطه على الصفحة الأولى - بافتتاحية العابد "لست أريد شيئا من العالم" من نثر صاحب الغبطة المعظم الأنبا شنودة بابا وبطريرك الكرازة المرقسية..
ولم يُكتب للفيلم أن يخرج للنور لأسباب غامضة، ولا يزال السيناريو صالحا للتنفيذ والتصوير.. بل يستحق بجدارة..
وإلى جوار "ميزان القلوب" انضم حلم آخر يحمل اسم "الصورة الأخيرة من الألبوم"، وهو تجربة سينمائية متفردة، بل يمكنك أن تصفه بالجنون السينمائى، إذ لأول مرة ينجح سينارست فى تحويل ما يشبه القصيدة إلى فيلم سينمائى!
الأمر بدأ بمزحة، يومها (عام 1980) كان الشاعر الفلسطينى الكبير سميح القاسم فى ضيافة صديقه صبرى موسى يحتفلان بصدور كتاب سميح الجديد والذى حمل عنوان "الصورة الأخيرة فى الألبوم".. وقال سميح لصديقه مازحا: إلا ما فى حد من أصدقائى السينمائيين أخد ديوان لى وعمله سيناريو!
لكن صبرى موسى لم يعتبرها مزحة عابرة، بل تحديا مباشرا لموهبته، قبله بلا تردد وطلب من سميح القاسم أن يترك له نسخة من الكتاب.. وبالفعل عكف على تحويله إلى سيناريو، انتهى منه فى العام 1983، وحمل اسم الكتاب نفسه، وعلى غلاف السيناريو نقرأ أنه سيكون من إنتاج "ستوديو السينما العربية"، وسيتولى إخراجه صديقهما المخرج الفلسطينى غالب شعث..
السيناريو يقدم رؤية سينمائية بديعة لما تصوره سميح القاسم عن قصة حب تدور بين شاب فلسطينى وفتاة يهودية، ورغم صدقها إلا أن الظروف تثبت أنه محكوم عليها بالفشل، فأمام عقلية المحتل وثقافته التى تقوم على الاغتصاب واستباحة الحقوق العربية والقتل بدم بارد.. فلا وجود للحب ولا مستقبل.
وبقى السيناريو موجودا فى أدراج صبرى موسى.. ولا يزال هو الآخر صالحا للتنفيذ والتصوير.. بل يستحق بجدارة..
لم يكن يشغله "الكم" كثيرا ولا وجود اسمه الدائم فى سوق السينما، كان موقنا أنه صاحب تجارب مختلفة، وغالبا سابقة لزمانها.. كما هو الحال فى "السيد من حقل السبانخ".. وهى رواية فذة دخل بها أدب الخيال العلمى من أوسع أبوابه، وتلك قصة أخرى!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...