تراثنا الخالد على صفحات الإذاعة والتليفزيون (2-2)
لم تكن مجرد صورة عابرة تلك التى نشرتها مجلة الإذاعة والتليفزيون للشيخ سيد النقشبندى فى إحدى زياراته للجيش الثانى الميداني.
كان ذلك إبان سنوات الإعداد والتجهيز لملحمة العبور، حين آثر كروان الإنشاد أن يشدوا بابتهالاته الدينية الحماسية على الخطوط الأمامية ووسط أكبر حشد من القادة والجنود.
ولم يكن غريباً أن يعود "النقشبندي" ليسجل وقائع النصر المبين فى حرب أكتوبر 73، فما أن اندلع الطوفان يوم العاشر من رمضان حتى سجل كروان الإذاعة المصرية بضع قصائد أرخت لعدد من ملاحم القتال على طول المواجهة وفى عمق سيناء.
لم تمض سوى بضع ساعات على العبور العظيم إلا وكان الشيخ الكريم قد فاض بعطائه داخل استديوهات الإذاعة المصرية لتتهادى إلى مسامعنا بشائر الانتصار مستهلاً إياها بنداء الله جل جلاله:
" يا رب إنا قاصدوكَ فلا يعدْ من بيننا أحدٌ ببابكَ خائبا
هذى جنودُ الله قد وقفوا على طولِ الحدودِ يقاتلونَ الغاصبَ
زرعوا الجبالَ مدافعَ وبنادقَ والبحر سكناً والسهول كتائبَ
أُسْدٌ شداد يرهبونَ عدوهمْ جعلوا القنابل فى الهجومِ مخالبَ
اللهُ أكبر فى القتالِ سلاحهمْ ثبتوا بها خطواً وعزوا جانبا
يا ربْ فانصرهمْ وأعلِ لواءهمْ واكتبْ لهمْ فى النصرِ حظا غالبا".
عميد القنطرة
وما أجمل صوت الشيخ النقشبندى حين يزف للمصريين البشرى بتحرير مدينة القنطرة شرق، مشيداً بمن حرروها بقوله: "حررتموها بقتالٍ على ترابها الغالى عميد رهيب".. أما "الغالي" المشار إليه فى القصيدة فهو العميد فؤاد عزيز غالى الذى قاد رجال الفرقة 18 لتحرير مدينة القنطرة شرق.. ونعود لنشدوا مع النقشبندى:
" أهلاً جنودَ الحقِ قدْ جاءكُمْ نصرُ منْ اللهِ وفتحٌ قريب
قنطرةُ الشرقِ تحييكُمُ على القتالِ المستميتِ العجيب
بطولةً بالدَمِ قدْ سطّرتْ قصةَ مجدٍ شمسُهُ لا تغيب
حينَ أتيتمْ عَرَفَت صوتكُم صوتٌ حبيبٌ لمْ يكن بالغريب
حررتموها بقتالٍ على ترابها الغالى عميدٌ رهيب
فكلُ أرضٍ منْ سرورٍ بكتْ وكلِ بيتٍ للمنادى مُجيب
لما رأتْ رايتها فوقها صاحتْ: سلامُ لكَ جيشى الحبيب "
ويبقى السؤال: من يكون النقشبندى فى دنيا الله.. فى أى أرض طيبة ازدهرت موهبته.. ومن أى نبع سماوى صافٍ تدفق صوته العذب ليملأ شهر رمضان بأعذب الألحان؟
إليكم قطوفاً من سيرة ومسيرة النقشبندى كما رواها لنا الباحثون فى سيرته ومنهم فؤاد مرسى فى كتابه "معجم رمضان": ولد الشيخ سيد محمد النقشبندى فى قرية دميرة مركز طلخا بمحافظة الدقهلية عام 1920، ثم انتقل وهو طفل بصحبة والدته إلى مدينة طهطا بمحافظة سوهاج، وهناك تربى تربية دينية، وأتم حفظ القرآن الكريم وتفقه فى الدين وهو فى سن مبكرة، وفى الخامسة والعشرين من عمره رحل إلى طنطا حيث استقر بها.
بدأ حياته قارئاً ومؤدياً للأغانى فى الموالد، ثم منشداً دينياً، على أن شهرته انطلقت حين عرفته الإذاعات الدينية والعربية من خلال إحيائه إحدى الليالى الختامية لمولد الإمام الحسين رضى الله عنه، وكانت بدعوة من صديقه الحميم الحاج "سيد محمد محمد" من القاهرة، فلبى الشيخ النقشبندى الدعوة وأقام حفلا ترنم فيه بصوته وشدا بمدح الرسول الكريم (ص) وبابتهالاته الدينية المميزة فى ساحة مسجد سيدنا الحسين وأدهش مستمعيه فذاع صيته وتناقلته الإذاعات عبر موجاتها.
سعت إليه الشهرة فى عام 1967 وبدأت الإذاعة فى عمل برامج دينية له، إضافة إلى تقديم الابتهالات الدينية بصوته.
تراث النقشبندى
ترك الشيخ النقشبندى تراثاً إسلامياً كبيراً وضخماً من الابتهالات الدينية، وكان قارئاً للقرآن الكريم بطريقة مختلفة عن بقية قراء عصره، وإن كانت شهرته كمداح للرسول (ص) ومبتهل دينى هى الصفة التى اقترنت به.
ورغم عدم دراسته للموسيقى إلا أنه كان يجيد السيطرة على النغمة الموسيقية والتمكن منها، "فقد كان له أسلوب خاص يعتمد على طبقاته الصوتية الواسعة فى استعراض صوته فى منطقة الجوابات أثناء الإلقاء"، حيث كان ينتقل مباشرة للجواب دون الالتزام بالطبقة الموسيقية، مرتكزاً على صوته العريض الذى كان يساعده على الوصول إلى الجواب بليونة، ثم ينتقل منه إلى جواب الجواب وهكذا، بما جعله صاحب مدرسة متفردة فى الأداء.
ورغم أنه كان قارئاً للقرآن، فإن براعته فى أداء الابتهالات جعلت منه مبتهلاً متميزاً فى المقام الأول.. قدم الشيخ الابتهالات والأناشيد والتواشيح الدينية فى معظم الدول الإسلامية والعربية بدعوة من هذه الدول وحكامها، إذ زار أبو ظبى وسوريا والأردن وإيران والمغرب العربى والسعودية واليمن ودول الخليج وأندونيسيا، كما زار معظم الدول الأفريقية والآسيوية، وحصل النقشبندى على العديد من الأوسمة والنياشين من مختلف الدول التى زارها، كما غنى بعض قصائد السيدة أم كلثوم فى حفل أقيم بمدينة أسيوط عام 1944، وكان مديرها وقتذاك الشاعر عزيز أباظة.
فى الرابع من فبراير عام 1976 توفى الشيخ النقشبندى عن 56 عاماً، عقب انتهائه من تسجيل بعض الابتهالات والتواشيح، وكان ذلك بمبنى التليفزيون المصري، وبعد وفاته بنحو ثلاثة أعوام كرمه الرئيس الراحل السادات عام 1979، ومنحه وسام الدولة من الدرجة الأولى، وقد كرمته محافظة الغربية التى عاش فيها ودفن بها بإطلاق اسمه على أكبر شوارع مدينة طنطا، كما لقبه كبار الكتاب بألقاب عديدة منها: الصوت الخاشع، الكروان الرباني، قيثارة السماء، وإمام المداحين.
يقول الباحث فؤاد مرسى فى كتابه: إذا كان الناس فى شهر رمضان قد ارتبطوا وجدانياً بصوت الشيخ محمد رفعت، فإن المبتهل الشيخ سيد النقشبندى يمثل الجناح الثانى للشجو الرمضاني، فقد ارتبط الصائمون بصوته الخاشع وهو يرفعه مبتهلاً ومادحاً ومناجياً، بحيث صار علامة مميزة ودالة على شهر رمضان الكريم، لدرجة أن سماع صوته فى أى من أوقات العام يحيل الإنسان على الفور إلى أجواء رمضان، وتحديداً عند سماع واحد من الأدعية الأربعة: "مولاي" و"أقول أمتى" و "يارب" و"لا إله إلا الله"، التى جمعت بين كلمات الشاعر عبد الفتاح مصطفى وألحان بليغ حمدي، وبلغ الشيخ النقشبندى فيها ذروته.
ونعود لصورة النقشبندى على الجبهة، تلك التى منحنا إياها الفريق الراحل/ عبد المنعم خليل قائد الجيش الثانى الأسبق، وأحد أهم قادة حربيّ الاستنزاف وأكتوبر، وننقل عنه ما سطره فى أوراقه الخاصة قوله: قبل الحرب وضعت القيادة العامة للقوات المسلحة خطة التوعية والتوجيه المعنوى كأساس لإعداد القوى الروحية للقادة والضباط والجنود، تمهيداً لحرب التحرير.. كان لابد من إيقاظ الوعى الدينى فى عقل ووجدان الرجال، فهو سلاح النصر فى المعارك، واقترح القادة وقتها أن يكون نداء النصر هو "الله أكبر" وكان هذا النداء الإلهى حافزاً لإنعاش القلوب المتعطشة للإيمان، وأثبتت الأيام أن هذا النداء القوى قد أشبع فى نفوس المهاجمين روعة العودة إلى الله بموجب قوله تعالى "وكان حقاً علينا نصر المؤمنين".. لقد كانت صيحة "الله أكبر" سلاحاً فتاكاً يرعب العدو ويهز كيانه ويزلزل الأرض تحت أقدامه خوفاً ورعباً وشارك فى هذه الصيحة رجال الجيش المصرى مسلمين ومسيحيين فى نداء واحد هز الأرض وزلزل كيان العدو الاسرائيلي".. وهكذا لم تكن ابتهالات النقشبندى أعقاب اندلاع حرب رمضان سوى صدى يتردد لهذا النشيد الإلهى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يوجود فريق عمل مسلسل «بيبو » للفنان الشاب أحمد بحر فى مدينة الأقصر لتصوير أحداث المسلسل المقرر عرضه فى الموسم...
تواصل الفنانة وفاء عامر تصوير مشاهد مسلسلها الجديد «السرايا الصفرا »، والمقرر عرضه فى رمضان 2026.
خرج مسلسل «استراحة محارب » للفنان هانى رمزى بشكل نهائى من الموسم الرمضانى بعد العودة للتصوير مرة أخرى.
عاد الفنان أحمد العوضى إلى مدينة الإنتاج الإعلامى لتصوير مشاهد مسلسله الجديد «على كلاى»، والمقرر أن يُعرض فى الموسم الرمضانى.