حروب بلا طبول ولا صواريخ أرض جو ولا مدفعية .. فلم تعد الصراعات تدار بالقنابل والدبابات والمدرعات فقط ولكنها تطورت وانتقلت من المعارك الواقعية إلى شبكات العالم الافتراضي وتبادل "الماسجات والإشارات " المدمرة بضغطة "زر" عن بعد بلا تكاليف باهظة..هذا ما كشفت عنه مشاهد تفجيرات أجهزة النداء "البيجر" و اللاسلكية صوتية،"الووكي توكي"، التي يحملها عناصر في "حزب الله" الثلاثاء والأربعاء 17 و18سبتمبر في مناطق لبنانية مختلفة مما أسفر عن آلاف الضحايا .
وقد حمل "حزب الله"إسرائيل مسؤولية العملية، وصرح حسن نصر الله امين عام الحزب بأن الإحتلال تعمد قتل 4000 إنسان في دقيقة واحدة و كان يريد قتـل ما لا يقل عن 5000 إنسان في دقيقتين وأن عدد من أجهزة "البيجر" كانت خارج الخدمة أو غير موزعة بعد وقال نصر الله :" يمكن أن نطلق على ما حدث اليومين الماضيين أنه إعلان حــرب". وصرح مصدر أمني لبناني رفيع المستوى لوكالة "رويترز" بأن جهاز التجسس الإسرائيلي "الموساد" هو من قام بزرع متفجرات داخل 5000 جهاز "بيجر" استوردها "حزب الله" اللبناني قبل أشهر من تفجيرات الثلاثاء وانفجر منها 3000 فقط.
مشاهدات من قلب الحدث
وفبل التطرق لكيفية التصدي لمثل هذه الحروب التقنية الجديدة تواصل موقع أخبار مصر مع إحدى شاهدات العيان للتعبير عن شعورها لحظة الانفجار وردود الفعل والأجواء هناك وهي رولا توفيق باحثة دكتوراه بمجال العلوم الاجتماعية في لبنان.. فقالت : "ماحدث كان صدمة كبيرة.. فالناس في الشوارع والمنازل فوجئت بصوت الانفجار وما كنا نعرف سبب الأصوات المدوية وبعد قليل بدأ الأمر يتضح وهرعت سيارات الاسعاف لمواقع التفجير وكانت الناس مندهشة لطريقة التفجير المبتكرة الجديدة التي لم يعهدها لبنان من قبل وأنا شخصيا كنت في البيت واتصل بي ابني وهو بالخارج ليقول لي : شوفتي اللي صار؟..قلت له سمعت صوت عربات الاسعافات تتسارع بالشوارع بس (من شباك البيت)".
وأكملت الشاهدة اللبنانية: "الآن أهل البلد بحالة حذر بكل تحركاتهم ليس من أجهزة الاتصال فقط وإن كان الخبراء أكدوا أنه لا خطر من حمل "الموبايلات" ولكن اجتماعيا ونفسيا هناك حالة انهيار على كل الاصعدة و الخوف والرعب يسيطر على أولادنا ..ونشعر بالحيرة مما قد يحدث.. والقلق من الانتظار المزعج لقيام الحرب بين لحظة أو اخرى".
حروب الجيل الخامس
وتعقيبا على خطورة أجهزة الاتصالات بعد تفجيرات البيجر في لبنان وسوريا..قال الدكتور عادل عامر الخبير والمحلل السياسي والقانوني للموقع إن العملية الإسرائيلية التي جرت بسهولة دون تدخل عسكري، أو قطرة دم إسرائيلية واحدة، أو كلفة مادية لعتاد وأسلحة، دقت ناقوس الخطر فيما يتعلق بالاختراقات والهجمات السيبرانية التي هي إحدى أهم عناصر ما يطلق عليها حروب الجيل الخامس أو الحروب الإلكترونية، وأكدت في الوقت نفسه أهمية الأمن السيبراني، وحماية شبكات الاتصال والراديو من الاختراقات التي قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.
وقد شهدت الحروب واستراتيجياتها تحولات كثيرة على مر التاريخ إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن، وأحدث أجيالها هي الحروب الإلكترونية أو حروب الجيل الخامس، بفضل التكنولوجيا والتقنيات الحديثة وما فرضته على العالم من واقع جديد، فانتقلت الحروب من الأرض إلى الفضاء، ومن الواقع إلى الواقع الافتراضي. وتمكن هذه النوعية من الحروب الخصوم من أن يديروا الصراع مع خصومهم عن بعد، وبأدوات غير مكلفة، ولكنها شديدة الخطورة، إذ يمكن أن يسقط من الخصم آلاف القتلى والجرحى بكل سهولة، وهو ما حدث تقريبا في حادثة لبنان.
وذكر أن الحروب الإلكترونية تستهدف المنشآت الحيوية للدول، والبنية التحتية عالية الأهمية مثل: الكهرباء، والمياه، والاتصالات، أو تعطيل أنظمة السدود، أو المصانع، وكذلك الهجمات التي تستهدف القطاعات الاقتصادية والمالية مثل البنوك أو البورصة و ما يميز هذا النوع من الحروب هو توجيهها أحيانًا نحو الجوانب المجتمعية والسياسية، بهدف زعزعة استقرار المجتمع من الداخل. وقد تمتد هذه النوعية من الحروب لتشمل نشر الشائعات والبلبلة، وتعطيل شبكات الإنترنت؛ فيصبح الفضاء متسعا وخصبا لنشر الأكاذيب والشائعات التي من شأنها هدم استقرار المجتمعات، أو تشكيكها في حكوماتها وقادتها على سبيل المثال.
وحذر من أن الغرب متقدم في الحرب السيبرانية وأجهزة اتصالاتنا رهن اشارتهم للاسف وهم يصنعونها ويصدرونها للتجسس وايضا للتفجير خلال الحروب.
تكنولوجيا قديمة متطورة
وتفسيرا للحادث التقني ، أوضح الدكتورالفاضل بن حميدة الكثيري أستاذ مناهج ومهارات التفكير العلمي بجامعة تونس والباحث الخبير المقيم في لبنان للموقع أن "البيجر" جهاز اتصال إلكتروني صغير محمول اخترع عام 1949 ويسمى جهاز نداء لاسلكي يستخدم في التواصل بين المجموعات وبالمؤسسات والمطاعم والمستشفيات للتنبيه والاستدعاء بالطواريء ويعمل ببطاريات ليثيوم قابلة للشحن لعدة أيام متواصلة ويستقبل رسائل مكتوبة وصوتية وحركية وتطورت هذه الأجهزة من خمسينيات القرن الماضي وفي الأصل كانت تعمل عبر موجات اتصال لاسلكيةباشارة الراديوويعب اختراقها ثم تطورت لتستوعب تقنية |"البلوتوث والواي فاي".. فدخلت إلى هذا الجهاز تقنيات جديدة تحمل أشياء تحول الرسالة لشفرة مكتوبة ومسوعة رمزية تخبر حامله أن الرسالة وصلت وقد شاع استعمالها في التسعينيات قبيل انتشار الهواتف المحمولة .
إشكالية استخباراتية
وفيما يتعلق بطريقة التفحير.. يرى الخبير إن هناك شيئين محتملين ..الأول أن بها مواد متفجرة قليلة جدا زرعت بها أثناء التصنيع أو النقل وتم تفجيرها عن بعد والثاني أن البطارية تنفجر بالحرارة وهي صعبة الانفجار لعدم اتصالها بشبكة الإنترنت وتعمل بموجات راديو بترددات محددة ورموز خاصة.. ويرى أن الإشكالية هنا استخباراتية استطاعت أن تمثل نوعا جديدا من الحروب أو منعطفا بالحروب باستعمال تقنية الذكاء الاصطناعي من ناحية وآلية تفجير من ناحية أخرى بالحرارة أو مواد متفجرة لصيقة بها .
خطورة محدودة البطاريات
وحول كيفية التعامل الحذر مع أجهزة الاتصالات وهل هناك خطورة من بطاريات الهواتف المحمولة واللاب توب بأيدينا ومنازلنا؟ .. أوصى د.الفاضل الكثيري بأن هذه الأجهزة يجب أن تخضع للفحص التقني الكامل قبل تداولها ودخولها الخدمة بالمؤسسات وان يكون لدينا فنيون متميزون للمراقبة ومنعها من حمل برامج ضارة تسبب تسخينها وانفجارها وابعادها عن الشمس وتجنب الاحتكاك المولد للحرارة ويجب وضعها في مكان معتدل لايخل بالمكون الداخلي من ناحية أخرى .
و حذر حسبما ورد من المعهد الألماني للاتصالات من خطورة بطاريات الموبايلات واللاب توب وإن كانت خطورة قليلة .
الحرب القادمة.. "سيبرانية" بامتياز
وتوقع الخبير تدخل الذكاء الاصطناعي في حروب سيبرانية عن بعد مستقبلا لأننا أمام منعطف جديد إلى الحرب السيبرانية وهل يحول العدو المعدات لأسلحة قاتلة وهذه المعدات سواء ببجر أو تليفونات ذكية ولاب توب تحتاج منا إلى إعادة النظر وان نكون كوادر من مدارس وجامعات ومراكز ذكاء اصطناعي لنواكب عمليات التصنيع لأننا مقبلون على ثورة في الذكاء الاصطناعي.
ويرى أن الحرب القادمة ستكون سيبرانية بامتياز ويكون الذكاء ركيزة أساسية بها كما ظهر في غزة وجنوب لبنان والمشكلة أن نواكب نحن التطورات وان يكون لنا خصوصية لأن الحرب السيبرانية قائمة على نقطتين حجم تخزين المعلومات بالولايات المتحدة وحلف الناتو ،ومراكز الذكاء الاصطناعي في أمريكا تساعد العدو الصهيوني ، والصين التي استطاعت أن تعمل انترنت وفيسبوك محليين بمفردها مما يشعل حرب غير تقليدية ترتكز على المعلومات والذكاء الاصطناعي.
ونبه د. الكثيري العالم إلى أن تفجير المعدات الإلكترونية يعلن حرب الفناء وهي الأكثر إبادة من الحروب النووية ..فهل ننقذ أنفسنا وننقذ العالم ..الإجابة من الخبراء والمسؤولين في تأسيس برامج وبنى المؤسسات التقنية بحيث تكون أمنة في عالم أصبح قرية ذكية واحدة لا حدود لها .
التصنيع المحلى خياراستراتيجي
بينما قالت الدكتورة غادة خريبة أستاذ مساعد الذكاء الاصطناعي في جامعة النيل للموقع إن الخطر ليس في مكونات أجهزة الاتصالات لكن الخطر أنها تكون من صنع الاخرين و ليست صناعة محلية و تصنيع التكنولوجيا محليا قد يكون خيارا استراتيجيا لتقليل المخاطر المرتبطة بالحروب السيبرانية.
وأوضحت أن هناك عدة جوانب تدعم هذا الاتجاه.. أولها : تحسين الأمن السيبراني من خلال تقليل الاعتماد على الاستيراد من الخارج ..فتصنيع التكنولوجيا محليا يقلل من الاعتماد على الموردين الأجانب، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بالاختراقات أو التجسس الذي قد يحدث عبر سلاسل التوريد الدولية.وتحكم أفضل في البيانات: من خلال تطوير تكنولوجيا محلية، يمكن للدول التحكم بشكل أفضل في البيانات الحساسة وضمان عدم تعرضها للاختراق أو التسريب، مما يعزز الأمن السيبراني.وثانيا : تعزيز القدرة الدفاعية عن طريق تطوير تقنيات متقدمة حيث يمكن للدول الاستثمار في البحث والتطوير المحلي لتعزيز قدراتها التكنولوجية، مما يسهم في بناء أنظمة دفاعية أكثر فعالية ضد الهجمات السيبرانية واستجابة أسرع للهجمات: مع وجود فرق محلية متخصصة، يمكن للدول الاستجابة بشكل أسرع لأي تهديدات سيبرانية محتملة، مما يقلل من الأضرار المحتملة.
وثالثا : تعزيز الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل: تصنيع التكنولوجيا محليا يسهم في خلق فرص عمل جديدة ويعزز الاقتصاد الوطني، مما يساهم في استقرار المجتمع ويقلل من الفوضى التي قد تنجم عن الحروب السيبرانية.
وأكدت أستاذة الذكاء الاصطناعي أن تشجيع الابتكار المحلي في مجال التكنولوجيا يمكن أن يؤدي إلى تطوير حلول جديدة لمواجهة التحديات الأمنية، مما يعزز القدرة التنافسية للدولة على المستوى العالمي.
كما أن تعزيز البحث العلمي التطبيقي وتطوير تكنولوجيا محلية يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحسين الأمان وتقليل المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا المستخدمة في الاتصالات. ويتطلب ذلك استثمارا في التعليم والتدريب، بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين الأوساط الأكاديمية والصناعية لتطوير حلول مبتكرة تلبي احتياجات المجتمع وتحميه من المخاطر المحتملة.
تلافي مخاطر الحروب السيبرانية
وأوضحت د.خريبة أن البحث العلمي التطبيقي يمكن أن يلعب دورا حيويا في تقليل مخاطر الحروب السيبرانية في المنطقة من خلال عدة استراتيجيات وتطبيقات:1- تطوير تقنيات أمان متقدمة:يمكن للبحوث التطبيقية أن تركز على تطوير تقنيات أمان جديدة، مثل:أنظمة كشف التسلل: تصميم أنظمة قادرة على اكتشاف الأنشطة غير الطبيعية والتصدي لها بشكل سري،وتحسين بروتوكولات التشفير لحماية المعلومات الحساسة ومنع الوصول غير المصرح به.2-تعزيز الوعي والتدريب حيث تعتبر التوعية من العوامل الأساسية في مواجهة التهديدات السيبرانية. ويمكن للبحث التطبيقي أن يسهم في تطوير برامج تدريبية للمؤسسات والأفراد حول كيفية حماية أنفسهم من الهجمات السيبرانية، وإجراء دراسات ميدانية لتحليل سلوكيات المستخدمين وتحديد نقاط الضعف التي يمكن أن يستغلها المهاجمون.
3- التعاون بين الأوساط الأكاديمية والصناعية:يمكن للبحوث التطبيقية تعزيز التعاون بين الجامعات والشركات لتطوير حلول مبتكرة وهذا التعاون يمكن أن يشمل العمل على مشاريع مشتركة تهدف إلى تحسين الأمان السيبراني وتطوير تقنيات جديدة وتبادل المعرفة من خلال مشاركة الخبرات والأبحاث بين المؤسسات الأكاديمية والصناعية لتعزيز الابتكار.4-توجيه السياسات العامة:يمكن للبحث التطبيقي أن يساهم في توجيه السياسات العامة المتعلقة بالأمن السيبراني من خلال تقديم توصيات مبنية على البيانات لاستخدام نتائج الأبحاث لتقديم توصيات للحكومات حول كيفية تعزيز الأمان السيبراني.و إجراء دراسات حول المخاطر المحتملة وتقديم استراتيجيات للتخفيف منها.
**ولاشك أن تنفيذ ذلك يتطلب التعاون بين مختلف القطاعات واستثمارا مستداما في البحث والتطوير لتحقيق نتائج فعالة على أرض الواقع لحماية أمن المنطقة .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ملفات مهمة في مختلف المجالات تتصدر أولويات عمل حكومة الدكتور مصطفى مدبولي بعد التعديل الوزاري الأخير وذلك في إطار التكليفات...
مع اقتراب شهر رمضان المبارك .. تتعدد وتتنوع مبادرات " أهلا رمضان " ومعارض السلع المخفضة وذلك في إطار استعدادات...
التوفيق بين حق الطفل في استخدام التكنولوجيا وحمايته من مخاطرها .. معادلة صعبة في بيوتنا .. فرغم أن استخدام الموبايلات...
في ممرات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026م، وبينما يحتفي الملايين بالثقافة والأدب، يبرز كتاب "ألغام اليمن السعيد.. رحلة على الخطوط...