تهجير الفلسطينيين.. حلم إسرائيلي لا ينتهي

فكرة تهجير الفلسطينيين من وطنهم الأصلي "فلسطين" لم تكن وليدة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 .. فعلى مر التاريخ وحتى قبل ظهور دولة الاحتلال "إسرائيل" وحصولها على اعتراف دولي، تجلت فكرة تهجير ساكني فلسطين الأصليين في العديد من الدراسات والمقترحات الأمريكية والصهيونية.

في البداية كانت تلك المقترحات مجرد أفكار وبمرور الوقت، ومع ظهور دولة الاحتلال، تم عرض فكرة تهجير الفلسطينيين إلى أراض أخرى في المؤتمرات الرسمية وعلى رأسها مؤتمر "هرتزيليا" والذي شارك فيه كبار المسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية ومنهم رؤساء سابقين وأيضا أعضاء في الأمم المتحدة، وغيرهم من الخبراء والكوادر السياسية حيث تم مناقشة فكرة إيجاد وطن بديل للفلسطينيين خارج فلسطين كحل نهائي لتلك القضية.

ومؤخرا.. عادت الفكرة للظهور مجددا بعد أن طرح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فكرة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء والأردن وهو ما أثار موجة واسعة من الرفض والغضب الشعبي والرسمي، لأن سيناء لن تكون يوما وطنا بديلا، وأن القضية الفلسطينية لا يمكن تصفيتها بهذه المخططات.

الموقف المصري أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسى، حين قال إن ترحيل أو تهجير الشعب الفلسطيني هو "ظلم لا يمكن أن نشارك فيه"، مؤكدا أن ثوابت الموقف المصري التاريخي للقضية الفلسطينية لا يمكن أبدا التنازل بأي شكل من الأشكال عن تلك الثوابت والأسس الجوهرية التي يقوم عليها الموقف المصري.

وقال الرئيس السيسى "لا يمكن أبدا التساهل أو السماح به لتأثيره على الأمن القومي المصري"، مضيفا "مصر عازمة على العمل مع الرئيس الأمريكي ترامب للتواصل لسلام منشود قائم علي حل الدولتين".

وشدد الرئيس السيسي، على أن هناك حقوق تاريخية لا يمكن تجاوزها، مشيرا إلى أن الرأي العام المصري والعربي والعالمي يرى أن هناك ظلما تاريخيا وقع على الشعب الفلسطيني طوال 70 عاما.

وأضاف الرئيس السيسي إن الجميع رأى أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة عقب عودتهم بعد التدمير الذي استمر علي مدار أكثر من 14 شهرا مؤكدا أن مصر حذرت في بداية الأزمة من أن يكون الهدف هو جعل الحياة في قطاع غزة مستحيلة ليتم تهجير الفلسطينيين بعد ذلك ومصر أعلنت موقفها من البداية برفض ذلك.

وهو نفس ما أعلنه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، أن موقف الأردن الراسخ بضرورة تثبيت الفلسطينيين على أرضهم ونيل حقوقهم المشروعة، وفقا لحل الدولتين.

* مصر وتهجير الفلسطينيين

الدولة المصرية على المستوى الرسمي والشعبي عبرت مرارا وتكرارا عن رفضها القاطع لتصفية القضية الفلسطينية ورفض أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية.

فمصر هى الدولة الوحيدة التي قدمت ما لم يقدمه أحد لدعم القضية الفلسطينية والانتصار لحقوق الشعب الفلسطيني، فمنذ اللحظة الأولى لحرب 7 أكتوبر تصدت مصر لمخطط التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة وأعلنت رفضه في كافة المناسبات والمحافل الدولية والمؤتمرات والقمم وغيرها.

كما قدمت ولا زالت المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى قطاع غزة الذي دمره الاحتلال الإسرائيلي، وتبذل كل الجهود الممكنة لإنفاذ المساعدات لتخفيف المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني الشقيق، فضلا عن الجهود الدبلوماسية لدعم القضية الفلسطينية وجهود مصر في الوساطة والمفاوضات من أجل وقف إطلاق النار في غزة حتى نجحت في إتمام الاتفاق.

* موقف ثابت

واحتلت القضية الفلسطينية منذ عام 1948 وحتى الآن الاهتمام الأكبر من جميع الزعماء المصريين، فهى جزء من الأمن القومي المصري، وليست مجرد قضية فلسطينية، ولم يتغير الدور والمواقف المصرية حكومة وشعبا من القضية الفلسطينية عبر أكثر من نصف قرن.

حيث إن ارتباط مصر بقضية فلسطين هو إرتباط دائم ثابت تمليه إعتبارات الأمن القومي المصري وروابط الجغرافيا والتاريخ والدم والقومية مع شعب فلسطين، لذلك لم يكن الموقف المصري من قضية فلسطين في أي مرحلة يخضع لحسابات مصالح.

فموقف مصر ثابت ولن يتغير، حيث تتمسك مصر بثوابت ومحددات التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، وأكدت الدولة المصرية أنها تظل القضية المحورية بالشرق الأوسط، وأن التأخر في تسويتها، وفي إنهاء الاحتلال وعودة الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني هو أساس عدم الاستقرار في المنطقة.

وتعرب مصر دائما عن دعمها لصمود الشعب الفلسطيني على أرضه وتمسكه بحقوقه المشروعة في أرضه ووطنه، وبمبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، كما تشدد على رفضها لأي مساس بتلك الحقوق غير القابلة للتصرف، سواء من خلال الاستيطان أو ضم الأرض أو عن طريق إخلاء تلك الأرض من أصحابها من خلال التهجير أو تشجيع نقل أو اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، سواء كان بشكل مؤقت أو طويل الأجل، وبما يهدد الاستقرار وينذر بمزيد من امتداد الصراع إلي المنطقة، ويقوض فرص السلام والتعايش بين شعوبها.

ذلك هو الموقف الرسمي لمصر، ويدعمه شعب مصر كله، وعلى المجتمع الدولي أن يستجيب لدعوة الدولة المصرية إلى العمل على بدء التنفيذ الفعلي لحل الدولتين، بما في ذلك تجسيد الدولة الفلسطينية على كامل ترابها الوطني وفي سياق وحدة قطاع غزة والضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية، وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وخطوط الرابع من يونيو لعام 1967، ويجب أن يكون هناك دعم دولي لخطة إعمار غزة وأن يتوقف المجتمع الدولي عن صمته وموقفه المتخاذل تجاه الشعب الفلسطيني.

*  تمسك بثوابت ومحددات التسوية

فيما أعلنت وزارة الخارجية، في بيان رسمي، تمسك القاهرة بثوابت ومحددات التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، مشددة على رفض مصر لأي مساس بحقوق الشعب الفلسطيني، غير القابلة للتصرف، سواء من خلال الاستيطان أم ضم الأرض، أم عن طريق إخلاء الأرض من أصحابها من خلال التهجير أو تشجيع نقل أو اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، سواء بشكل مؤقت أم طويل الأجل، وبما يهدد الاستقرار وينذر بمزيد من امتداد الصراع إلى المنطقة ويقوض فرص السلام والتعايش بين شعوبها.

* رفض شعبي

نظم عشرات الآلاف من المصريين أمام معبر رفح الحدودى، أكبر وقفة تضامنية مصرية مع الشعب الفلسطيني.. وأعلنوا رفضهم جميع مخططات التهجير القسري للشعب الفلسطيني، وأن مصر لن تسمح بتمرير أي مخططات تهدد استقرار المنطقة أو تهدر حقوق الشعب الفلسطيني.

وأكد المشاركون في الوقفة الحاشدة، تأييدهم ودعمهم لسياسات الدولة المصرية والقيادة السياسية في مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، والداعية إلى إيجاد حل دائم للقضية الفلسطينية يقوم على أساس حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

وقفة شعبية تؤكد أن شعب مصر على قلب رجل واحد ويدرك ويعي جيدا حجم المخاطر التي تحيط بوطنه من كافة حدود الدولة الاستراتيجية ولاسيما من الجهة الشمالية الشرقية حيث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وأبرزت الوقفة أهمية الرأي العام في مصر و الإرادة الشعبية التي عبرت عنها الآلاف على معبر رفح رافضة تصفية القضية الفلسطينية التي حملت ولا يزال يحمل رايتها كافة الأجيال المصرية.

وهي تجدد التأكيد على أن ضمان أمن إسرائيل لن يتحقق بتصفية القضية الفلسطينية وإخراج وترحيل الفلسطينيين من أرضهم، إنما سيتحقق فقط بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ومن المؤكد أن شعب مصر قال كلمته في صوت واحد للعالم أجمع إنه لن يشارك في تهجير أشقائه الفلسطينيين من وطنهم ولكن يجب تسليط الضوء على الضرورة القصوى لتحرك عربي إسلامي يقف ضد أطروحات تهجير الفلسطينيين من وطنهم و يضع نقاطا مهمة على خطاب ومسار العمل العربي المشترك في الفترة المقبلة للدفع باتجاه حل الدولتين و تثبيت الفلسطينيين على أرضهم و مواجهة تحديات مستقبل الأمن الإقليمي.

* مخاوف مشروعة

مقترح الرئيس الأمريكي يثير مخاوف سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة فيما يتعلق باحتمال طردهم من القطاع الساحلي، فضلا عن إثارة القلق من تصفية القضية.

ويشعر الفلسطينيون منذ فترة طويلة بذكريات "النكبة" تطاردهم عندما طرد 700 ألف من منازلهم مع إعلان قيام إسرائيل عام 1948 فقد خرج كثيرون منهم إلى الدول العربية المجاورة، وما زالوا يعيشون في مخيمات اللاجئين في هذه الدول.

وشهدت أحدث موجة من الصراع قصفا إسرائيليا لم يسبق له مثيل وهجوما بريا في غزة، مما أدى إلى تدمير شامل بالقطاع ويقول فلسطينيون ومسؤولون من الأمم المتحدة إنه لم تعد هناك أي مناطق آمنة داخل غزة يمكن اتخاذها مأوى.

ونزح معظم سكان غزة أكثر من مرة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية التي بدأت في أعقاب هجوم حركة "حماس" على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، الذي أدى وفقا لإحصاءات إسرائيلية إلى مقتل 1200 شخص.

وقبل شن إسرائيل هجومها على غزة، طلبت من الفلسطينيين في شمال غزة الانتقال إلى ما قالت إنها مناطق آمنة في الجنوب ومع توسع الهجوم، طلبت منهم التوجه جنوبا نحو رفح الفلسطينية.

ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 85 % من 2.3 مليون نسمة يقطنون قطاع غزة، نزحوا بالفعل من منازلهم وتتفاقم الكارثة الإنسانية للفلسطينيين يوما بعد آخر.

وعبر كبار مسؤولي الأمم المتحدة عن المخاوف نفسها بشأن حدوث نزوح جماعي وقال مارتن جريفيث، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، في فبراير الماضي، إن فكرة انتقال الناس في غزة إلى مكان آمن محض "وهم".

وأثارت تعليقات بعض الوزراء الإسرائيليين مخاوف الفلسطينيين والعرب من نكبة جديدة فقد دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، يوم 31 ديسمبر 2023، السكان الفلسطينيين في غزة إلى مغادرة القطاع المحاصر.

بينما قال وزير الأمن القومي السابق إيتمار بن غفير إن الحرب قدمت فرصة للتركيز على تشجيع هجرة سكان غزة.

* خطط ومشاريع

فكرة تهجير الفلسطينيين لم تكن مجرد فكرة راودت أذهان النخبة من المؤسسين الصهيونيين بل طرحت كخطط ومشاريع كان يتم البحث فيها في إطار مجالس الحركة الصهيونية، وتبنتها شخصيات مؤثرة ذات انتماءات سياسية مختلفة داخل الحركة.

ويلاحظ على هذه الخطط إنها سعت في الغالب لدفع الفلسطينيين إلى مناطق نائية عن فلسطين، وكان بين المناطق المقترحة، مثلا سيناء ومناطق في الأردن ومنطقة الفرات الأوسط في العراق ومنطقة الجزيرة السورية، وكذلك اقترحت ليبيا والأرجنتين في مرحلة لاحقة لقيام الدولة.

وسعت الحركة الصهيونية على الدوام إلى إقناع الدول الغربية وخصوصا بريطانيا باستعمال نفوذها لدى العرب لحملهم على القبول بهذه الخطط والتي قوبلت دوما بالرفض القاطع.

* التهجير وتصفية القضية

في خضم الأحداث الجارية وجراء الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، طرحت مرة أخرى على الساحة فكرة تهجير الفلسطينيين، ونقل سكان غزة إلى أراضي عربية مجاورة على رأسها سيناء، وتهجير سكان الضفة الغربية التي يسيطر الاحتلال على مساحات واسعة منها إلى أراضي المملكة الأرنية المجاورة، وهو ما يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية ومحو الدولة الفلسطينية بأكملها لكن هذا المقترح وجد رفضا واضحا وبارزا من قبل مصر والأردن.

وتبقى معاناة الفلسطينيين وما واجهوه منذ النكبة عام 1948 من تهجير قسري متعدد المراحل والمستويات وتجويع وقتل وفقدان لجميع مقومات الحياة عرضا مستمرا في كل جولات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

مخططات إسرائيلية مستمرة ودائمة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية والسيطرة على الأرض وتهويدها، والسيادة على المسجد الأقصى والمقدسات وحصار جائر على قطاع غزة.. معاناة بدأت منذ 105 أعوام من الاحتلال، 30 عاما تحت الاستعمار البريطاني و75 عاما من الاحتلال الصهيوني.

تهجير الفلسطينيين من أراضيهم حلم إسرائيلي لم تتوقف الدولة العبرية عن التفكير به منذ نكبة 1948، وبين الحين والآخر تتجدد الفكرة سواء من الداخل أو من الحليفة أمريكا.

ووفقا لبيانات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني وحتى عام 2023، بلغ عدد الفلسطينيين الموجودين في أراضي "دولة فلسطين"، أي في الضفة الغربية وغزة، 5.48 ملايين شخص وهو ما يشكل قرابة 38% من نسبة الفلسطينيين الذين بلغ عددهم 14.5 مليون شخص حول العالم.

وهو ما يعني أن 62% من الفلسطينيين يعيشون خارج أراضيهم، وهو وضع يعود بشكل أساسي إلى الحدثين الأساسيين في تاريخ القضية الفلسطينية اللذين رسما الواقع على الأرض اليوم نكبة 1948 وما تبعها من حملات تهجير قسري حتى عام 1949، ونكسة 5 يونيو عام 1967.

* مجازر العصابات الصهيونية

مجموعة من المجازر ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق بعض القرى الفلسطينية، وحاولت من خلالها أن ترهب الفلسطينيين وتدفعهم إلى مغادرة أراضيهم، وتعد مذبحة دير ياسين النموذج الأساسي في هذا السياق، التي تعتبرها العديد من الدراسات حدثا مفصليا في تهجير الفلسطينيين عام 1948، واستمر الاحتلال بتهجير الفلسطينيين بوضوح حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.

اتجه الفلسطينيون المهجرون في أكثر من اتجاه، ابتداء من الضفة وغزة وصولا إلى الأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق، وهي المناطق التي تلقت الجزء الأكبر من اللجوء الفلسطيني، إلى جانب مجموعات عديدة لجأت إلى مختلف دول العالم.

ورغم ذلك، فالهجرات الفلسطينية بدأت وفقا للعديد من المصادر قبل النكبة نتيجة الضغوط التي مارسها الانتداب البريطاني والعصابات اليهودية على الفلسطينيين.

ومع ذلك، فإن تهجير الكتلة الكبيرة كان في عام النكبة بلغت قرابة 700 ألف فلسطيني، كما أن التهجير استمر بين حرب عام 1948 وحرب عام 1967، وقد شكلت تلك الأخيرة المحطة الأساسية الثانية في هجرة الفلسطينيين، التي سمي معظم مهاجريها بـ"النازحين"، وتوجه معظمهم إلى الأردن وتقدر أعدادهم بأكثر من ربع مليون.

لم تتوقف الهجرة الفلسطينية مع حرب 1967، ومع ممارسة سياسات قهرية وترحيلية رصد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بالأرقام عام 2016 تزايد أعداد الراحلين من الأراضي الفلسطينية نتيجة سياسات شملت التضييق الاقتصادي وهدم المنازل والسيطرة على الأراضي وتقييد الحركة والاعتقالات، وتكثيف السياسات الأمنية، حيث دفعت هذه السياسات مجتمعة بكثير من الفلسطينيين، وخصوصا الشباب والنخب العاملة والمتعلمة إلى البحث عن فرص في الخارج.

* محطات تاريخية في محاولات تهجير الفلسطينيين

مشاريع توطين الفلسطينيين في الأقطار العربية عرفت حضورا تاريخيا متكررا، لا سيما بداية من عام 1953، بما عرف حينها بـ"خطة سيناء"، وكذلك "مشروع الجزيرة" شمال سوريا، لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا والعراق، و"مشروع جونسون" لتوطين الفلسطينيين الموجودين بالضفتين الشرقية والغربية حول نهر الأردن.

تلك المشاريع جميعا لاقت رفضا عربيا رسميا، وعلى المستوى الشعبي كذلك، لا سيما مؤخرا منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023.

المقترح الأخير الذي طرحه الرئيس الأمريكي ترامب، بدعوة كل من مصر والأردن لاستقبال المزيد من اللاجئين الفلسطينيين ولاقى رفضا شعبيا وإعلاميا في مصر، ليس الأول ولن يكون الأخير في مخططات تهجير الفلسطينيين.

عرف الفلسطينيون "التهجير القسري" عن وطنهم عام 1948، مع إعلان قيام دولة إسرائيل، وفي العام التالي أسست الأمم المتحدة وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" من أجل الاستجابة لاحتياجات لما يقرب من ثلاثة أرباع مليون فلسطيني.

وشهد عام 1953 طرح "خطة سيناء" التي دعمتها واشنطن، وتشمل تهجير فلسطينيين لتلك البقعة المصرية، وجاء يوليو 1967 لتتواصل ماكينة إنتاج محاولات التهجير، وذلك عبر طرح السياسي والعسكري الإسرائيلي "إيجال ألون" على مجلس وزراء بلاده، خطة لفرض تسوية إقليمية تهدف لترحيل فلسطينيين إلى الأردن ومصر ولكنها لم تر النور.

وفي عام 1970، تبنى قائد المنطقة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي، أرئيل شارون، الذي أصبح لاحقا رئيسا للوزراء، خطة لتفريغ قطاع غزة من سكانه، ونقل المئات منهم لسيناء ومدينة العريش، اللتين كانتا تحت الاحتلال الإسرائيلي وقتها، ولم تنجح في الاستمرار.

واستمرت المخططات مع عام 2000، مع تقديم القائد العسكري الإسرائيلي، جيورا أيلاند، مشروعا يتضمن تقديم تنازلات عن أراض في سيناء لصالح دولة فلسطينية مقترحة، مقابل امتيازات لمصر، ولم يكتب له النجاح.. وتكرر ذلك المشروع بعد 4 أعوام على يد الرئيس السابق للجامعة العبرية بالقدس، يوشع بن آريه، ولم يخرج من حيز النقاش للتنفيذ أيضا.

وفي ولاية الرئيس ترامب الأولى، بدأ الحديث إعلاميا عام 2018، عن خطة أمريكية لتهجير الفلسطينيين تحت ما سمي بـ"صفقة القرن"، وهو ماقوبل بالرفض الشديد لفكرة "الوطن البديل" والتوطين، وسط مواقف رسمية وإعلامية مصرية متكررة عن رفض مخططات التهجير.

وكانت حرب غزة محطة جديدة لعودة إسرائيلية لـ"مخطط التهجير"، حيث كشفت ورقة نشرها معهد "مسجاف" الإسرائيلي، في 17 أكتوبر 2023، تدعو لإبعاد الفلسطينيين إلى مصر، وفي 14 من الشهر التالي دعا وزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، إلى الهجرة الطوعية واستيعاب عرب غزة في دول العالم.

وفي أواخر نوفمبر 2024، جدد سموتريتش، الدعوة لتشجيع سكان غزة على الهجرة خلال عامين.

* حلم إسرائيلي

يبقى الحلم الإسرائيلي المتطرف بتهجير الفلسطينيين حلما دائما في الخيال الإسرائيلي، ينتظر اللحظة المواتية للشروع في تطبيقه من خلال مؤسساته العسكرية والسياسية خاصة أن الاحتلال وضع لحملته على غزة هدفا سياسيا وعسكريا بعيدا هو القضاء على حماس ووقف "التهديد" القادم من غزة، وهو ما يعني فعليا السيطرة التامة على غزة.

* معوقات التهجير

جزء مهم من عملية التهجير في الماضي والتي أتمتها العصابات اليهودية كانت نتيجة المذابح الدموية التي قامت بها، وهو ما دفع الفلسطينيين في كثير من الحالات إلى مغادرة أراضيهم قبل أن يصلهم أفراد هذه العصابات.

كما أن جزءا من أسباب المغادرة كان الاعتقاد بأنها ستكون هجرة مؤقتة، وأن العودة ستكون قريبة مع هدوء الأوضاع، إلا أن خبرة الفلسطينيين وخصوصا الذين هجروا، تثبت عكس ذلك، وهو ما حول ذات الفلسطينيين إلى العنصر الأهم اليوم في إجهاض أي محاولة تهجير قبل أي معامل آخر.

كما أن الرغبة الإسرائيلية المتطرفة بتهجير الفلسطينيين من أراضيهم تقابلها معوقات كثيرة منها ماهو عربي وإقليمي ودولي.

أول هذه العوائق هو التحدي الدبلوماسي العالمي، وهو يتعلق بتأثير هذه الخطوة على شرعية إسرائيل ومكانتها الدولية فأي عملية تهجير واسعة لا بد لها من حملات سياسية وإعلامية كبيرة وممتدة لإقناع الرأي العام العالمي بها، وهو ما يبدو صعبا جدا إن لم يكن مستحيلا وهو مايرتبط بالعائق الثاني.

العائق الثاني ذو طابع إقليمي، وهو يتعلق بمواقف دول الجوار من الخطة الإسرائيلية حيث واجهت دول المنطقة هجرات فلسطينية عدة مرات مع كل عدوان إسرائيلي على سكان غزة.

الدول العربية المحيطة بفلسطين، وعلى رأسها مصر والأردن يتخذان مواقف حازمة بخصوص رفض تهجير الفلسطينيين، الذي يمثل شهادة وفاة رسمية لمشروع الدولة الفلسطينية، وهو مايرفضه الجميع.

يضاف إلى ذلك إن العديد من دول المنطقة أبدت مواقف واضحة تعارض هذه الخطوة، وكان الموقفان الأردني والمصري أكثرها وضوحا، حيث اعتبرا ضمنيا أي محاولة تهجير بمنزلة إعلان حرب عليهما، وهو ما يضع الاحتلال أمام تحد حقيقي لايستطيع مواجهته.

* أهالي غزة.. عودة بعد معاناة

ورغم المعاناة المستمرة للفلسلطينيين من محاولات التهجير فبعد رحلة شاقة وطويلة عاد مئات الآلاف من سكان شمال قطاع غزة إلى منازلهم، عبر شارع الرشيد الساحلي بعد 15 شهرا من النزوح القسري.. في مشهد اختلطت فيه مشاعر الحنين بذكريات المعاناة بعد توصل حماس وإسرائيل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

سيرا على الأقدام عبر شارع الرشيد الساحلي.. حاملين أمتعتهم وذكرياتهم من رحلة نزوح قاسية وبعد أشهر من المعاناة عاشها السكان في مراكز الإيواء المؤقتة بجنوب القطاع سلك النازحون طريق العودة الذي حمل مشاهد إنسانية كثيرة تختزل معاناة طويلة وأمل في الاستقرار، بعد نزاع دام فرض على عشرات الآلاف ترك منازلهم والرحيل لأماكن بعيدة.

لكن تلك العودة من جنوب قطاع غزة إلى أماكن سكنهم في شماله، لم تكن مفروشة بالورود، خصوصا في ظل الدمار الكبير الذي حل بمنازلهم والبنية التحتية في تلك المناطق .. عادوا من العراء والخيام التي كانوا قد اضطروا للعيش فيها خلال أشهر الحرب الإسرائيلية إلى العراء في شمال القطاع، حيث لم يجدوا منازل يأوون إليها حتى إن بعضهم لم يجد مكانا لينصب فيه خيمة يقيم فيها.

منظر الدمار الهائل طغى على واقع ظروف الحياة في مخيم جباليا وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون، بالنسبة للكثيرين من السكان العائدين لتلك المناطق، الأمر الذي أجبر الجهات المختصة على توسيع عمليات التجريف في العديد من المناطق التي تعد رئيسية وحيوية لتصبح مساحتها أكبر لوضع ما يتوفر من خيام فيها لإيواء السكان، وسط صعوبات أكبر في إيجاد معدات لتسهيل عمليات التجريف وإزالة الركام.

ورغم ذلك، مشاهد العودة بدت مفعمة بالفرح وحب الأرض والتشبث بها وهي رسالة لكل المراهنين على كسر إرادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه خاصة أن عودة النازحين إلى بيوتهم تثبت مجددا فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه العدوانية في التهجير القصري وكسر إرادة الصمود لديه.

* 5.9 مليون لاجئ

تشير سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لديها وذلك في يناير 2022، حوالي 5.9 مليون لاجئ فلسطيني وهو ما يجعلهم أحد أكبر تجمعات اللاجئين في العالم.. منهم نحو 2.5 مليون في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهم بذلك يشكلون حوالي 42% من اللاجئين الفلسطينيين (15% في الضفة الغربية مقابل 27% في قطاع غزة).

أما على مستوى الدول العربية، فقد بلغت نسبة اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة الغوث في الأردن حوالي 40% من إجمالي اللاجئين الفلسطينين في حين بلغت هذه النسبة في لبنان وسوريا حوالي 8% و10% على التوالي.

وتمثل هذه التقديرات الحد الأدنى لعدد اللاجئين الفلسطينيين باعتبار وجود لاجئين غير مسجلين، إذ لا يشمل هذا العدد من تم تشريدهم من الفلسطينيين بعد عام 1949 حتى عشية حرب يونيو 1967 "حسب تعريف الأونروا" ولا يشمل أيضا الفلسطينيين الذين رحلوا أو تم ترحيلهم عام 1967 على خلفية الحرب والذين لم يكونوا لاجئين أصلا.

بالإضافة إلى ذلك، نزح ما يقرب من 1.9 مليون شخص داخليا في غزة بعد التوغل الإسرائيلي في القطاع في أكتوبر 2023، وفقا للأمم المتحدة.

Katen Doe

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ملفات عرب وعالم

العالم العربي 2025.. وقف حرب غزة وتزايد الاعترافات بفلسطين وسوريا "دولة العام"

عام "فلسطيني" بامتياز .. من وقف الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.. الى تحول ملموس في التوجه الدولي تجاه الحق الفلسطيني،...

المشهد العالمي في 2025.. ارتفاع غير مسبوق في عدد النزاعات.. وتصاعد التوترات  

مع استقبال العام الجديد.. وفي نظرة سريعة لأهم الاحداث العالمية على مدار عام 2025.. لا يزال يعيش على وقع نيران...

من مصر إلى العراق.. 67 قمة عربية خلال 80 عاما

منذ تأسيس جامعة الدول العربية قبل 80 عاما.. وصل عدد القمم العربية إلى 67 قمة.. عقدت تحت نار الأزمات وارتبطت...

كشمير .. صراع تاريخي يتجدد بين الهند وباكستان

كشمير.. كلمة السر في الصراع الممتد عبر 8 عقود بين الهند وباكستان .. والسبب الرئيسي في واحدة من أطول الحروب...