لم يكن العاشر من رمضان مجرد محطة عسكرية ناجحة في تاريخ الصراع، بل لحظة استراتيجية أعادت صياغة منطق القوة في المنطقة بأكملها.
نهال الشافعىماجستير علوم سياسية و استراتيجية ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
ففي هذا اليوم، لم تنتصر مصر بالسلاح وحده، وإنما نجحت في تفكيك العقل الاستراتيجي للخصم، وكسر الصورة الذهنية التي بُنيت لعقود حول تفوقه المطلق وقدرته على فرض الإرادة قبل اندلاع أي مواجهة.
ما جرى في العاشر من رمضان كان انتقالًا واعيًا من معركة الأرض إلى معركة الإدراك، وهو ما يمنح هذه الذكرى دلالة معاصرة تتجاوز حدود الزمن.
قبل الحرب، كانت المعركة الحقيقية تدور في الوعي أكثر مما تدور على الجبهات. ساد تصور مفاده أن ميزان القوى محسوم سلفًا، وأن الردع النفسي كفيل بتجميد أي محاولة للمبادرة.
جاءت الحرب لتقلب هذه القاعدة، ليس عبر اندفاع عسكري مباشر، بل عبر إدارة دقيقة لعناصر المفاجأة والزمن والمعلومة، بحيث يتحول الهدوء الطويل إلى أداة خداع، ويتحول الانتظار إلى جزء من الخطة، وتتحول الضربة الأولى إلى صدمة ذهنية قبل أن تكون خسارة ميدانية.
العبور في جوهره لم يكن مجرد تحرك عسكري عبر قناة، بل كان عبورًا نفسيًا أعاد للدولة ثقتها في ذاتها، ونقلها من موقع الدفاع إلى موقع فرض الإرادة.
هذه النقلة الاستراتيجية هي جوهر الانتصار، لأنها أنهت مرحلة الخضوع لمنطق التفوق المفروض، وأدخلت الخصم في حالة ارتباك استراتيجي أفقدته القدرة على التقدير السليم في اللحظات الحاسمة الأولى، وهي اللحظات التي تُبنى عليها نتائج الحروب طويلة الأمد.
الأهم أن هذا الانتصار لم يُدار بمنطق القوة الصلبة وحدها، بل بمنطق إدارة الإدراك. فقد جرى بناء صورة مضللة عن النوايا والقدرات، واستدراج الخصم إلى شعور زائف بالأمان، ثم تفكيك هذه الصورة في توقيت محسوب بعناية. هنا، لم تكن المعركة مواجهة مباشرة، بل صراعًا على من يملك القدرة على التحكم في تصور الطرف الآخر لما هو ممكن وما هو مستحيل.
من هذه الزاوية، يبدو العاشر من رمضان سابقًا لزمنه، إذ يقدم نموذجًا مبكرًا لما يُعرف اليوم بحروب الوعي وحروب السرديات، حيث لم تعد السيطرة على الأرض كافية لتحقيق النصر، بل أصبحت السيطرة على الرواية، وكسر الصورة الذهنية للخصم، جزءًا أساسيًا من معادلة القوة. وهو درس شديد الأهمية في واقع إقليمي مضطرب تُدار فيه الصراعات عبر الإعلام، والمنصات الرقمية، والحرب النفسية، بنفس القدر الذي تُدار به عبر الجيوش.
في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المنطقة، من صراعات ممتدة إلى محاولات فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، تبرز دلالات العاشر من رمضان كنموذج قابل للاستلهام. فالدولة التي انتصرت حينها لم تكن الأكثر تسليحًا، لكنها كانت الأكثر وعيًا بخصمها، والأقدر على توظيف عناصر القوة الشاملة، والأوضح رؤية في تحديد لحظة الفعل.
إحياء هذه الذكرى لا يجب أن يقتصر على الاحتفاء الرمزي، بل على استعادة منطقها الاستراتيجي. فالعاشر من رمضان يعلّمنا أن المعركة الحقيقية تبدأ في العقل، وأن إدارة الوعي قد تكون أحيانًا أكثر حسمًا من إدارة النيران، وأن الإرادة حين تُدار بعقل استراتيجي قادرة على تغيير موازين تبدو ثابتة مهما طال الزمن.
بهذا المعنى، لا يُقرأ العاشر من رمضان كتاريخ مضى، بل كنموذج مستمر في كيفية تحويل التحديات الوجودية إلى لحظات إعادة بناء للدولة، وإعادة تعريف لمفهوم القوة في عالم لا ينتصر فيه الأقوى سلاحًا بالضرورة، بل الأذكى إدارةً للصراع.
موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً
رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...
نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...
"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...