الخروج من الفقاعة !

​في عصرنا الرقمي الحالي، أصبحنا نعيش في عالم يبدو ظاهرياً واسعاً وبلا حدود، لكننا في الحقيقة قد نكون سجناء داخل مساحات ضيقة تُعرف بـ "الفقاعة الإعلامية" (Media Bubble) أو "غرف الصدى" (Echo Chambers).

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

هذه الظاهرة التي باتت حديث الأكاديميين والممارسين والدارسين في كليات الإعلام، ليست مجرد تطور تقني عابر، بل هي إعادة صياغة لطريقة إدراكنا للواقع، حيث يتم عزلنا عن كل ما يغاير معتقداتنا بفضل خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

​ما هي الفقاعة الإعلامية؟

​الفقاعة الإعلامية هي حالة من العزلة الفكرية تنشأ عندما تقوم خوارزميات التوصية في منصات التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك، يوتيوب، وتيك توك) بتصفية المحتوى الذي يظهر للمستخدم بناءً على سلوكه السابق. إذا بحثت مرة عن نوع معين من السيارات، ستجد أن عالمك الرقمي قد "تمركز" فجأة حول السيارات؛ وكلما تفاعلت مع رأي سياسي معين، حاصرتك المنصات بآراء مشابهة، مما يخلق وهم الإجماع العام ويجعلك تعتقد أن العالم كله يفكر بطريقتك!

​أسباب التكوّن وخطورة الانغلاق!

​يرجع تكوّن هذه الفقاعات إلى تضافر عاملين:

- ​الخوارزميات الذكية: التي تهدف لإبقائك أطول فترة ممكنة على المنصة عبر تقديم ما تحب فقط

- ​الميل البشري الطبيعي: فنحن نميل بطبعنا إلى "الانحياز التأكيدي"، أي البحث عن المعلومات التي تدعم قناعاتنا والهروب من تلك التي تتحدى مفاهيمنا.

​وتكمن الخطورة الكبرى في أن هذه البيئة تعد مرتعاً خصباً لانتشار الأخبار المزيّفة والمعلومات المغلوطة بمعنى عندما تُصمم المعلومة لتغازل تحيزاتك، فإنك تتقبلها دون نقد و هذا يؤدي بالتبعية إلى تعميق الاستقطاب المجتمعي، وتآكل الأرضية المشتركة للحوار، مما يجعل التفاهم بين المجموعات المختلفة أمراً شبه مستحيل، ويغيب الرأي الموضوعي المتوازن!

​استراتيجيات الخروج من الفقاعة

​الخروج من هذه الحالة يتطلب "جهداً واعياً" وإرادة لكسر القالب و إليك خمس وسائل عملية لتجنب الوقوع في هذا الفخ الرقمي:

1. ​تنوع مصادر المعلومات:
لا تكتفِ بمنصة واحدة أو وسيلة إعلامية ذات توجه محدد. تابع وسائل إعلامية مختلفة، حتى تلك التي تتبنى وجهات نظر تختلف معها جذرياً، لتفهم كيف يفكر "الآخر".
​التحقق من المصداقية: اعتمد قاعدة "التعدد للتوثيق"؛ فالخبر لا يصبح حقيقة إلا إذا نقلته أكثر من جهة مستقلة وموثوقة.

2. ​التفاعل بوعي وانفتاح:
مارس "ثقافة الاختلاف"؛ استمع للآراء المخالفة ليس بهدف الرد عليها، بل بهدف فهمها واستيعاب منطلقاتها.

3. ​تنمية الحس النقدي:
تعلم مهارات تحليل المضمون. العين الناقدة هي التي تفرز البيانات وتكتشف الانحيازات المختبئة خلف الكلمات.

4. ​الضغط من أجل التغيير التقني: تشجيع المنصات على تعديل خوارزمياتها لعرض محتوى متنوع وتنبيه المستخدمين عند انغلاقهم داخل تيار واحد.

5. ​اختبر نفسك:

هل أنت أسير داخل فقاعة؟
​لكي تدرك موقعك الحالي، اسأل نفسك بصدق .. ​هل تتعرض غالباً لرأي واحد في القضايا الخلافية؟

​هل تشعر بصدمة أو استغراب شديد عند سماع رأي مغاير لقناعاتك؟

​هل مصادرك الإعلامية كلها تنبع من توجه فكري أو سياسي واحد؟

​إذا كانت إجاباتك بـ "نعم"، فأنت تعيش داخل غرفة صدى معزولة أما إذا كانت بـ "لا"، فهذا يعني أنك تملك مفاتيح حريتك الفكرية.

​المحصلة..

إن الخروج من الفقاعة الإعلامية ليس مجرد خيار تقني، بل هو ضرورة أخلاقية واجتماعية

إن العالم أجمل وأشمل من أن نختزله في خوارزمية، والحوار المجتمعي لا يثمر إلا عندما نخرج من غرفنا الضيقة لنلتقي في فضاء المعرفة الواسع والمتوازن.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد
الصياد
الصياد
ابراهيم الصياد
الصياد
الصياد
الصياد

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

"المدجاي" عيون مصر الساهرة

بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....