تُمثّل الانتخابات البرلمانية في لحظتها الراهنة مساحة تواصل واعٍ بين المجتمع ودولته؛ وفيها يعبّر المواطنون عن حضورهم السياسي انطلاقًا من الوعي والاختيار الحر، بوصفهم شركاء فاعلين في صياغة المجال العام.
بقلم المستشار حسام الدين علاممؤسس مبادرة القانون وبناء السلام
وتقوم هذه المشاركة على منظومة سيادة القانون التي تُلزم الجميع من أفراد ومؤسسات بإطار واضح من الحقوق والواجبات، ما يسمح بتحوّل الاختلاف والتنوع إلى منافسة مشروعة. وعلى هذا الأساس، تصبح العملية الانتخابية أحد المسارات الرئيسية لبناء السلام داخل المجتمع؛ فهي تنقل التعبير عن التنوّع من الهامش إلى البرلمان، وتحوّل الإرادة العامة إلى سلطة تشريعية قادرة على تنظيم المجال العام بصورة سلمية ومستقرة. كما يُعدّ مبدأ سيادة القانون ركيزة أساسية في البناء الدستوري للدولة المصرية، إذ نصّت المادة (94) من دستور 2014 على أن: "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة. وتخضع الدولة للقانون...". ويعكس هذا النص إدراكًا دستوريًا بأن شرعية الحكم تقوم على احترام القواعد القانونية المقررة، بما يضمن للانتخابات إطارًا منظّمًا يكفل المساواة والشفافية. ومن خلال هذا التصور، تبرز العملية الانتخابية باعتبارها ممارسة تجسّد حيوية المجتمع وقدرته على المشاركة في تشكيل المؤسسات العامة. أما البرلمان، مجلس النواب، فهو الجهة التي منحها الدستور سلطة التشريع والرقابة. فقد نصّت المادة (101) على أن المجلس "يتولى سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية...". وتكمن أهمية هذا الدور في أنه يجعل البرلمان محورًا لتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع عبر أدوات تشريعية ورقابية تكفل حماية الحقوق، وتتيح تفعيل التوازن بين السلطات. وتُعدّ الوظيفة الرقابية للبرلمان ضمانة مركزية لتفعيل سيادة القانون. فالأدوات الرقابية مثل طلبات الإحاطة والأسئلة والاستجوابات تجعل المسؤولين التنفيذيين مُساءلين أمام مؤسسة منتخبة. وهذا التفاعل المؤسسي لا يُمارَس بمعزل عن المجتمع، بل يقوم على ترجمة أولويات المواطنين كما أظهروها عبر الانتخابات إلى رقابة وتشريعات قابلة للتطبيق. وبذلك يُصبح البرلمان حلقة وصل بين الإرادة الشعبية والتطبيق العملي للقانون. وفي هذا الخصوص، تضطلع الهيئة الوطنية للانتخابات بدور محوري في صون نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها في مختلف مراحلها، بدءًا من إعداد جداول الناخبين، مرورًا بضوابط الترشح والدعاية، ووصولًا إلى إجراءات الاقتراع والفرز وإعلان النتائج. ويستند هذا الدور إلى المادة (210) من الدستور التي أكدت اختصاص الهيئة "بإدارة الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية والمحلية والإشراف عليها". وتمتاز الهيئة بطابعها القضائي؛ إذ يتركّب مجلس إدارتها من قضاة يتم اختيارهم من بين نواب رئيس محكمة النقض، ورؤساء محاكم الاستئناف، ونواب رئيسي مجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة، الأمر الذي يعكس ثقة الشعب والدولة في السلك القضائي باعتباره الضامن الأعلى للحياد والدقة. كما يمتد الإشراف القضائي ليشمل متابعة سير العملية الانتخابية في كافة المحافظات من خلال وجود مستشارين على رأس اللجان العامة والفرعية، بما يضمن تنفيذ الإجراءات على نحو يتسق مع القانون ويعزز ثقة المواطنين في سلامة العملية الانتخابية. ويمنح هذا البناء المؤسسي العملية الانتخابية إطارًا حازمًا يحقق معايير النزاهة والحياد، ويتجسد فيه حضور سيادة القانون داخل المجال السياسي بصورة عملية وملموسة. وفي ذات السياق، تُسهم العملية الانتخابية في دعم جهود بناء السلام الوطني بوصفها آلية منظّمة للتعبير عن التعددية الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع. فقد أكدت المادة (5) من الدستور أن النظام السياسي يقوم على "التعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة...". ويكشف هذا النص عن إدراك دستوري بأن التنوع يتم التعامل معه من خلال التمثيل والمشاركة. ومن خلال وجود مؤسسات تستوعب هذا التنوع، وعلى رأسها البرلمان، حيث تتحول التباينات إلى حوارات داخل أطر قانونية، ما يعزز الاستقرار ويحد من احتمالات التوتر.
وعلى المستوى العملي، توفّر الانتخابات قناة مؤسسية تمكّن الأفراد من التأثير في صناعة القرار والمساهمة في تحديد أولويات السياسة العامة. وعندما تُمارس المشاركة على أساس واعٍ، فإنها تعزز شعور المواطنين بالمسؤولية المشتركة، وترفع مستوى الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. ويمتد أثر هذه المشاركة إلى تعزيز الاستقرار؛ إذ تتيح للتطلعات والتباينات أن تتحرك ضمن أطر قانونية واضحة، وهو ما يسهم في دعم بناء السلام داخل المجتمع.
وتؤكّد المادة (87) من الدستور أن المشاركة في الحياة العامة واجب وطني، وأن لكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي. وتكشف هذه الصياغة أن عملية التصويت تجمع بين البعد الفردي المتصل بالحقوق الدستورية، والبعد الجماعي المتعلق ببناء مؤسسات قادرة على تمثيل المجتمع بفاعلية. ولذلك فإن ممارسة حق الانتخاب تظل خطوة أساسية في دعم مسار الدولة نحو ترسيخ مبادئ سيادة القانون وتعزيز قدرتها على الاستجابة لتطلعات المجتمع.
خاتمة
تكشف القراءة الدستورية والقانونية للانتخابات البرلمانية في مصر أنها ليست إجراءً دوريًا فحسب، بل عملية ترتبط بمبادئ سيادة القانون ومتطلبات بناء السلام داخل المجتمع. فالمشاركة الانتخابية الفاعلة تُسهم في تعزيز شرعية المؤسسات وترسيخ آليات المساءلة، كما تُحوّل التعددية إلى طاقة تنظيمية داخل إطار قانوني سلمي. وبهذا المعنى، يصبح التصويت ممارسة مزدوجة الطبيعة: فهو حق يُمكّن المواطن من اختيار ممثليه، وواجب وطني يسهم في استقرار الدولة وتطورها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....