الذكاء الاصطناعي ومستقبل العدالة في الجمهورية الجديدة

رؤية دستورية وقانونية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030

يشهد العالم تحولًا جذريًّا في بنية المؤسسات القانونية بفعل الذكاء الاصطناعي، الذي بات أحد أبرز محركات "الثورة الصناعية الرابعة".

بقلم المستشار حسـام الدين علّام

وفي ضوء الجمهورية الجديدة التي تسعى لترسيخ دعائم الدولة المتقدمة القائمة على الكفاءة، والحوكمة، والتحول الرقمي، تبرز تساؤلات جوهرية حول موقع الذكاء الاصطناعي في منظومة العدالة المصرية، ودوره في دعم أهداف التنمية المستدامة وتحقيق رؤية مصر 2030 التي جعلت من "الشفافية، والعدالة، وكفاءة المؤسسات" محورًا أساسيًا في مسارها التنموي.

أولًا: الإطار الدستوري للحوكمة الرقمية في مصر

يُؤسس الدستور المصري لعام 2014 وتعديلاته لمنظومة قانونية متكاملة تدعم التحول الرقمي وتكفل في الوقت ذاته حماية الحقوق والحريات. فقد أدرك المُقنِّن الدستوري أن بناء "الجمهورية الجديدة" يتطلب تأسيس إطار قانوني يواكب ثورة التكنولوجيا الحديثة ويوازن بين ضرورات التطوير والضوابط القانونية التي تصون كرامة الإنسان. ومن ثمّ، جاءت نصوص الدستور لتؤكد التزام الدولة بتحقيق العدالة الرقمية، وضمان الشفافية، وتعزيز كفاءة المؤسسات العامة وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة، في اتساقٍ تام مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030. وتُبرز هذه الرؤية الدستورية الطموحة أن التحول الرقمي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق التنمية الشاملة والمواطنة الرقمية المسؤولة في دولةٍ حديثة تُقدّر العلم والابتكار وتصون الحقوق والحريات. ومن أبرز مواده ذات الصلة:
• المادة (9): تُلزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين دون تمييز.
• المادة (25): تنص على التزام الدولة بتطوير التعليم والبحث العلمي والابتكار بوصفها مكونات أساسية للتنمية المستدامة.
• المادة (31): تؤكد أن أمن الفضاء المعلوماتي جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي، وتلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لحمايته.
• المادة (57): تكفل حرمة الحياة الخاصة، وتحظر انتهاك المراسلات أو مراقبتها إلا بأمر قضائي مسبب.
• المادة (65): تضمن حرية الفكر والرأي، وهو ما يرتبط بحقوق الأفراد في مواجهة القرارات الآلية أو التحليل الخوارزمي.
• المادة (68): تُلزم الدولة بضمان حق المواطنين في الحصول على المعلومات والبيانات والوثائق الرسمية بشفافية.
• المادة (99): تنص على أن كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة جريمة لا تسقط بالتقادم.
• المادة (218): تُلزم الدولة بمكافحة الفساد وتعزيز قيم الشفافية والنزاهة، وهو ما يُعد من ركائز “الحوكمة الرقمية” في الجمهورية الجديدة.
تُشكّل هذه النصوص قاعدة دستورية متينة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن إطار من الرقابة القانونية والحوكمة الرشيدة، بما يضمن أن يكون التطور التقني خادمًا للإنسان ومُعزِّزًا لكرامته.

ثانيًا: المنظومة التشريعية – نحو تأصيل الحوكمة الرقمية

واكب المُقنِّن المصري هذه الرؤية الدستورية بإرساء بنية تشريعية حديثة تُترجم المبادئ الدستورية إلى واقعٍ عملي، عبر إصدار حزمة من القوانين التي تنظّم الفضاء الرقمي وتضبط استخدام التكنولوجيا الحديثة. وجاء هذا التوجّه التشريعي ليُعزّز مفهوم الحوكمة الرقمية ويُؤسس لبيئة قانونية تضمن الاستخدام الرشيد للتقنيات الذكية بما يخدم العدالة والتنمية المستدامة في الجمهورية الجديدة. وبهذا تتكامل المنظومتان الدستورية والتشريعية في بناء إطار وطني متوازن يُعزّز الشفافية والمساءلة ويواكب متطلبات التحول الرقمي، ومن أبرزها:
1. قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020
o المادة (2): تُطبّق أحكام القانون على كل من يُعالج بيانات شخصية إلكترونيًا داخل جمهورية مصر العربية أو خارجها.
o المادة (6): تشترط الحصول على موافقة صريحة من صاحب البيانات قبل جمعها أو معالجتها.
o المادة (19): تُنشئ “جهاز حماية البيانات الشخصية” كهيئة عامة مستقلة تتولى متابعة تطبيق القانون وتنظيمه.
2. قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018
o المادة (1): تُعرّف البيانات والمعلومات الإلكترونية وتحدّد نطاقها القانوني.
o المادة (2): تُجرّم الدخول غير المشروع على مواقع أو أنظمة معلوماتية تخص الدولة أو الأفراد.
o المادة (25): تُعاقب من يعتدي على حرمة الحياة الخاصة عبر الوسائط الرقمية أو الإنترنت.
3. قانون تنظيم استخدام وسائل الدفع غير النقدي رقم 18 لسنة 2019
o يُعزّز التحول نحو الاقتصاد الرقمي الآمن ويُسهم في بناء الثقة في منظومة المعاملات الإلكترونية.
4. القانون رقم 72 لسنة 2017 بشأن الاستثمار
o المادة (2): تنص على التزام الدولة بتوفير بيئة تشريعية وتشغيلية جاذبة تقوم على الشفافية والحوكمة.
تُظهر هذه النصوص القانونية أن المُقنِّن المصري قد تبنّى منهجًا تطبيقيًا واقعيًا في تنظيم الفضاء الرقمي، يقوم على الربط بين حماية الحقوق الفردية وتعزيز الكفاءة المؤسسية. فبدلًا من الاكتفاء بوضع قواعد عامة، جاءت هذه القوانين لتحدّد مسؤوليات واضحة، وتُنشئ أجهزة رقابية متخصصة، وتضع آليات إنفاذ فعّالة تضمن التطبيق العملي لمبادئ الحوكمة الرقمية. وبهذا النهج العملي، انتقلت المنظومة القانونية من مرحلة التنظير إلى مرحلة التنفيذ المؤسسي، بما يعكس وعي الدولة بأهمية التحول الرقمي كأداة لتحقيق العدالة والتنمية في الجمهورية الجديدة.

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي والعدالة المستدامة

أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أبرز أدوات تطوير منظومة العدالة، لما يتيحه من إمكانات تحليل كمٍّ هائلٍ من البيانات القانونية، ورصد الأنماط القضائية، وتسريع إجراءات التقاضي. غير أن استخدامه في المجال القضائي لا ينبغي أن يقتصر على الكفاءة التقنية فحسب، بل يجب أن يخضع لـ حوكمة رشيدة تضمن تحقيق العدالة بمعناها الإنساني والموضوعي معًا.
ولذلك، فإن العدالة المستدامة في عصر الذكاء الاصطناعي تقتضي:
• تحديد المسؤولية القانونية عن القرارات الناتجة عن الأنظمة الذكية؛
• ضمان الشفافية في الخوارزميات بما يجعل نتائجها قابلة للمراجعة والتدقيق القضائي؛
• تأكيد حضور العنصر البشري في جميع مراحل صنع القرار لضمان الرقابة الأخلاقية والقانونية.

وهذا التوجه ينسجم مع ما قررته المادة (184) من الدستور المصري التي تنص على أن "السلطة القضائية مستقلة، تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها"، وهو تأكيد على أن التكنولوجيا يجب أن تكون رافدًا داعمًا لاستقلال القضاء لا بديلاً عنه، وأداة لترسيخ العدالة لا لتجريدها من بعدها الإنساني.

رابعًا: الذكاء الاصطناعي ورؤية مصر 2030

تُعد مساعي الدولة في تطوير منظومة العدالة الرقمية ركيزة أساسية في تحقيق رؤية مصر 2030، التي تضع التحول الرقمي في صميم عملية الإصلاح الإداري والمؤسسي. ويبرز ذلك بوضوح في:
• المحور الرابع من الرؤية: الشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية، الذي يهدف إلى تعزيز الحوكمة والاعتماد على التكنولوجيا في تحسين الخدمات العامة؛
• والمحور السابع: العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، الذي يُعنى بضمان وصول المواطنين إلى منظومة عدالة حديثة وسريعة وشفافة.
كما تتكامل هذه الجهود مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs)، لا سيّما:
• الهدف السادس عشر: السلام والعدل والمؤسسات القوية،
• والهدف التاسع: الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية.
ومن ثم، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في العدالة المصرية لا يمثل مجرد تحديث تقني، بل تحولًا استراتيجيًا يُعزّز الشفافية، ويرسّخ سيادة القانون، ويجعل من التحول الرقمي أحد أعمدة التنمية الشاملة في الجمهورية الجديدة.

خامسًا: الشباب وبناء منظومة العدالة الرقمية

تُدرك "الجمهورية الجديدة" أن الاستثمار في الشباب هو الركيزة الأساسية لبناء منظومة عدالة رقمية متكاملة، إذ يمثل إعداد الكفاءات القانونية القادرة على فهم التقنيات الحديثة وتوظيفها في خدمة العدالة محورًا رئيسًا لتحقيق التنمية المستدامة. ومن ثمّ، أصبح من الضروري إدماج مقررات متخصصة في "القانون والتكنولوجيا" ضمن المناهج الجامعية وبرامج التأهيل القضائي، بما يعزز الوعي القانوني والأخلاقي في التعامل مع الأنظمة الذكية. كما يسهم هذا التوجّه في تكوين جيل واعٍ بقيم النزاهة والشفافية وسيادة القانون، قادر على مواكبة التحولات الرقمية وتسخيرها لترسيخ مبادئ العدالة في "الجمهورية الجديدة".

سادسًا: التوصيات

1. إصدار إطار تشريعي شامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي.
2. إنشاء مركز وطني للعدالة الرقمية يتبع وزارة العدل لتنسيق الجهود وتقديم الدعم الفني.
3. دمج مبادئ الحوكمة الرقمية في الاستراتيجيات الوطنية تحقيقًا لأهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
4. إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لحوكمة الذكاء الاصطناعي القضائي تجمع الجهات القضائية والتنظيمية والأكاديمية.
5. تضمين المقررات الجامعية موضوعات حول "الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية".
6. إنشاء وحدة متخصصة داخل وزارة العدل تُعنى بحوكمة الابتكار التقني القضائي ورصد تطبيقاته وتقييم أثرها.

خاتمة: نحو عدالة مصرية تُواكب العصر

إن العدالة في "الجمهورية الجديدة" ليست مجرد وسيلة لحسم النزاعات، بل رسالة حضارية تُجسّد التقاء القانون بالقيم، والتقنية بالإنسان. فالتحول نحو العدالة الرقمية يُعبّر عن وعيٍ وطنيٍّ عميق بأن التنمية لا تُقاس بالبنى التحتية وحدها، بل بقدرة المؤسسات على تحقيق العدل بشفافية وكفاءة. ومن خلال هذا المسار، تُقدّم مصر نموذجًا عربيًا وإفريقيًا رائدًا في بناء منظومة عدلية ذكية تُوازن بين روح التراث ومتطلبات المستقبل، مستندة إلى الدستور ومسترشدة برؤية مصر 2030. إنها عدالة تنبض بروح الإنسان، وتؤمن بأن التكنولوجيا حين تُدار بالضمير تصبح سبيلًا لإعلاء الكرامة الإنسانية وترسيخ السلام في وطنٍ يصنع المستقبل بثقةٍ وعزيمة.

Katen Doe

أخبار مصر

موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً

أخبار ذات صلة

عمرو الغفاري
المستشار حسام الدين علام
المستشار حسام الدين علام
د.هند بداري

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

"المدجاي" عيون مصر الساهرة

بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....