القاهرة وباريس.. جذور تاريخية وتطور مستمر بدعم الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي

علاقات تاريخية على مدار أكثر من قرنين من الزمان.. وشراكة استراتيجية في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية..

 
 
منذ نهاية القرن الثامن عشر.. وحتى عصر التحول الرقمي.. تتواصل العلاقات المصرية الفرنسية عبر تاريخ طويل من التعاون الثقافي والعلمي والسياسي يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بين البلدين.
 
مباحثات الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي
 
استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، الرئيس إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، بمدينة برج العرب الجديدة، وذلك على هامش الفعالية الخاصة بافتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور.
 
 الرئيس كان في استقبال نظيره الفرنسي لدى وصوله المقر الجديد للجامعة، حيث تم التقاط صورة تذكارية بهذه المناسبة، أعقبها عقد جلسة مباحثات موسعة بين الرئيسين بحضور وفدي البلدين.
 
 الرئيس رحب بزيارة الرئيس الفرنسي إلى مصر، مشيرًا إلى أنها تعكس تميز علاقات الصداقة المصرية الفرنسية، ومشيدًا بما تشهده العلاقات من تطور ملحوظ في مختلف المجالات، خاصة عقب ترفيعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى مصر في أبريل 2025. 
 
الرئيس السيسي: ضرورة مواصلة تعزيز العلاقات
 
شدّد الرئيس السيسي على أهمية مواصلة العمل لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات التجارة والاستثمار والتعليم والصناعة والنقل، بما يحقق المصالح المشتركة للشعبين الصديقين، ويسهم في دفع العلاقات الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي.
 
من جانبه، أعرب الرئيس الفرنسي عن سعادته بزيارة مصر مجدداً، موجهًا التهنئة للرئيس على افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور، باعتبارها صرحًا أكاديميًا يعزز التعاون العلمي والثقافي بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية للفرانكفونية، ويدعم جهودها في إعداد الكوادر المؤهلة للقيادة. 
 
ماكرون: نحرص على تطوير التعاون بجميع المجالات
 
كما ثمن الرئيس الفرنسي التقدم الراهن في العلاقات الثنائية، مؤكّدًا اتفاقه مع ما ذكره الرئيس بشأن استمرار الارتقاء بها، ومعربًا عن حرص بلاده على تطوير التعاون في مختلف المجالات، ومشيدًا بحجم التبادل التجاري والاستثمارات الفرنسية في مصر، ومؤكّدًا تطلع فرنسا لتعميق الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
 
 تطورات القضايا الإقليمية
 
لقاء الزعيمين تناول تطورات القضايا الإقليمية، حيث استعرض الرئيس الجهود المصرية الرامية لاحتواء التوترات الراهنة، مشدّدًا على ضرورة تجنيب المنطقة المزيد من التصعيد وعدم الاستقرار، بالنظر إلى تداعياته السلبية على أمن المنطقة والعالم، فضلًا عن انعكاساته على سلاسل الإمداد وحركة التجارة والنقل. 
 
وفي هذا السياق، جدّد الرئيس موقف مصر الثابت الداعم لأمن واستقرار الدول العربية الشقيقة، مؤكّدًا رفض مصر القاطع لأي مساس بسيادتها أو بمقدرات شعوبها.
 
 وقد ثمّن الرئيس الفرنسي الجهود المصرية، معربًا عن تطلعه إلى سرعة تسوية الأزمة الراهنة بما يعيد السلم والاستقرار إلى الشرق الأوسط.
 
كما بحث الرئيسين أيضًا تطورات القضية الفلسطينية، حيث استعرض الرئيس التحركات المصرية لتثبيت اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة وتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، مؤكّدًا ضرورة تعزيز نفاذ المساعدات الإنسانية للقطاع دون قيود، والشروع في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار. 
 
 وفي هذا الصدد، أعرب الرئيس عن قلق مصر البالغ إزاء تصاعد الانتهاكات في الضفة الغربية، مشددًا على أنه لا سبيل سوى إحياء العملية السياسية التي تفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا لمقررات الشرعية الدولية واستنادًا لحل الدولتين، ومعربًا في هذا السياق عن تقدير مصر للدور البناء الذي تقوم به فرنسا من أجل دعم القضية الفلسطينية. 
 
كما تناولت المباحثات تطورات الأوضاع في لبنان، حيث تم التأكيد على أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار، فضلًا عن بحث سبل تعزيز التعاون بين دول المتوسط بما يحقق التنمية والازدهار والرخاء المشترك لضفتيه.
 
افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور ببرج العرب
 
 الرئيس عبد الفتاح السيسي، شهد بعد ظهر السبت، اِفتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور، بمدينة برج العرب الجديدة، وذلك بحضور الرئيس "إيمانويل ماكرون" رئيس الجمهورية الفرنسية، و "نستور انتاهونتويي" رئيس وزراء جمهورية بوروندي، و "لويز موشيكيوابو" سكرتير عام المنظمة الدولية للفرانكفونية، و "شيخ نيانج" وزير خارجية جمهورية السنغال، و "جاسباربانيا كيمبونا" مفوض التعليم والعلوم والتكنولوجيا والابتكار بمفوضية الاتحاد الإفريقي.
 
يشار الى أن جامعة سنجور (الجامعة الدولية الفرنسية للتنمية الإفريقية) تأسست في الإسكندرية عام 1990، وتعد إحدى المؤسسات الرئيسية التابعة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية والتي سميت تيمنا بالرئيس والشاعر السنغالي ليوبولد سنجور، وتركز على تقديم برامج ماجستير متخصصة في مجالات التنمية والصحة والبيئة والثقافة والإدارة والتعليم لتأهيل الكوادر الإفريقية.
 
 برنامج الاحتفالية 
 
تضمن اابرنامج في بدايته تقديم عرض عن جامعة سنجور من جانب الدكتور "هاني هلال" رئيس الجامعة، و "تييري فردل" المدير التنفيذي للجامعة، تلا ذلك عرض فيلم تسجيلي عن نشأة وتطور جامعة سنجور، ثم تحدث مُمثل عن خريجي الجامعة ممن شغلوا مناصب سواء في بلادهم أو بمؤسسات دولية، ليعقب ذلك كلمة من ممثلة اتحاد طلاب جامعة سنجور، ثم ألقت  "لويز موشيكيوابو" سكرتير عام المنظمة الدولية للفرانكفونية كلمة، أعقبها إلقاء طالبة من مدغشقر لقصيدة شعرية.   
 
الرئيس السيسي: أرحب بكم جميعا في مهد الحضارة الإنسانية ومنارة العلم
 
‏أعرب الرئيس عن سعادته قائلا:  أرحب بكم جميعاً فى مصر، مهد الحضارة الإنسانية ومنارة العلم، التى أسهمت عبر التاريخ، في تشكيل وجدان البشرية، وإثراء مسيرتها العلمية.. فمصر لم تكن يوماً حاضنة للمعرفة فحسب، بل كانت شريكاً أصيلاً؛ فى إنتاجها ونشرها، وجسراً للتواصل الحضاري بين الشعوب.
 
ويكتسب لقاؤنا اليوم أهمية خاصة، إذ يأتي في إطار افتتاح المقر الجديد، لجامعة "سنجور" بمدينة برج العرب الجديدة في لحظة فارقة؛ تتعاظم فيها التحديات التنموية، وتتزايد فيها الحاجة إلى بناء شراكات دولية فعالة، قائمة على التضامن والتكامل، خاصة بين دول الجنوب.
 
الرئيس: نثمن دور المنظمة الدولية للفرانكفونية في تعزيز قيم الحوار والتنوع 
 
أكد الرئيس أنه من هذا المنطلق ؛ تثمن مصر الدور المهم، الذي تضطلع به المنظمة الدولية للفرانكفونية بوصفها إطاراً مُتعدد الأطراف؛ يعزز قيم الحوار والتنوع الثقافي، ويدعم مبادئ السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان ويعلي من شأن التعليم؛ كركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
 
وقد حرصت مصر؛ منذ انضمامها إلى وكالة التعاون الثقافي والتقني عام 1983، والتي تطورت لاحقاً إلى المنظمة الدولية للفرانكفونية؛ على الإسهام فى دعم الأهداف المشتركة للعالم الفرانكفوني انطلاقاً من إيمانها بأهمية هذا التعاون، إلى جانب الشراكات مع دول الشمال.
 
وينعكس ذلك في الدور الذي تضطلع به مصر؛ باعتبارها نقطة التقاء إستراتيجية، بين إفريقيا والعالم العربي ودول منطقة المتوسط ودول الفرانكفونية.
 
وأشيد في هذا السياق؛ بالدور المحوري الذي تضطلع به الجمهورية الفرنسية، في دعم العالم الفرانكفوني، وما تقدمه من إسهامات لدعم مؤسساته، وعلى رأسها جامعة "سنجور".
 
الرئيس السيسي: تقدير مصر لحرص فرنسا على دعم إعداد الكوادر الإفريقية 
 
وقال الرئيس "أود أن أعرب لفخامة الرئيس "ماكرون"، عن تقدير مصر؛ لحرص فرنسا على دعم جهود إعداد الكوادر الإفريقية من خلال المساهمات المالية، وبرامج المنح، ونقل الخبرات، بما يعكس الالتزام بدعم الاستقرار والتنمية فى إفريقيا".
 
وأوضح الرئيس السيسي انه على مدار أكثر من ثلاثة عقود، نجحت جامعة "سنجور" في ترسيخ مكانتها، كمؤسسة أكاديمية رائدة؛ في إعداد الكوادر الإفريقية الشابة، وفق أحدث النظم التعليمية بما يؤهل هذه الكوادر؛ للتعامل مع التحديات التنموية التي تواجه القارة وتحويلها إلى فرص؛ يمكن توظيفها لتحقيق التنمية المنشودة.
 
واضاف: ولا يقتصر دور جامعة "سنجور" على التعليم الأكاديمي، بل يمتد لبناء القدرات المؤسسية، وتعزيز كفاءة صانعي القرار في القارة وذلك في مجالات حيوية مثل الحوكمة، وإدارة الموارد، والتنمية المستدامة، بما فى ذلك قضايا الأمن المائي والغذائي، والتكيف مع تغير المناخ مما يجعلها ركيزة أساسية في دعم الدول الإفريقية، على صياغة سياسات وطنية، أكثر كفاءة واستجابة للتحديات.
 
الرئيس:  نحرص على دعم جهود التنمية فى أفريقيا 
 
وشدد الرئيس على ان دفع العلاقات بين مصر وباقي الدول الإفريقية الشقيقة، يمثل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية المصرية في ظل ما تحظى به هذه العلاقات، من عمق تاريخي واحترام متبادل ووحدة المصير.
 
وقد حرصت مصر على مدار العقود الماضية، على دعم جهود التنمية فى كافة أرجاء القارة، من خلال نقل الخبرات، وبناء القدرات، وتنفيذ المشروعات التنموية إيمانا منها بأن ازدهار واستقرار كافة الدول الإفريقية، هو جزء من ازدهار واستقرار مصر.
 
الرئيس السيسي: قرار انشاء "سنجور" في برج العرب يؤكد الإيمان بالاستثمار في الإنسان
 
اشار الرئيس الى ان قرار إنشاء المقر الجديد للجامعة، بمدينة برج العرب الجديدة عام 2019، يعكس التزام مصر بدعم مسيرة هذه المؤسسة التعليمية، كما يؤكد إيمان مصر؛ بأن الاستثمار في الإنسان، هو السبيل الأنجع لتحقيق التنمية المستدامة.
 
واضاف ان الدولة المصرية؛ قامت بتخصيص الأرض لهذا الصرح، إلى جانب توفير دعم مالى كبير لتنفيذه وقد تم إنجازه في إطار زمني قياسي، بما أسهم في مضاعفة القدرة الاستيعابية للجامعة، وتوفير بيئة تعليمية متكاملة.
 
وتعكس الأرقام المتزايدة للمتقدمين للدراسة بالجامعة؛ حجم الثقة التى تحظى بها، بما يؤكد دورها المحوري وتواصل مصر تقديم كافة أوجه الدعم للجامعة، ومن بينها تخصيص عدد من المنح الدراسية السنوية، لأبنائنا الطلاب من الدول الإفريقية الشقيقة.
 
وقال "تمثل تجربة جامعة "سنجور"؛ نموذجاً ناجحاً للتعاون الدولى القائم على الشراكة، وتقدم مثالاً عملياً على ما يمكن تحقيقه؛ عندما تتوافر الإرادة السياسية وتتكامل الجهود الدولية.. وإننا في مصر؛ نؤمن بأن مستقبل قارتنا الإفريقية، يرتكز على تمكين شبابها، وتأهيل كوادرها، وتعزيز قدراتها المؤسسية بما يمكنها من مواجهة التحديات، وتحويلها إلى فرص حقيقية للرخاء والتنمية".
 
الرئيس السيسي للدارسين: أنتم الأمل الحقيقي لمستقبل إفريقيا
 
الرئيس توجه برسالة خاصة؛ إلى أبنائه الدارسين، قائلا: "أنتم الأمل الحقيقي لمستقبل إفريقيا.. وإن ما تكتسبونه من علم ومعرفة هنا.. هو الأداة لبناء مجتمعاتكم.. وصياغة مستقبل أفضل لقارتنا".
 
واضاف: ختاماً، أجدد الترحيب بكم في هذا الصرح العلمي المرموق، متمنياً لكم التوفيق في خطواتكم القادمة".
 
 الرئيس "إيمانويل ماكرون" رئيس الجمهورية الفرنسية قام بإلقاء كلمة في نهاية الاحتفالية، ليقوم بعد ذلك  الرئيس ورئيس الجمهورية الفرنسية بتحية عدد من طلاب جامعة سنجور داخل حرم الجامعة وتبادلا الحديث معهم.
 
جولة بمعالم الإسكندرية 
 
أجرى الرئيس السيسي، مساء السبت، جولة تفقدية بمدينة الإسكندرية، اصطحب خلالها الرئيس ماكرون،  بحضور رؤساء وفود الدول المشاركة في افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور، إلى جانب " لويز موشيكيوابو"، الأمينة العامة للمنظمة الدولية للفرانكفونية.
 
* قلعة قايتباي 
 
 الرئيسان أجريا جولة على الممشى السياحي بكورنيش الإسكندرية، وصولًا إلى المدخل الخاص بقلعة قايتباي التاريخية. 
 
واستمع الرئيسان  إلى شرح حول تاريخ إنشاء قلعة قايتباي.
 
* الآثار الغارقة
 
 كما استمعا إلى عرض تفصيلي بشأن أعمال التنقيب الأثري تحت الماء لبقايا فنار الإسكندرية، قدّمه كل من الدكتور محمد السيد، كبير مفتشي الإدارة العامة للآثار الغارقة بوزارة السياحة والآثار، والدكتور توماس فوشير، رئيس مركز الدراسات السكندرية التابع لوزارة البحث العلمي الفرنسية، اللذان استعرضا أيضًا ما تم استخراجه من كنوز أثرية وتاريخية من مختلف العصور.
 
الرئيس السيسي: نقدر الدول المشاركة في افتتاح المقر الجديد للجامعة
 
 الرئيس أقام عقب الجولة مأدبة عشاء تكريمًا للرئيس الفرنسي والوفد المرافق، فضلًا عن رؤساء وفود الدول المشاركة في افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور، حيث أعرب الرئيس عن تقديره للدول المشاركة في افتتاح المقر الجديد للجامعة، ودعمها لجهود دفع التعاون العلمي والثقافي بين الدول الأعضاء بالمنظمة الدولية للفرانكفونية.
 
ماكرون: الإسكندرية مركز محوري للتعاون بين دول المتوسط عبر العصور
 
الرئيس الفرنسي أعرب من جانبه عن بالغ تقديره لزيارة مدينة الإسكندرية العريقة، التي تمثل منارة عالمية للعلم والثقافة، فضلًا عن كونها مركزًا محوريًا للتعاون بين دول المتوسط عبر العصور.
 
وأكد حرص بلاده على مواصلة تعميق الروابط الثقافية بين الشعبين المصري والفرنسي الصديقين، تعزيزًا للشراكة الاستراتيجية القائمة بين البلدين.
 
مصر حلقة الوصل بين  أفريقيا و المتوسط
 
علاقات القاهرة وباريس لا تقتصر على التعامل مع أزمات الشرق الأوسط بمعزل عن محيطها، بل تمتد إلى الفضاء الأفريقي والمتوسطي باعتباره عمقًا استراتيجيًا مكمّلًا لأمن المنطقة، وهو ما يعكس رؤية أشمل للترابط بين دوائر الاستقرار الإقليمي.
 
وفي هذا الإطار، يتزامن افتتاح الرئيس الفرنسي للمقر الجديد لجامعة سنجور، التابعة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، قبيل توجهه إلى نيروبي للمشاركة في قمة “أفريقيا إلى الأمام”، ليؤكد ترابط الدوائر الجغرافية التي تتحرك فيها كل من القاهرة وباريس، ويعكس توجهًا استراتيجيًا يقوم على الربط بين استقرار الشرق الأوسط وتعزيز التنمية في أفريقيا، باعتبارهما مسارين متكاملين ضمن رؤية واحدة.
 
وهنا تبرز أهمية الفرنكوفونية ليس فقط كرافعة ثقافية، بل كأداة ضمن منظومة أوسع لدعم الاستقرار والتنمية، حيث تمثل الإسكندرية، بتاريخها الثقافي والحضاري وما تحتضنه من مؤسسات تعليمية ناطقة بالفرنسية، نقطة ارتكاز للحضور الثقافي الفرنسي في منطقة المتوسط وأفريقيا والشرق الأوسط.
 
في المقابل، توظف مصر هذا البعد لتعزيز موقعها الدبلوماسي والانفتاح على فضاءات دولية أوسع، بما يعكس تداخلاً واضحًا بين القوة الناعمة والأهداف الاستراتيجية المرتبطة بدعم الاستقرار و التنمية في محيطها الإقليمي والأفريقي.
 
وقد بلغ البلدان هذا المستوى من الشراكة بفضل ما يشهده من اتصالات مكثفة وزيارات متبادلة وتقارب في وجهات النظر، لا سيما بين القيادتين المصرية والفرنسية، وهو ما تُوج بإعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين العام الماضي، بما أرسى قاعدة سياسية صلبة تسمح بتنسيق أوسع في القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الدفع نحو التهدئة.
 
مصر وفرنسا.. اتفاق على دفع مسارات التهدئة
 
فعلى المستوى السياسي المباشر، تنتهج القاهرة وباريس خطابًا يرتكز على دفع مسارات التهدئة، إذ تستند مصر إلى رصيدها من المصداقية والثقة، وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية المتشعبة، فضلًا عن موقعها الجغرافي، بما يمنحها قدرة متميزة على التواصل مع مختلف الأطراف ويعزز دورها كوسيط صاحب خبرة في إدارة الأزمات.
 
وفي المقابل، توظف فرنسا ثقلها كقوة دولية فاعلة داخل الأطر متعددة الأطراف، لا سيما في الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع ومجلس الأمن، للدفع نحو تسويات سياسية مستدامة، في ظل ما توفره اللقاءات المتكررة بين الرئيس عبدالفتاح السيسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون من آلية فعالة لتنسيق الجهود وتبادل الرؤى.
 
وفي ضوء هذا التنسيق، ترى الأوساط الدبلوماسية الفرنسية أن الشراكة مع مصر تُعد ركيزة أساسية في جهود تعزيز الاستقرار الإقليمي، لما تتمتع به القاهرة من دور محوري وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، مشيرة إلى أن التنسيق المصري–الفرنسي يسهم بشكل فعال في احتواء التوتر والدفع نحو حلول سياسية في الشرق الأوسط.
 
ويعكس هذا التلاقي بين القاهرة وباريس في المواقف إدراكًا مشتركًا لمخاطر الانزلاق إلى مواجهات عسكرية واسعة، وحرصًا على إعطاء الأولوية للمسارات السياسية، من خلال تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الأزمات.
 
وفي هذا الإطار، يشير التقارب المصري–الفرنسي إلى أن “دبلوماسية التهدئة” لم تعد خيارًا، بل أصبحت توجهًا استراتيجيًا يحكم تحركات القاهرة وباريس عبر دوائر مترابطة تشمل الشرق الأوسط وأفريقيا، مستندة إلى أدوات سياسية وثقافية متكاملة يدعمها تنسيق وتفاهم وثيقان بين البلدين، وهو ما قد يشكل أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
 
جذور تاريخية
 
منذ نهاية القرن الثامن عشر.. وحتى عصر التحول الرقمي..  تتواصل العلاقات المصرية الفرنسية عبر تاريخ طويل من التعاون الثقافي والعلمي والسياسي يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بين البلدين.
 
وتعد العلاقات بين القاهرة وباريس واحدة من أقدم وأقوى العلاقات على الصعيد الدولي، إذ ترجع جذور هذه العلاقات إلى نهاية القرن الثامن عشر عندما قدمت الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798؛ لتشكل بداية مرحلة جديدة من التواصل الحضاري والعلمي بين البلدين.
 
بداية التواصل الحضاري
 
مع قدوم الحملة الفرنسية (1798-1801)، بدأت شرارة التحول نحو عصر الحداثة، حيث رافقتها مجموعة من العلماء الذين أسهموا في إعادة اكتشاف جوانب عديدة في البلاد، ثم تطورت في عهد محمد علي باشا عبر البعثات التعليمية.
 
اكتشاف حجر رشيد
ومن أبرز إنجازات تلك الفترة اكتشاف (حجر رشيد) عام 1799 على يد الجندي الفرنسي بيير فرانسوا بوشار بالقرب من مدينة رشيد، وهو الاكتشاف الذي فتح الباب أمام فك رموز اللغة الهيروغليفية.
 
وفي عام 1822، أعلن العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون نجاحه في فك رموز اللغة الهيروغليفية باستخدام حجر رشيد، ليصبح هذا الحدث نقطة انطلاق لعلم المصريات الحديث، ويسهم في إعادة اكتشاف الحضارة المصرية القديمة أمام العالم.
 
البعثات التعليمية في عهد محمد علي
 
شهدت العلاقات المصرية الفرنسية تطورا كبيرا خلال عهد محمد علي باشا، الذي اعتمد على الخبرات الفرنسية في تطوير التعليم، حيث أرسل بعثات علمية مصرية إلى فرنسا لدراسة العلوم والآداب الحديثة. ولعب رفاعة الطهطاوي دورا مهما في نقل الفكر والثقافة الأوروبية إلى مصر.
 
كما أنشأ محمد علي عددا من المدارس الحديثة منها الألسن والمهندسخانة والفنون والصنائع، وذلك في إطار مشروعه لبناء دولة حديثة تعتمد على العلم والمعرفة.
 
 
التأثير الفرنسي في العمارة المصرية
 
وامتد التأثير الفرنسي إلى التخطيط العمراني والهندسي في مصر، حيث استعان الخديوي إسماعيل بمهندسين ومخططين فرنسيين لتطوير القاهرة الخديوية التي لُقبت بـ(باريس الشرق) بسبب طابعها المعماري الأوروبي وشوارعها الواسعة.
 
كما ظهرت البصمة الفرنسية بوضوح في مدينة الإسماعيلية التي أُنشئت على الطراز الفرنسي؛ لتكون مقرا لشركة قناة السويس العالمية للملاحة.
 
قناة السويس والمشاركة الفرنسية
 
ولعب المهندسون الفرنسيون بقيادة فرديناند ديلسبس دورا رئيسيا في إعداد الدراسات الهندسية الخاصة بمشروع حفر قناة السويس، التي افتُتحت رسميا عام 1869 بحضور عدد كبير من ملوك ورؤساء العالم؛ لتصبح أحد أهم الممرات الملاحية الدولية ومصدرا رئيسيا للتجارة العالمية.
 
وعلى الرغم من أن ديلسبس أشرف هندسيا على حفر القناة، إلا أن هذا المشروع لم يقم إلا بسواعد المصريين حيث مات مئات الآلاف منهم وهم يواصلون الحفر تحت أشعة الشمس الحارقة، صانعين المجد لمصر على مر العصور.
 
شراكة استراتيجية حديثة
 
وفي العصر الحديث، شهدت العلاقات المصرية الفرنسية تطورا ملحوظا على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، خاصة خلال السنوات الأخيرة حيث أصبحت مصر شريكا استراتيجيا مهما لفرنسا في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والطاقة والنقل والتنمية.
 
وتوّج هذا التعاون بزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر في أبريل 2025، والتي شهدت الإعلان عن رفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى (شراكة استراتيجية) إلى جانب توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة في مجالات الاقتصاد والصحة والطاقة والإسكان.
 
جولة ماكرون في القاهرة 2025
 
وخلال زيارة ماكرون للقاهرة ..  حظيت زيارة ماكرون إلى جامعة القاهرة باهتمام واسع، حيث أكد خلالها عمق الروابط الثقافية والعلمية بين البلدين.
 
 فيما عكست جولته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في منطقة الحسين وخان الخليلي، الطابع الحضاري والثقافي المميز للعلاقات المصرية الفرنسية.
 
افتتاح جامعة سنجور
 
واستمرارا لتوطيد وتقوية العلاقات الثنائية بين البلدين وخاصة في مجال التعليم، افتتح ماكرون، خلال زيارته للاسكندرية والتي انتهت الاحد،  المقر الجديد لجامعة سنجور بمدينة برج العرب غرب الإسكندرية.
 
ويهدف المقر الجديد - الذي يقام على مساحة 10 أفدنة والذي تم تصميمه وفق أعلى المعايير الأكاديمية – إلى زيادة الطاقة الاستيعابية للجامعة واستقبال المزيد من الطلاب الأفارقة بدءا من سبتمبر 2026 مع اعتماد دولي لشهاداتها وتوسع شبكتها في 17 دولة إفريقية.
 
ويضم الحرم الجامعي الجديد، مبنيين أكاديميين ومبنى إداريا وقاعة مؤتمرات ومبنى للمطعم وأربعة مبانٍ سكنية للطلاب ومبنى لسكن الموظفين وآخر للزائرين وصالة ألعاب رياضية، وحمام سباحة وملعبا متعدد الأغراض وملاعب اسكواش. 
 
 
 
 
 

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الرئيس السيسي

المزيد من ملفات مصر

القاهرة وباريس.. جذور تاريخية وتطور مستمر بدعم الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي

علاقات تاريخية على مدار أكثر من قرنين من الزمان.. وشراكة استراتيجية في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية..

السد العالي.. الدرع المنيع و الرمز الخالد لبطولات المصريين

بإرادة طموحة.. وملحمة بطولية سطرتها سواعد المصريين.. تحقق الحلم ببناء هرم رابع.. أعظم بناء هندسي في القرن العشرين.. والحصن المنيع...

"التعليم العالي" في 2025.. قفزة بالتصنيف الدولي وطفرة بالجامعات والابتكارات

خلال عام 2025.. شهدت منظومة التعليم العالي والبحث العلمي العديد من الإنجازات والفعاليات في مختلف القطاعات للارتقاء بجودة التعليم لمستوى...

التعليم في 2025.. خطوات إصلاح غير مسبوقة وأكبر تحديث للمناهج الدراسية

ضمن رؤية الدولة المصرية لبناء الإنسان .. ومن أجل تعليم عصري شامل يواكب متطلبات المستقبل ويستجيب لمتغيرات العصر.. شهدت منظومة...