هناك أشياء حدثت لنا منذ سنوات، وما زلنا نتذكر تفاصيلها جيدًا. نعرف أين كنا، ومن كان معنا، وربما نتذكر الكلمات التي قيلت، لكن شيئًا واحدًا لم يعد كما كان: الشعور نفسه.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
موقف كان يكفي أن نتذكره يومًا حتى نشعر بأن الألم يعود كاملًا، أصبح الآن حكاية نستطيع أن نرويها دون أن تضيق أنفاسنا. خيبة ظننا وقتها أننا لن نتجاوزها، ننظر إليها اليوم من مسافة مختلفة.
وحتى بعض المواقف التي قلنا عنها يومًا: «لن أنسى أبدًا ما شعرت به»، لم ننسها فعلًا، لكننا لم نعد نشعر بها بالقوة نفسها. فماذا حدث؟ هل غيّر الزمن الذكرى، أم غيّر علاقتنا بها؟
حين تبقى الحكاية ويهدأ صوتها
الزمن لا يمحو كل شيء، وهذه ربما واحدة من أكثر الجمل التي نعرفها من خبرتنا قبل أن نعرفها من أي كتاب. هناك أحداث تبقى في الذاكرة طويلًا، وبعضها قد يترك أثرًا يمتد سنوات، لكن بقاء الحدث في الذاكرة لا يعني بالضرورة بقاء المشاعر المرتبطة به بالشدة نفسها. قد نتذكر انفصالًا قديمًا دون أن نشعر بالألم الذي صاحب أيامه الأولى، أو موقفًا محرجًا كان يبدو كارثيًا وقت حدوثه ثم نحكيه اليوم ونحن نبتسم، أو مشكلة عائلية استهلكتنا طويلًا ثم أصبحت جزءًا من تاريخ الأسرة أكثر منها شيئًا نعيشه كل يوم.
ربما لهذا يصعب علينا، ونحن داخل التجربة، أن نصدق من يقول: «سيأتي وقت ويصبح الأمر أخف». فالألم في لحظته لا يعرف المستقبل. عندما نكون في منتصف الحكاية، تبدو مشاعرنا وكأنها ستستمر بالقوة نفسها إلى الأبد. لكن الإنسان لا يبقى في المكان النفسي نفسه، حتى عندما تبقى الواقعة كما هي.
الذاكرة لا تحمل المشاعر بالطريقة نفسها
في علم النفس هناك ظاهرة تسمى Fading Affect Bias، ويمكن أن نقترب من معناها بالعربية باعتبارها «تلاشي الأثر الانفعالي». وقد لاحظ الباحثون أن المشاعر السلبية المرتبطة ببعض ذكرياتنا الشخصية تميل، في المتوسط، إلى أن تفقد حدتها بمرور الوقت أسرع من المشاعر الإيجابية المرتبطة بالذكريات السارة.
وهذا لا يعني أننا ننسى الأحداث المؤلمة، ولا أن كل ألم سيختفي بمجرد مرور الوقت، ولا أن التجارب القاسية تتبع جدولًا زمنيًا واحدًا لدى الجميع. الفكرة أكثر هدوءًا من ذلك: ما نشعر به عندما نتذكر حدثًا بعد سنوات قد لا يكون هو ما شعرنا به عندما عشناه. الحدث لم يتغير، لكن المسافة بيننا وبينه تغيرت، وحياتنا من حوله اتسعت، وأصبح لدينا ما لم يكن لدينا وقتها من خبرات ومعانٍ وأحداث أخرى.
«كنت أظن أنني لن أتجاوز هذا»
كم مرة قلنا هذه الجملة بعد أن مرت العاصفة؟ ربما بعد علاقة انتهت، أو صداقة انكسرت، أو فرصة ضاعت، أو قرار ندمنا عليه، أو مرحلة شعرنا فيها أن الحياة أغلقت أبوابها. في اللحظة نفسها لم نكن نمثل أو نبالغ؛ كان الألم حقيقيًا، وكان تصور الغد من داخله صعبًا. لكننا لم نكن نعرف وقتها الشخص الذي سنصبحه بعد عام أو خمسة أعوام، ولا الأشياء التي ستدخل حياتنا، ولا المعاني الجديدة التي سنمنحها لما حدث.
ولهذا قد ننظر أحيانًا إلى نسخة قديمة من أنفسنا بشيء من الدهشة: كيف كان هذا الأمر يحتل كل هذه المساحة؟ ليس لأن مشاعرنا القديمة كانت تافهة، بل لأنها كانت ابنة لحظتها. نحن اليوم لا نحمل الحدث وحده؛ نحمل أيضًا كل ما حدث بعده. وربما تكون هذه واحدة من الطرق الهادئة التي تساعدنا بها الحياة على الاستمرار.
لكن الوقت وحده ليس وصفة
نقول كثيرًا: «الوقت كفيل بكل شيء»، وهي عبارة مريحة، لكنها ليست دقيقة دائمًا. هناك ذكريات لا يخف أثرها بالطريقة نفسها، وتجارب قد تستمر مشاعرها أو تعود بقوة مع موقف أو مكان أو تاريخ معين. وبعض الخبرات المؤلمة تحتاج إلى دعم أو معالجة، لا إلى الانتظار فقط. لذلك لا ينبغي أن تتحول فكرة أن المشاعر قد تخف مع الزمن إلى مطالبة شخص يتألم بأن «يتجاوز»، أو إلى مقارنة بين سرعة تعافي إنسان وآخر.
فليس هناك موعد نهائي للحزن، ولا اختبار ينجح فيه من نسي أسرع. وحتى ما يصفه الباحثون هو ميل يظهر في المتوسط، وليس قانونًا يحكم كل ذاكرة وكل إنسان. نحن مختلفون، والتجارب مختلفة، وما حدث بعد الحدث نفسه قد يكون له دور كبير في الطريقة التي نحمله بها.
أحيانًا نكتشف أننا تغيّرنا حين نتذكر
ربما لا نلاحظ تغيرنا ونحن نعيشه. يحدث ببطء شديد: يوم يمر، ثم أسبوع، ثم شهور. نعود إلى العمل، ندخل علاقات جديدة، نتعلم، نفشل في أشياء أخرى وننجح في غيرها، وننشغل بتفاصيل لم تكن موجودة وقت الحكاية القديمة. ثم يحدث شيء بسيط؛ نسمع أغنية، نمر بمكان، يظهر اسم في حديث، فتعود الذكرى فجأة.
هنا قد تحدث المفاجأة: نتذكر... لكننا لا نشعر كما كنا نشعر.
وقد تكون تلك اللحظة واحدة من العلامات الصغيرة التي تخبرنا بأن شيئًا تغير في الداخل، حتى لو لم ننتبه إليه أثناء حدوثه. ليس المطلوب أن نفرح لأننا لم نعد نتألم، ولا أن ننكر أهمية ما مررنا به، وإنما أن نلاحظ أن النسخة التي تستعيد الذكرى اليوم ليست النسخة نفسها التي عاشت الحدث يومها.
وربما لهذا تبقى بعض الأشياء الجميلة معنا
المثير في هذه الفكرة أنها لا تتعلق فقط بخفوت المشاعر المؤلمة؛ فبعض الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة وجدت أن الأثر الانفعالي المرتبط بالذكريات السلبية قد يتراجع أسرع، في المتوسط، من الأثر المرتبط بالذكريات الإيجابية. وربما نفهم شيئًا من ذلك حين نتأمل حياتنا: رحلة انتهت منذ سنوات وما زال مجرد تذكرها يمنحنا دفئًا، شخص غاب وما زالت بعض لحظاتنا معه قادرة على رسم ابتسامة، نجاح قديم لم نعد نتحدث عنه كثيرًا لكننا نذكر شعورنا يومها بمحبة.
لا يعني ذلك أن ذاكرتنا تحتفظ بكل الجميل وتتخلص من كل المؤلم؛ حياتنا أكثر تعقيدًا من هذه المعادلة. لكنه يذكرنا بأن الماضي لا يعيش داخلنا كأرشيف جامد. علاقتنا به تتحرك معنا، وقد تتغير نبرة بعض صفحاته حتى عندما لا تتغير الكلمات المكتوبة فيها.
لا نحتاج إلى محو الماضي حتى نكمل
أحيانًا نتصور أن التعافي يعني أن نصل إلى مرحلة لا نتذكر فيها، أو ألا نشعر بأي شيء عندما نتذكر. وربما نضغط على أنفسنا لأن موقفًا قديمًا ما زال يحرك شيئًا في داخلنا، فنعتبر ذلك دليلًا على أننا لم نتجاوزه. لكن ربما يكون السؤال الأكثر إنصافًا ليس: «هل ما زلت أتأثر؟»، بل: «هل أتأثر بالطريقة نفسها؟»
قد تبقى غصة صغيرة دون أن تعود حفرة نسقط فيها. وقد نحزن للحظة دون أن نفقد أيامًا كاملة. وقد نتذكر شخصًا دون أن نرغب في استعادة العلاقة. وقد نعترف بأن ما حدث كان مؤلمًا، وفي الوقت نفسه نعرف أنه لم يعد يملك السلطة نفسها على حاضرنا. التعافي لا يحتاج دائمًا إلى النسيان؛ أحيانًا يكفي أن تصبح الذكرى جزءًا من حياتنا بدلًا من أن تظل حياتنا كلها تدور حولها.
نافذة للتأمل
فكر في شيء حدث لك منذ سنوات وكان يبدو وقتها أكبر من قدرتك على احتماله. لا تسأل نفسك فقط: هل ما زلت أتذكره؟ اسأل: كيف أشعر الآن عندما أتذكره؟ ما الذي بقي كما هو؟ وما الذي أصبح أخف؟ وما الذي تغير فيك أنت منذ ذلك الوقت؟
ربما تكتشف أن هناك مسافات قطعتها دون أن تحتفل بها، وأن بعض الأشياء التي ظننت يومًا أنك لن تستطيع العيش معها أصبحت الآن مجرد فصل تعرف أنه كان مهمًا، لكنه لم يعد الكتاب كله.
وفي المرة القادمة التي تجد فيها نفسك داخل تجربة مؤلمة ولا تستطيع تخيل الحياة بعدها، ربما لا تحتاج إلى أن تقنع نفسك بأنك ستكون بخير سريعًا، ولا أن تستعجل مشاعرك. يكفي أحيانًا أن تترك احتمالًا صغيرًا مفتوحًا: أن ما أشعر به اليوم حقيقي... لكنه ليس بالضرورة ما سأشعر به إلى الأبد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هناك أشياء حدثت لنا منذ سنوات، وما زلنا نتذكر تفاصيلها جيدًا. نعرف أين كنا، ومن كان معنا، وربما نتذكر الكلمات...
على الساحل السوري، وفي موقع يعرف اليوم باسم رأس شمرا، كانت تقوم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام مدينة لم...
لم يكن الديزل هو ما يشغل العالم في حرب أوكرانيا، لكنه أصبح فجأة جزءًا من حسابات إنهائها أو استمرارها. ففي...
دراسة في التراث المصري القديم للباحثة زينب محمد عبد الرحيم باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية تقدم قراءة في كتاب "الرقص...