«اقرأ» .. أولى صيحات النور في الهدي الإلهي

لما نزل أمين الوحي جبريل -عليه السلام- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأول نسمات النور الإلهي، وهو قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، كانت تلك اللحظات -في الحقيقة- بداية إشعاع النور الإلهي والهدي الرباني لأهل الأرض جميعا، وكانت «اقرأ» أول ركيزة ودعامة لنشر هذا النور والهدي؛ فهذا النداء العظيم لم يكن موجها لزمن دون زمن، أو لفئة دون فئة، بل كان إعلانا لميلاد أمة تعنى بالعلم، وتجعل من القناة الفكرية طريقا لتعمير الأرض.

د. إبراهيم حسين الإسنوي
عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الالكترونية

 

ولا شك أن كون بداية الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الأمر الإلهي فيه ما يعكس لنا الأهمية الكبرى للقراءة في الشريعة والدين، التي أكدها لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «... وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» [رواه مسلم].

فالقراءة هي من أهم وأعمق وسائل اكتساب المعرفة وتنمية الإدراك عند الإنسان، وبنائه الفكري والروحي كذلك؛ فالقراءة ليست مجرد نشاط عابر، بل هي أسلوب حياة يسهم في النجاح في الدنيا والآخرة.

ولقد جاء الإسلام الحنيف داعيا وحاثا على القراءة وبيان أهميتها من خلال منطلقين أساسيين، هما:
المنطلق الأول: طلب العلم، فقد جعل الإسلام الحنيف طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولو بالقدر القليل مما تستقيم به حياة الإنسان في أسرته ومجتمعه. كما أن هذا العلم ليس مقيدا بزمن، بل جعله الإسلام طلبا مستمرا من المهد إلى اللحد؛ كل ذلك ليجعل الإسلام الحنيف حياة الإنسان ممزوجة بالعلم الذي تستقيم به الحياة النافعة. ومن المعلوم أن القراءة هي أساس العلم ومفتاحه الأصيل، فلا علم بلا قراءة.

المنطلق الثاني: الأمر بالتفكير والتدبر، فقد كرم الله بني آدم على سائر مخلوقاته، وميزهم بالعقل الذي به يدرك الإنسان التصرف في الأمور، ومعرفة الخير من الشر، والهدى من الضلال. ثم أمر الله تعالى الناس بأن هذا العقل لا بد من إعماله بالتفكير والتدبر، فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 68]. ولا شك أن إعمال العقل بالتفكير والتدبر لا يكون إلا عن تحصيل للعلوم، ومعرفة بالثقافات، ولا يكون ذلك إلا عن طريق القراءة.

وبذلك يتحقق أن الإسلام الحنيف يأمر بالقراءة ويحث على ملازمتها؛ لما فيها من أهمية بالغة في تحصيل العلوم، وتوسيع الإدراكات، واكتساب المهارات التي تساعد الفرد على التفكير بعمق، واكتشاف العالم بما يحتويه من أفكار وثقافات وتجارب. فنحن نقرأ لتوسيع آفاقنا، ونقرأ لنتعلم مهارات جديدة، ونقرأ لنفهم الحقائق التي تسهم في تطوير حياتنا العملية والشخصية والاجتماعية.

ولقد أكد العقلاء والعلماء منذ قديم الزمن أن القراءة ليست مجرد تمرير العين عبر الكلمات، بل هي وسيلة لتحفيز العقل من خلال عملية تشتمل على العديد من الجوانب الفكرية والنفسية، ولها فوائد كثيرة للإنسان، ومن مجمل هذه الفوائد ما يلي:

1. تحسين الذاكرة: فالقراءة تعمل على تحسين ذاكرة الفرد، وتذكره للتفاصيل، وتتبع الأحداث، مما يقوي ذاكرته ويجعله قادرا على استرجاع المشاهد والأحداث عند الحاجة إلى ذلك.

2. زيادة التركيز والانتباه: فالقراءة تعمل على تنمية التركيز والانتباه لدى الفرد، وهذا يسهم في تعزيز قدرته على التركيز في مواقف أخرى من حياته، وخلال معاملاته في مجتمعه.

3. كسب المعرفة وتعزيز القدرة على حل المشكلات: فالقراءة تعمل على مد العقل بالأفكار المتعددة والثقافات المختلفة، وهو ما يعزز المعرفة لدى الفرد، ويوسع آفاقه في تحليل المواقف، وكيفية إدارته للأمور والتصرفات، والتعامل مع مختلف التحديات والمواقف في الحياة الأسرية والمجتمعية.

4. تطوير الذات: فأثناء القراءة يتفاعل الفرد مع المحتوى الذي يقرؤه، مما يساعده على استكشاف نفسه وأعماقه الداخلية، ويعزز ثقته بنفسه واعتماده عليها، فيبدأ بتحديد ما يحتاج إليه من تحسين قدراته الشخصية والمهنية، بما يعزز قدرته على اتخاذ القرارات في حياته الفردية والمجتمعية.

5. تعزيز القدرة على التعبير: فالقراءة تزيد من المفردات اللغوية لدى الفرد، فكلما زادت معرفته بكلمات جديدة وتعبيرات متنوعة، كان ذلك أثرى للغته وتعبيراته.

وأخيرا: فإن من أهم فوائد القراءة وعالم الكتاب عامة التقليل من الضغط النفسي والعصبي على الإنسان؛ فالقراءة تؤثر في القارئ من خلال انشغاله بما يقرؤه من محتوى ملهم ومثير، وهذا يقلل بدوره من تأثيرات الضغوط النفسية والعصبية على الفرد، وهو ما يساعد الإنسان على أن يكون مستقر المزاج.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ضياء الدين صبري

المزيد من مقالات

«اقرأ» .. أولى صيحات النور في الهدي الإلهي

لما نزل أمين الوحي جبريل -عليه السلام- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأول نسمات النور الإلهي، وهو قول...

منصة وسط الغياب

ثمة لحظات لا تقول فيها الأماكن شيئًا، وثمة صمت لا يصنعه غياب الكلام، بل تصنعه المقاعد حين تخلو، والوجوه حين...

في اليوم العالمي للسياحة.. مصر وجهة العالم السياحية

يحتفل العالم بيوم السياحة العالمي في 27 سبتمبر من كل عام لإبراز أهمية السياحة وقيمتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وهو...

سوق العمل واشكالية خريجي الإعلام !

تعدت قضية دراسة الإعلام التحفظ على انتشار غير عادي لكليات ومعاهد الإعلام إلى بحث إشكالية العلاقة بين تعليم الإعلام وسوق...