في بعض العلاقات، لا يكون الألم هو الشيء الأكثر إرباكًا، بل الطريقة التي نتعامل بها معه؛ قد يحكي لك أحدهم عن علاقة تؤذيه بوضوح، ثم يفاجئك وهو يبرر، أو يقلل مما حدث، أو يدافع عن الطرف الآخر وكأن شيئًا لم يكن. قد يبدو الأمر متناقضًا من الخارج، لكن في الداخل، هناك منطق مختلف تمامًا يحكم هذا السلوك.
منى عبد العزيزمستشارة علاقات زوجية وأسريةنائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري
هذا النمط لا يرتبط فقط بالحالات القصوى التي نسمع عنها، بل قد يظهر بشكل أكثر هدوءًا داخل العلاقات اليومية، فيما يُعرف نفسيًا بمتلازمة ستوكهولم، ليس بمعناها التقليدي المرتبط بالخطف، بل كحالة نفسية تجعل الإنسان يرتبط بمن يؤذيه، ويميل إلى تبرير سلوكه أو الدفاع عنه كوسيلة للحفاظ على العلاقة، حتى وإن كان هذا الأذى واضحًا.
ما الذي يحدث في الداخل؟
حين يتكرر الأذى داخل علاقة مع وجود لحظات متقطعة من القرب أو الاهتمام، يدخل الإنسان في حالة من الارتباك العاطفي، فلا يستطيع أن يصنف العلاقة بشكل واضح؛ هل هي مؤذية أم محبة؟ فيتمسك باللحظات الجيدة، ويقلل من أهمية الألم، لأن الاعتراف به يهدد استقرار العلاقة.
مع الوقت، لا يعود الهدف هو فهم ما يحدث، بل الحفاظ على العلاقة بأي شكل، وهنا يبدأ العقل في إعادة تفسير الواقع، ليس كما هو، بل كما يساعد على البقاء، وهو أحد أشكال ما يُعرف بمتلازمة ستوكهولم في العلاقات، حيث لا يكون الدفاع عن الطرف الآخر نابعًا من اقتناع كامل، بل من حاجة نفسية عميقة لتجنب الفقد.
حين يصبح الأذى جزءًا من الأمان
في هذا النوع من العلاقات، لا يكون الارتباط مبنيًا فقط على الحب، بل على التعلق بفكرة أن هذا الشخص—رغم ألمه—هو المصدر الوحيد للأمان أو القبول أو القرب. قد يشعر الإنسان أنه لا يستطيع الابتعاد، أو لا يجد بديلًا، أو أنه هو السبب فيما يحدث، وهنا يبدأ في الدفاع عن العلاقة، ليس لأنها صحية، بل لأنها “المتاح الوحيد” في نظره.
لماذا ندافع عمّن يؤذينا؟
لأن الاعتراف بالأذى يعني مواجهة حقيقة أصعب: أن العلاقة التي نتمسك بها قد لا تكون آمنة، وهذا الإدراك ثقيل، فيدفعنا العقل إلى تجنبه من خلال التبرير، أو التقليل، أو إعادة تفسير السلوك، أو حتى لوم النفس بدل لوم الآخر. فبدل أن نقول “هذا مؤلم”، نقول: “ربما أنا حساس أكثر من اللازم”، ونستمر.
بين التعلق والخوف
كثيرًا ما يرتبط هذا النمط بأنواع من التعلق غير الآمن، حيث يتعلم الإنسان مبكرًا أن الحب قد يأتي مع الألم، وأن القرب قد يتبعه انسحاب، فيصبح هذا النمط مألوفًا، حتى لو كان مرهقًا، ومع التكرار لا يعود السؤال: “هل هذا مناسب لي؟” بل: “كيف أحافظ عليه؟”
كيف يظهر ذلك في العلاقات؟
قد يظهر هذا النمط في صورة دفاع مستمر عن الطرف الآخر، أو تبرير للتصرفات المؤذية، أو تقليل من قيمة الألم، أو شعور بالذنب عند التفكير في الابتعاد، وقد يرى الآخرون الصورة بوضوح، بينما يظل صاحب العلاقة غير قادر على رؤيتها بنفس الدرجة، لأنه يعيش داخلها لا خارجها.
هل هذا ضعف؟
ليس بالضرورة، ففي كثير من الأحيان، هذا النمط هو محاولة نفسية للتكيف مع وضع معقد، حيث يحاول العقل أن يحافظ على قدر من الاستقرار الداخلي، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة، لكن المشكلة أن هذا التكيف، على المدى الطويل، يكلّف الإنسان جزءًا من ذاته.
كيف نبدأ في رؤية الصورة بوضوح؟
البداية لا تكون باتخاذ قرار مفاجئ، بل بالوعي؛ أن نلاحظ أين نبرر ما يؤلمنا، وأين نقلل من مشاعرنا، وأين نخاف من رؤية الحقيقة، وأن نسمح لأنفسنا بطرح سؤال بسيط: هل أشعر بالأمان في هذه العلاقة، أم فقط أخاف من فقدانها؟
في العلاقات… ماذا نحتاج؟
نحتاج إلى علاقات لا تضطرنا إلى الدفاع عن ألمنا، ولا تجعلنا نشك في مشاعرنا، بل تمنحنا مساحة لنكون واضحين دون خوف. العلاقة الصحية لا تحتاج إلى تبرير مستمر، ولا تجعلنا في صراع داخلي بين ما نشعر به وما نقنع أنفسنا به، بل تسمح لنا أن نرى الأمور كما هي، دون تشويه أو إنكار.
متلازمة ستوكهولم في العلاقات لا تعني أننا نحب الألم، بل أننا أحيانًا نتعلق بما نعرفه، حتى لو كان يؤذينا، لأن المجهول يبدو أكثر خوفًا من الألم المألوف.
وبين الرغبة في البقاء والخوف من الرحيل، قد نحتاج إلى أن نرى الحقيقة كما هي، لا كما تجعلنا نشعر بالأمان المؤقت، فليس كل ما نتمسك به يحمينا، وأحيانًا تكون أول خطوة نحو الأمان… أن نتوقف عن تبرير ما يؤلمنا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في بعض اللحظات، قد يحقق الإنسان ما كان يسعى إليه طويلًا، وظيفة جديدة، نجاحًا ملحوظًا، تقديرًا من الآخرين، أو حتى...
دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...
في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية بشكل غير مسبوق، وتفرض فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها على مختلف جوانب الحياة، تظل...
استكمالا لسلسلة إحكي يا تاريخ نورد اليكم اليوم قصة جديدة من الأدب المصري القديم ؛ سجلت القصة على بردية تسمى...