في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث كانت المنطقة على حافة انفجار واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت مصر كفاعل محوري أعاد توجيه البوصلة نحو التهدئة، مستندة إلى إرثها التاريخي في إدارة الأزمات وصناعة التوازنات الدقيقة.
ولم يكن ظهور اسم مصر ضمن قائمة الدول التي وجهت لها باكستان الشكر إلى جانب السعودية والصين وتركيا وقطر أمراً عابراً، بل يعكس دوراً مؤثراً في كواليس الوساطة التي حالت دون انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
القاهرة… مركز التوازن الإقليمي
تحركت بهدوء وفاعلية، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف؛ فهي تحتفظ بقنوات اتصال استراتيجية مع واشنطن، وفي الوقت ذاته تملك قدرة على التواصل غير المباشر مع طهران عبر أطراف إقليمية ودولية، ما منحها موقع “الضامن السياسي” القادر على بث رسائل الطمأنة.
وبالتنسيق مع شركائها، عملت مصر على بلورة إطار تهدئة يضمن وقف التصعيد العسكري، وحماية ممرات الملاحة الدولية، ومنع توسع الصراع إلى ساحات جديدة.
في قلب هذه التحركات، جاء دور الرئيس عبد الفتاح السيسي حاسماً، حيث قاد اتصالات مباشرة وغير مباشرة مع القوى الدولية، وعلى رأسها دونالد ترامب.
وقد خاطب السيسي الإدارة الأمريكية بلغة تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، واضعاً البعد الإنساني في صدارة المشهد، ومشدداً على أن أي مواجهة واسعة لن تكون مجرد صراع عسكري بل كارثة تهدد استقرار المنطقة والعالم، داعياً إلى منح الدبلوماسية فرصة حقيقية.
هذه المناشدة، المدعومة بثقل إقليمي وتنسيق جماعي، ساهمت في دفع مسار التهدئة من مجرد اتصالات إلى اتفاق يوقف شبح الحرب.
لعبت مصر دور حلقة الوصل بين الوسطاء؛ فنسّقت مع السعودية لتوحيد الموقف العربي، ودعمت الجهود القطرية في إدارة قنوات الاتصال الحساسة، واستفادت من النفوذ التركي في الملفات العسكرية، ورحبت بالدور الصيني كضامن اقتصادي وسياسي. هذا التنسيق أنتج ما يشبه “شبكة أمان إقليمية” ساهمت في تثبيت هدنة أولية وفتح الباب أمام تفاهمات أوسع.
ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد نجاح دبلوماسي عابر، بل مؤشر على تحوّل أعمق، حيث يعكس تقارب مصر والسعودية وتركيا وباكستان، بدعم صيني، بداية تشكّل نظام أمني إقليمي أكثر استقلالية وقدرة على إدارة أزماته بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
أثبتت مصر أن الدبلوماسية الذكية لا تزال قادرة على إطفاء الحرائق في أكثر اللحظات اشتعالاً. ومن خلال تحرك محسوب، وخطاب عقلاني، وشراكات إقليمية فعالة، ساهمت القاهرة في إبعاد شبح حرب كان يمكن أن تغيّر وجه المنطقة بالكامل، مؤكدة أن دورها التاريخي كصانع للسلام لا يزال حاضراً بل وأكثر تأثيراً في عالم يعيد تشكيل نفسه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...
لم تعد معادلات القوة في النظام الدولي تُقاس فقط بحجم الموارد أو القدرات العسكرية، بل بمدى قدرة الدول على إدارة...
في بعض الأيام تمتلئ البيوت بالأصوات، وتمتلئ المجالس بالأحاديث، وتمتلئ الصور بالابتسامات، ومع ذلك قد يشعر أحدنا بفراغ داخلي لا...
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث كانت المنطقة على حافة انفجار واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من...