عدت من جديد لمائدتي في المقهى الدبلوماسي الذي لم تطأه قدماي منذ دخول شهر رمضان المبارك.. واليوم.. وقد انتهى شهر رمضان وانقضت أيام العيد.. قصدته بحثا عن الدفء والأصحاب.. وهربا من المطر وصوت الرعد بالخارج..
وجلست أحتسي قهوتي الفرنسية وأنا أتذكر أيام وليالي الشهر الكريم الذي تسرب من بين أيدينا سريعا.. فتذكرت الحديث الذي رغم علمي بضعفه إلا أني سأذكره لأنه يلامس قلوب كل المسلمين ويقول الحديث "لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان، إن الجنة لتزيّن لرمضان من رأس الحول إلى الحول".. فمن فينا لا يتمنى أن تكون كل شهور السنة رمضان.. ولكن ماذا نحن فاعلون بعد رمضان.. هل سيعود كل منا إلى روتينه اليومي الطبيعي.. علينا أن نتمسك بكل خير كنا نفعله في رمضان.. فمن كان يختم القرآن الكريم مرة وأكثر.. فعليه أن يواظب على ورد يومي له ولو صفحة واحدة من المصحف.. ومن كان يكثر من النوافل فيصلي التراويح والقيام والتهجد.. فعليه أن يواظب ولو على ركعتين يصليهما بالليل.. ومن كان يواظب على صلاة الجماعة بالمسجد.. فليحافظ ولو على صلاتين.. فرضين.. يصليهما جماعة في المسجد يوميا..
ومن كان يعف عينه ولسانه عن البزاءة والحرام.. فليحافظ على طهارة عينه ولسانه بعد رمضان.. وهكذا.. ولا ننسى الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر".. وبينما أنا أسبح في الانوار الرمضانية.. فإذا بصديقي العزيز يربت على كتفي قائلا.. حمدالله على السلامة.. وبعد تبادل السلامات والتهنئات إذا به يفاجئني بسؤاله.. هو الراجل اللي اسمه ترامب ده عايز إيه بالظبط.. من ساعة ما بقى رئيس أمريكا وهو بيخبط في الناس كلها.. من كندا للمكسيك وجرينلند والدنمارك.. وبعدين فنزويلا وإيران.. اللي بقت تضرب القواعد الأمريكية في دول الخليج.. ده غير دعمه الكامل لإسرائيل اللي بتموت الفلسطينيين وبتضرب في لبنان وسوريا.. ده غير الرسوم الجمركية اللي فرضها واللي أثرت على دول كتير جدا.. ولما اسبانيا رفضت استخدام قواعدها الجوية في العمليات العسكرية ضد إيران غضب وهدد بقطع العلاقات التجارية معها.. إيه الحكاية بقى..
فأجبته قائلا.. أنا هقولك تحليل قرأته واتفق معاه في جوانب كثيرة.. تتمحور كلها حول الوجود الأمريكي وما يمثله من قوة عظمى وقطب أوحد في العالم.. وكلمة السر فيها الصين.. ازاي.. هقولك..
في فنزويلا نفذت الولايات المتحدة عملية اعتقال الرئيس مادورو وزوجته.. وأبرز ما ترتب على ذلك توقف خط النفط الذي كانت تبيع فنزويلا من خلاله 800 ألف برميل نفط يوميا إلى الصين الذي يعد أكبر المستفيدين من نفط فنزويلا..
ثم قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بضرب إيران وقتل خامنئي ومن أهم النتائج التي ترتبت على ذلك انقطاع خط البترول الذي كانت تبيع إيران من خلاله 1.5 مليون برميل نفط يوميا إلى الصين
ووفقا لنظرية راي داليو رجل الأعمال الأمريكي، مؤسس شركة بريدج وتر للاستثمار، الذي يتنبأ بالدورة الكبرى للنظام العالمي وصراعات القوى الكبرى فإنه عندما تقترب قوة صاعدة من القوة القائمة، يصبح الصدام حتميا.. وهذا ما يحدث بين أمريكا والصين..
فالصين تنتج وحدها 28% من إنتاج العالم.. وتقديرات المحللين تؤكد أنه بحلول 2030 ستكون الصين أكبر اقتصاد في العالم.
وهذا يمثل لأمريكا أزمة وجودية.. وإمّا أن توقف أمريكا منافستها الصين في تلك اللحظة.. أو لن تستطيع إيقافها.. وما يحدث الآن هو جزء من هذه العملية.
فالصين تستورد 73% من نفطها من فنزويلا وإيران وروسيا والسعوديةولهذا نفذت أمريكا خطتها في فنزويلا وإيران.. كما تم تقييد روسيا بالعقوبات.. وفي السعودية تراجع الإنتاج مع الحرب..الصين كانت تبني طريق الحرير الحديث الذي يمتد من بكين إلى قلب أوروبا.. سكك حديد.. مواني.. خطوط أنابيب.. استثمارات بتريليونات الدولارات..
فألمانيا على سبيل المثال.. لم يعد شريكها التجاري الأول أمريكا بل الصين.. وفرنسا توقع اتفاقيات جديدة مع الصين.. وإيطاليا انضمّت رسميا لمشروع طريق الحرير..
إيران كانت نقطة وصل أساسية في طريق الحرير.. استقرارها ضروري لوصول الصين إلى أوروبا.. هذا الاستقرار تم تدميره.. وهكذا قطعت أمريكا وقود الصين وأعاقت طريقها التجاري..
أما تايوان فتصنع 90% من أكثر الشرائح الإلكترونية تطورا تعتمد عليها الهواتف والسيارات والأسلحة وغيرها.. فمن يسيطر على تايوان… يسيطر على تكنولوجيا القرن 21.. ولهذا أمريكا تقول: “سندعم تايوان”.. والصين تقول: “تايوان لنا… ولو بالقوة”.
وهناك أمر آخر.. أمريكا لا تضعف الصين فقط… بل تربح أيضا.. لأن كل حرب تعني صفقات سلاح تصل في الخزانة الأميركية.. وهكذا تحقق أمريكا كل أهدافها.. قطع طاقة الصين.. تعطيل طريقها التجاري.. السيطرة على المنطقة.. الربح من السلاح.. وهنا يخرج صديقي زفرة من صدره وهو يقول.. يا ساتر.. ده شغل يهود.. ربنا يهدهم ويبعد عنا شرهم.. وهو يهم بالقيام ضاربا كف بكف.. وأنا أتابعه بنظري متمتما.. اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين..وللحديث بقية..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...
عدت من جديد لمائدتي في المقهى الدبلوماسي الذي لم تطأه قدماي منذ دخول شهر رمضان المبارك.. واليوم.. وقد انتهى شهر...
يدخل المشهد الإقليمي في المنطقة منعطفاً شديد التعقيد، يتسم بحالة يمكن وصفها بـ "اللا حرب واللا سلم". فمنذ تاريخ 28...
تظل الكلمة هي الأداة الأهم في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الرأي العام. ومن هنا، تأتي هذه الرسالة إلى كل من...