قرار المتحدة والوطنية للإعلام.. هل ينقذنا من سموم اليوتيوبرز والتيكتوكرز؟

في ظل الطفرة الرقمية المتسارعة، جاء قرار الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية والهيئة الوطنية للإعلام بالتوقف عن تناول أخبار اليوتيوبرز والتيكتوكرز، مدعومًا بموقفٍ مسؤول من نقابة الصحفيين، ليعكس وعيًا وطنيًا بخطورة ما شهده المجتمع خلال السنوات الماضية من انفلاتٍ قيمي عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي.

فقد تحولت منصات مثل يوتيوب وتيك توك، لدى فئة من صُنّاع المحتوى، إلى أدوات لبثّ الإسفاف والتطبيع مع سلوكيات دخيلة لا تمت بصلة إلى العادات والتقاليد المصرية والعربية الراسخة، في مشهد بات يهدد الهوية الثقافية ويشوّه المنظومة الأخلاقية للمجتمع.

هذا المحتوى، الذي يُنتَج بدافع الربح السريع، استهدف الغرائز وجذب المشاهدات دون أدنى اعتبار للأثر النفسي والتربوي، ما أدى إلى تشويه منظومة القيم، وألقى بظلاله السلبية على الأسرة، وأسهم في إرباك وعي الأجيال الجديدة، التي باتت تتلقى هذا السيل من الرسائل المشوّهة في مراحل عمرية مبكرة.

ومع الأسف الشديد، نجد أن الداعم الأكبر والمتواصل لهؤلاء اليوتيوبرز والتيكتوكرز الهدّامين يتمثل في جهات خارجية، من بينها أجهزة مخابرات معادية لمجتمعاتنا العربية، تسعى بشكل ممنهج إلى تفكيك البنية المجتمعية وضرب النسيج الاجتماعي وزعزعة الاستقرار. وتُخصَّص لهذه الأغراض ميزانيات ضخمة تُقدَّر بعشرات، وربما مئات، الملايين من الدولارات في الخفاء، بينما تظهر في الواجهة شركات صهيونية وغربية تدعم هذا الانحلال الأخلاقي، وتسخّر الأموال الطائلة عبر شركات وهمية تعمل كأذرع تنفيذية لتلك المخططات. ويُضاف إلى ذلك نوع آخر من الدعم يقدّمه بعض الأثرياء العرب من هواة متابعة هذا المحتوى الهابط، الذين يظنون أن دعمهم لا يتجاوز حدود التسلية، دون إدراك أن هذا الدعم يقوم على تقويض القيم والمبادئ الاجتماعية الراسخة. ويتفاقم الأمر في ظل حالة من الجهل لدى قطاعات واسعة داخل مجتمعات تعاني من الأمية الرقمية، حيث لا يدرك كثيرون خطورة أي تفاعل، سواء بالإعجاب أو التعليق أو المشاركة، في المساهمة في انتشار هذه الظاهرة المخزية وترسيخها داخل المجتمع.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع الارتباط المتنامي للمواطنين بالهواتف الذكية، واعتمادهم عليها في تفاصيل حياتهم اليومية، سواء في التواصل الشخصي، أو استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، أو الحصول على الخدمات الحكومية الرقمية، أو إنجاز الأعمال الخاصة والعامة. هذا الحضور الطاغي للتكنولوجيا جعل التأثير أسرع وأعمق، وأضعف مناعة المجتمع أمام المحتوى الهدّام.

إن ما قام به بعض اليوتيوبرز والتيكتوكرز من هدمٍ متعمد للقيم مقابل أموال طائلة يُعدّ بيعًا للضمير الإنساني، ويقترب من كونه جرائم مجتمعية تستوجب عقوبات جنائية رادعة، حمايةً للأمن الأخلاقي للمجتمع.

ومن هنا، تتجلى أهمية الدور التكاملي لمؤسسات الدولة، عبر المدارس والجامعات، والمنصات الإعلامية، والصحف والمواقع الإخبارية، إلى جانب وزارة الأوقاف من خلال خُطب المساجد، والكنائس، ومنظمات المجتمع المدني الأهلية، في تصحيح المفاهيم، وبناء وعيٍ حقيقي، وصون المجتمع من تلك السموم التي انتشرت ليلًا ونهارًا دون رادع.

 	 عادل خفاجى

عادل خفاجى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

فتيات يصنعن الجيل الأخضر .. حين يتحول التطوع إلى قوة للوعي والاستدامة

شهد العمل التطوعي البيئي خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا للفتيات الشابات، سواء في حملات التوعية أو المبادرات المجتمعية أو الأنشطة...

محمد صلاح.. الدرس الذي يجب أن يدرس لكل شاب عربي

في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تصنع أحيان بالضجيج، خرج شاب بسيط من قرية مصرية صغيرة ليؤكد أن الطريق الحقيقي إلى...

كيف أصبحت أمريكا عاصمة العلم والدجل الطبي معا؟

في عام 2016، وجدت نفسي داخل قاعة ضخمة في فندق فيرمونت بمدينة دالاس في ولاية تكساس، أحضر لأول مرة مؤتمرا...

دفاع عقلاني عن القانون الدولي

في عالم تتوالى فيه مشاهد القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، لم يعد السؤال عن جدوى القانون الدولي سؤالا نظريا يخص...