مبدعون: المسرح قادر على التطور ويرتبط بشكل وثيق بالبيئة الحاضنه له

  • أ ش أ
  • الأربعاء، 03 سبتمبر 2025 05:50 م

أكد عدد من المبدعين أن المسرح قادرا على التطور ومواكبة العصر، مشيرين إلى ارتباطه بشكل وثيق بالبيئة الحاضنة له، وتأثره بالهوية الثقافية وبالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

جاء ذلك خلال الندوة الفكرية التي عقدتها إدارة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في دورته الثانية والثلاثين، اليوم الأربعاء، بعنوان "تجارب مسرحية معاصرة "، ضمن المحور الفكري المنعقد تحت شعار "المسرح وما بعد العولمة".

شارك في الجلسة المسرحي والباحث الدكتور صالح زمانان من (السعودية)، والباحثة والفنانة آن ماري سلامة من (لبنان)، فيما أدار الحوار الدكتور حاتم ربيع من (مصر).

وأكد الدكتور حاتم ربيع أستاذ الأدب بجامعة عين شمس، أن المسرح ما زال قادرا على التطور ومواكبة العصر، رغم أننا نعيش اليوم في عالم متسارع تحكمه التحولات الكبرى، وسط هيمنة الوسائل الرقمية الحديثة التي أصبحت تسيطر على المشهد الثقافي والفني بسرعة غير مسبوقة.

وأشار ربيع إلى أن عصر ما بعد العولمة فرض واقعا جديدا، تتداخل فيه الحدود بين الفنون وتتقاطع فيه الثقافات، وتتنافس فيه وسائل الاتصال الحديثة على جذب الجمهور، ما جعل المسرح في مواجهة تحديات معقدة تتعلق بكيفية الحفاظ على حضوره وتأثيره، دون أن يفقد جوهره كفن حي يقوم على التفاعل المباشر مع المتلقي.

ولفت إلى أن الحفاظ على المسرح العربي في هذا السياق يتطلب مقاربات جديدة توازن بين الأصالة والابتكار، وتدمج تقنيات العصر الرقمية والإبهار البصري بالصوت الحي والكلمة، بحيث يظل المسرح مساحة للحوار الإنساني العميق، لا مجرد عرض يتأثر بزمن السرعة والاستهلاك.

من جانبه، قال الكاتب المسرحي والباحث السعودي صالح زمانان، إن عرض ترحال الذي أطلقته وزارة الثقافة السعودية في مارس 2023، وأعادت عروضه في أغسطس 2025، يجسد تجربة مسرحية أدائية ضخمة وفريدة من نوعها، تنتمي لما يمكن تسميته بالعرض الغامر ، حيث تم تصميمه وفقا لأعلى المعايير العالمية ليكون تجربة حسية غامرة للجمهور، ويحتفي بالثقافة السعودية الغنية والمتنوعة، ويبرز دور التراث الأصيل في تشكيل مستقبل المملكة ورؤيتها الطموحة (رؤية المملكة 2030)، وبني المسرح الخاص لعرض ترحال في حي الثليما بموقع الدرعية الأثري، مهد الدولة السعودية الأولى قبل 300 عام، مما يعزز من رمزية العرض وارتباطه الوثيق بتاريخ المملكة وتراثها العريق.

وأوضح زمانان، أن هناك علاقة بين الهوية والأداء تحدثت عنها جودت باتلر، حيث لفتت إلى أن الهوية تتشكل من خلال الأداء، وهذه النظرية تقترب مما نبه إليه بول ريكور عندما أشار إلى دور السرد في تشكيل الهوية متحدثا عن الهوية السردية.

وأضاف زمانان:"نحن في هذه الورقة سنسعى عبر منهج التناص إلى تحليل كيف تتشكل الهوية عن طريق الفعل المسرحي الغامر، وكيف يعبر ذلك عن هوياتنا بوصفها جدل يجمع بين ما نرثه من الجماعة التي ننتمي إليها، وما نقوم به من فعل خلال فترة وجودنا في هذا العالم، عالم "العولمة" الذي يتأثر مسرحه بالثقافات المختلفة، ويزدهر خطابه عبر التقنية الحديثة المبهرة، ويقيم أساليب جديدة ومبتكرة تخرج عن الأساليب المسرحية التقليدية، مشيرا إلى أن عرض ترحال التناص استمر على نحو إبداعي جعل منه "عرضا جامعا" قياسا على النص الجامع لجيرار جنيت، وصنع عبر مسرحه التفاعلي الضخم، وعبر الإخراج الغامر والتقنيات البصرية والضوئية الهائلة، وفنون السيرك والبلهلوانيات الجديدة، والأداء المتميز، خطابا كثيفا يعبر عن الإرث السعودي المتنوع في الأقاليم، ويحاول سبر العلاقة بين الشخصية السعودية المعاصرة وبين الإرث والتراث، وعلاقة ذلكم الإرث بمستقبل المملكة الموعود، ولم يتخذ التناص في العرض شكلا أسلوبيا فقط، بل كان بنية وغاية جمالية حرص العرض على استثمارها لتمثيل الهوية الجامعة المنفتحة، فالانفتاح الجمالي عبر التناص هو انفتاح خطابي للهوية وترامز بيني يعطي للهوية الشكل المتعدد الذي يعكس التطور الذي عرفته الهوية في المجتمع السعودي الحديث والمعاصر.
وأشار زمانان إلى أن التناص في عرض ترحال يظهر أنه ليس مجرد عمل فني مستقل، بل هو نسيج معقد ومتشابك من العلاقات مع نصوص متعددة، أدبية وفنية وثقافية

ورأى أن التناص أسهم في تعزيز رؤية العرض ورسالته، وإثراء التجربة المسرحية، وتعزيز التواصل مع الجمهور، حيث يمثل نموذجا للتفاعل الإبداعي بين النصوص والثقافات، ويؤكد على أن الهوية الثقافية هي عملية ديناميكية تتشكل من خلال الحوار والتفاعل مع الآخر.

واختتم حديثه قائلا: "يتجلى التناص بالعرض في ثلاثة ملامح هي: التناص مع المسرح العالمي، والتناص مع الفنون الأدائية، والتناص مع التراث العربي والسعودي.

من جهتها، قدمت الباحثة آن ماري سلامة ورقة بحثية بعنوان "تحولات المسرح الرحباني بين المثالية والواقعية وتأثير البيئة الحاضنة"، حيث تناولت بالدراسة والتحليل مسيرة المسرح اللبناني وتحولاته الكبرى عبر نموذجي مسرح الأخوين رحباني ومسرح زياد الرحباني.

وقالت الباحثة آن ماري سلامة ، إن المسرح هو انعكاس لقضايا البيئة، وفي لبنان، بلد التعدد الثقافي والطائفي والسياسي والاجتماعي، كان المسرح مرآة لهذه التداخلات المعقدة،وجاءت تجارب المسرحيين فيه لتجسد هذا الواقع المتغير.

والمثال الأبرز على ذلك هو العلاقة الجدلية بين مسرح الأخوين رحباني ومسرح زياد الرحباني".

وأوضحت أن المسرح يرتبط ارتباطا وثيقا بالبيئة الحاضنة له، فهو يتأثر بالهوية الثقافية وبالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فضلا عن طبيعة الجمهور الذي يتلقى هذا الفن ويتفاعل معه، ففي لبنان، أثرت التقاليد العربية، والبيئة المتوسطية، والتنوع الطائفي والديني، على شكل ومضمون المسرح، كما لعبت الأوضاع السياسية والاجتماعية دورا مهما في تحويل المسرح إلى ساحة مقاومة أو فضاء للتنفيس، خاصة خلال الحرب الأهلية وبعدها.

وأشارت إلى أن الجمهور اللبناني المتنوع أتاح بدوره مساحة لظهور أنواع مختلفة من المسرحيات، من المسرح الغنائي الشعبي إلى المسرح السياسي النقدي، إلى المسرح الكوميدي، وصولا إلى مسرح الشانسونيه الذي برع فيه زياد الرحباني.

ونوهت إلى أن التنوع الثقافي والطائفي في لبنان انعكس بقوة على الإنتاج المسرحي، حيث عالجت الكثير من الأعمال مسألة الانقسامات والهويات المتعددة، كما تركت الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) أثرا عميقا على المسرح، فبينما قدم الأخوان رحباني مسرحا مثاليا حالما يرفع قيمة الوطن، جاء مسرح زياد الرحباني ليقدم خطابا جديدا، واقعيا وصادما وساخرا، يعكس الانهيار الداخلي للمجتمع اللبناني وتناقضاته.
وقالت الباحثة إن المسرح اللبناني تميز بهامش من الحرية لا يتوفر في العديد من الدول العربية، وهو ما سمح بظهور خطاب نقدي سياسي واجتماعي قوي، كما أتاح المجال لظهور فرق مسرحية تجريبية مثل محترف بيروت للمسرح (1968)، وفرقة الحكواتي (1978)، وفرق حديثة مثل زقاق وأشكال ألوان وكهربا ومحترف لبن، وكلها مبادرات حاولت كسر القوالب التقليدية، وتجديد العلاقة مع الجمهور، وتقديم أشكال مسرحية بديلة.

وعن تحولات المسرح الرحباني قالت: "إن الأخوان رحباني رؤية مثالية للبنان، رؤية شاعرية، تحتفي بالوطن والإنسان بوصفهما مقدسين، فيما قدم زياد الرحباني رؤية واقعية، بل ساخره أحيانا، ترى الوطن منهكا والإنسان هشا، لا بطلا أسطوريا.

كما استخدم الأخوان رحباني لغة شعرية فصحى تقترب من الأسطورة، بينما اعتمد زياد على لغة محكية يومية قريبة من الناس، ما جعل مسرحه أكثر التصاقا بالواقع السياسي والاجتماعي.

وأوضحت أن هذا التحول من المثالية إلى الواقعية لم يكن مجرد انتقال في الأسلوب، وإنما كان انعكاسا لتحولات المجتمع اللبناني نفسه، الذي انتقل من حلم الدولة المثالية إلى صدمة الحرب الأهلية والانقسامات الداخلية.

واختتمت الباحثة حديثها بالتأكيد على أن المسرح في لبنان كان دائما فعل حياة، لا ترفا ثقافيا، فهو مرآة لبيئته، يعكس تناقضاتها وتحولاتها، ويؤثر فيها بقدر ما يتأثر بها، ومن خلال المقارنة بين مسرح الأخوين رحباني وزياد الرحباني، يمكننا أن نرى كيف أصبح المسرح اللبناني مساحة للتعبير عن الأزمات والهويات المتعددة، وفضاء مفتوحا للتجريب والتجديد.

 

أ ش أ

أ ش أ

وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) هي وكالة أنباء مصرية رسمية، تأسست عام 1956

أخبار ذات صلة

رحيل فنان "صاحب رصيد فني" .. جميل برسوم
ندوة فكرية
ندوة
س
مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي
ريم أحمد
المخرج عصام السيد
سليم سحاب

المزيد من فن وثقافة

صالون الإعلام بمكتبة مصر العامة يحتفي برموز الفن المصري

شهدت مكتبة مصر العامة أمسية ثقافية وفنية كبرى نظمها صالون الإعلام تحت عنوان: "من دولة يوليو إلى الجمهورية الجديدة.. رسالة...

حفل لـ أوركسترا القاهرة السيمفونى اليوم على المسرح الكبير بدار الأوبرا

تنظم دار الأوبرا المصرية حلقة جديدة من سلسلة حلقات سيمفونيات أوركسترا القاهرة السيمفونى، اليوم السبت في تمام الساعة 7 ونصف...

طرح أول إعلان لفيلم Ice Age: Boiling Point

أطلقت شركة Disney و 20th Century Studios أول إعلان رسمي لفيلم الرسوم المتحركة المنتظر Ice Age: Boiling Point، والذي يمثل...

قطاع الفنون التشكيلية يفتح باب التقدم لصالون الشباب فى دورته الـ36

أعلن قطاع الفنون التشكيلية، برئاسة الدكتور محمود حامد، فتح باب التقدم للمشاركة في الدورة السادسة والثلاثين من صالون الشباب، الذي...